استمع إلى الملخص
- في كتابها "ما وراء الحجاب"، ربطت المرنيسي بين الحريم وهشاشة المرأة، موضحةً كيف كان الحريم أداة لضبط الفضاء الاجتماعي وتنظيم الحركة داخل المجتمع.
- كشفت المرنيسي في "هل أنتم محصنون ضد الحريم؟" عن أشكال جديدة من الحريم في المجتمع الحديث، معارضةً الاستشراق وساعيةً لإعادة بناء مفهوم الحريم عبر التجربة الشخصية والبحث السوسيولوجي.
فتحت فاطمة المرنيسي، على نحوٍ غير مسبوق، البابَ على مصراعيه لإعادة صياغة معنى "الحريم" بعيداً عن الرؤية الاستشراقية التي لم ترَ فيه سوى فضاء إيروتيكياً تتنافس فيه الإماء والجواري من أجل إمتاع "الأسياد"؛ رؤيةٌ تميّزت بالإخفاق في تمثيل التراتب الثقافي داخل هذا الفضاء، وبغياب الجرأة في الدخول في تفاصيله النفسية، وفي كشف نمط العلاقات السائدة فيه، وفي تأشير العلاقة المتكسّرة بينه وبين العالم الخارجي الذي يحتلّ الرجل (الذكر) المركز الأساسي فيه.
الجنس هندسةً اجتماعيةً
غداً 30 من نوفمبر/ تشرين الثاني، تحل الذكرى العاشرة لرحيل عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي، التي دأبت، منذ أطروحتها الأولى "ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية"، على الحفر التاريخي والجينيالوجي في تاريخ "الحريم" والتمثّلات "الذكورية" في اشتباكها مع الرؤى الاستشراقية والإسلام والماركسية.
عارضت المرنيسي الصورةَ الاستشراقية التي ترى أنها تخدم خيال الغرب أكثر مما تعكس واقع النساء. لذلك أعادت قراءة المصادر العربية نفسها — المؤرخين وكتب الأدب — لإظهار أن المرأة لم تكن دائماً مهمّشة، وأن حياة القصور والحريم كانت أكثر تعقيداً مما يُروَّج له في الخطاب الغربي.
أعادت صياغة مفهوم الحريم من الداخل انطلاقاً من تجربتها
في ضوء هذه المعارضة، المؤسسة على تجربة ذاتية صاغتها في كتاب "نساء على أجنحة الحلم"، أعادت فاطمة المرنيسي صياغة مفهوم الحريم من الداخل، لا بوصفها باحثةً سوسيولوجية فقط، بل كامرأة عاشت بعض تجليات هذا الحريم اليومية في مدينة فاس. وهو ما منح كتاباتها حول الحريم قوةً استثنائية تمزج بين الذاكرة الشخصية والخبرة الميدانية والتحليل النظري.
بيت تحكمه العادات
في كتابها السردي "نساء على أجنحة الحلم"، الذي ترجمته فاطمة الزهراء أزرويل، قدّمت المرنيسي شهادة حية عن طفولتها في بيت تحكمه العادات والتقاليد، بيت كبير يشبه الحريم لكن دون مبالغات استشراقية. تلك التجربة الشخصية كانت الشرارة التي ستفتح للمرنيسي باب السؤال: ماذا يعني الفصل بين النساء والرجال؟ لماذا يحدّد النظام حركة المرأة داخل فضاء مضبوط؟ وهل الحريم مجرد عادة اجتماعية أم تقنية سياسية لإنتاج الطاعة؟
منظومة كاملة من الحدود المرئية واللامرئية
أدركت المرنيسي، من خلال التجربة، أن الحريم ليس مجرد جدران تعزل النساء عن الرجال، بل منظومة كاملة من الحدود المرئية واللامرئية، من "الممنوع" و"المسموح". وبدأت بناء مشروعها الفكري حول الحريم، فكان "الحريم السياسي" خطوة أولى نحو فك الارتباط بين الحريم بوصفه فضاء منزلياً وبين السلطة بوصفها فضاء رمزياً. ذلك أن الحريم، كما تراه، طريقة لإدارة الجسد الأنثوي وتحجيم صوته داخل النظام السياسي. ولعل هذا ما حدا بها إلى تأليف كتاب "ما وراء الحجاب/ الجنس كهندسة اجتماعية" (ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل)، حيث صاغت نظرية أوسع تربط فيها بين مفهوم الحريم، وتبيّن كيف تُصنع هشاشة المرأة عبر منظومة من المعتقدات والعادات والقوانين التي تهدف لتحويلها إلى كائن يمكن التحكم فيه.
تحدثت المرنيسي في هذا السياق عن وظيفة الغرائز ودور المرأة في الحياة الجنسية، وعن الرقابة على المرأة و"الزواج كمجال للصراع" و"المعنى الضمني للحدود"، وذلك من خلال قراءة ذكية للتراث الإسلامي، حيث أعادت طرح السؤال حول علاقة السلطة بالمرأة، مبينةً كيف كان التحكم في فضاءات النساء جزءاً من هندسة الحكم، ما يدلّ على أن الحريم مؤسسة سياسية وأداة لضبط الفضاء الاجتماعي، وأنه جزء من بنية الحكم التي تهدف إلى تنظيم الحركة داخل المجتمع من خلال تقييد المرأة.
هذه القراءة السياسية تُسقط فوراً الفكرة الغربية التي ترى الحريم بوصفه عالماً غريباً ومبهَماً، متعةً للعين وغموضاً للخيال، لتضعه في سياقه الطبيعي: فضاءً للمراقبة والسيطرة. وهنا يصبح الاستشراق، في نظرها، إسقاطاً لرغبات الغرب على موضوع لا يعرفه إلا من داخله.
وهنا تختلف مع الباحث الأنثروبولوجي الجزائري مالك شبل، الذي يقترب من الحريم من زاوية الخيال الجنسي العربي - الإسلامي، أو ما يسميه هو نفسه "الأنثروبولوجيا الإيروتيكية للإسلام"، التي تنظر إلى الحريم بوصفه فضاءً رمزياً أنتجته المخيلة الإسلامية، وارتبط — في جانب كبير منه — بالترف واللذة والشعر والجواري وسحر الشرق؛ فهو، عكس المرنيسي، يحاول أن يفهم كيف تشكّلت صورة الحريم بوصفها جزءاً من الخيال العربي، وفي الوقت نفسه بوصفها جزءاً من الخيال الغربي عن الشرق.
أشكال جديدة أو مغيّبة من الحريم
ولأن الحريم يتحرك ويتحوّل مع التاريخ، أصدرت المرنيسي كتابها "هل أنتم محصنون ضد الحريم؟" (ترجمة نهلة بيضون)، لتكشف أن المجتمع الحديث، الذي يفاخر بتمدّنه، لا يخلو من أشكال جديدة أو مغيّبة من الحريم: الحريم الإغريقي والروماني، حريم الكاهن الألماني الذي يدافع عن تعدّد الزوجات، حريم المؤسسات التي تحدّ من صعود النساء، حريم العلاقات اليومية التي تُنتج قيوداً أشد نعومة. لقد كان السؤال موجّهاً للقارئ المعاصر: هل خرجنا بالفعل من زمن الحريم، أم أننا بنينا حريماً شفافاً لا نراه، لكنه يضبط سلوكنا ويعيد تشكيل علاقاتنا؟
فكّكت الارتباط بين الحريم فضاءً منزلياً والسلطة فضاءً رمزياً
لقد حوّلت المرنيسي الحريم إلى سؤال كوني مفتوح، وإلى مجال حيوي للسلطة، انطلاقاً من رصد الكيفية التي يتشكّل بها الجسد، اجتماعياً وسياسياً، بين القيود والاحتمالات، خاصة أنها ترى أن الحريم شبكة من العلاقات المستمرة، قد تتخذ شكل جدار، أو شاشة تلفاز، أو قانون عابر، أو حتى نظرة اجتماعية.
لقد تمكنت المرنيسي من خلخلة البنية السياسية لفكرة الحريم، كما اتخذت موقفا حاداً من الاستشراق الذي شوّه، في نظرها، صورة المرأة في المنطقة العربية حين حوّلها إلى موضوع فرجة أو رمز جنسي بلا تاريخ اجتماعي ولا معاناة يومية. ومن ثم، فإن كل كتاباتها حول الحريم تشتغل لنزع الشرعية عن نظرة الغرب، وإعادة بناء المفهوم من الداخل، عبر التجربة الشخصية، والبحث السوسيولوجي، والحفر النقدي في التراث.