عمر النجدي والمعنى الروحاني للّوحة

20 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
عمر النجدي في معرضه بغاليري المسار القاهري عام 2014 (منشورات الغاليري)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- سعى الفنان عمر النجدي للتوفيق بين الحداثة الغربية والهوية الثقافية العربية، حيث تميزت أعماله بتنوعها الفني من خلال تقنيات الحفر والتصوير والنحت والجداريات، مما أتاح له خلق رؤية بصرية متكاملة.

- استلهم النجدي من التراث البصري الإسلامي والعربي، حيث تعكس أعماله روحانية عميقة وجوهر الإنسان، متأثرة بالأيقونات القبطية والجداريات الإسلامية والفنون الشعبية المصرية.

- تميزت أعمال النجدي بجنوحها إلى التصوف، حيث حافظ على خصوصيته وعزلته، مما مكنه من بناء مشروعه الفني بعيداً عن إكراهات السوق، مؤثراً في الوعي البصري لجيله والأجيال اللاحقة.

منذ انفتاح المنطقة العربية على مفاهيم الحداثة الغربية، ظلّ هناك بحث مستمر عن صيغة تُوفّق بينها وبين الهوية الثقافية المتجذّرة في التاريخ. غير أن هذا السعي ظلّ إشكالياً بطبيعته، فغالباً ما ينطوي على قدرٍ من الوعي المأزوم بالذات، ويتحوّل البحث عن الأصالة أحياناً إلى ردّة فعل، لا إلى فعلٍ خلاقٍ من داخل التجربة نفسها. ومن ثمّ، يغدو استحضار التراث في بعض المحاولات الفنية نوعاً من التبرير النظري، أكثر منه استيعاباً حقيقياً لطاقته الجمالية والفكرية. في هذا الإطار، يمكن قراءة تجربة الفنان المصري عمر النجدي (1931 - 2019)، الذي يتواصل معرضه الاستعادي في غاليري بيكاسو بالقاهرة حتى نهاية الشهر الجاري، بوصفها مساحة تأمل في هذا السؤال المفتوح: كيف يمكن للتراث أن يتحوّل إلى لغة معاصرة دون أن يفقد جوهره أو يتحوّل إلى قناعٍ يُخفي وراءه هواجس الهوية؟

لا تقتصر التجربة الإبداعية لعمر النجدي على خط فني واحد أو وسيط بعينه، فمنذ بداياته في خمسينيات القرن الماضي، بدا وكأنه في سعي دائم لالتقاط جوهر اللحظة، وتحويله إلى أثر بصري متجدّد في رؤيته وتكوينه. تتجاور في أعماله تقنيات الحفر مع التصوير والرسم، والنحت مع الجداريات، كأنّ كل وسيط يفتح له نافذة جديدة على رؤية أكثر اتساعاً، لا تكتمل إلّا حين تتآلف العناصر جميعها في نسق واحد متماسك. ولعلّ المعرض المقام حالياً يتيح للزائر فرصة للتعرّف على بعض ملامح هذه التجربة الغنية. لا يستند المعرض إلى فكرة محدّدة يمكن الإمساك بها بسهولة، لكنّه بدا مثل خريطة مفتوحة تعكس ثراء التجربة واتساع رؤيتها البصرية.


السموّ الجمالي

كان عمر النجدي من الفنانين الذين وجدوا في التراث البصري الإسلامي والعربي منبعاً لأسئلتهم الجمالية. لم يكن استدعاؤه لهذه الجذور تكراراً أو زخرفة سطحية، بل انبثاق من روحانية عميقة تمسّ جوهر العمل الفني. كان يرى أن الفن الإسلامي بلغ درجة من السمو لم يصل إليها أيّ فن آخر، وأنه بفضل بنائه على عقيدة ورؤية كونية صار قادراً على أن يُلهم الفنان المعاصر بقدر ما ألهم المبدعين الغربيين من قبل. حتى إنّ تجربته بدت في مجموعها أشبه بقطعة أرابيسك ضخمة، تتشابك فيها الخطوط لتفتح على ضوءٍ جديد في كل مرة. وهو ما جعل أعماله، على تنوعها، تبدو كأنها نافذة واحدة على عالم ممتد، سواء كانت لوحة أو جدارية أو منحوتة.

التقاط جوهر اللحظة وتحويله إلى أثر بصري متجدّد في تكوينه

من بين أبرز تجليات هذا الارتباط بالتراث، يبرز البورتريه في أعمال النجدي بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم عالمه البصري. فالشخصيات التي يرسمها لا تُحيل إلى أشخاص بعينهم، بل إلى جوهر الإنسان، إذ تتبدّى الوجوه كأنها تنبثق من عمق الذاكرة الشرقية، مشبعة بعبق الأيقونات القبطية والجداريات الإسلامية والفنون الشعبية المصرية. في الوجوه التي يضمّها المعرض نستطيع أن نلمح ذلك بسهولة، إذ تحيط بالوجه المرسوم خطوطٌ متشابكة وزخارف دقيقة تشبه نسيج الأرابيسك، فيما يغمر البريق الذهبي الخلفية ليمنحها بعداً روحانياً. كما تتّسع العيون في أغلب هذه الوجوه كأنها مرايا للدهشة والتأمل، بينما يظل الفم مغلقاً في صمتٍ دالّ، يشي بما هو أبعد من اللغة. في هذه الأعمال يتقاطع الحسي بالميتافيزيقي، فتتحول الملامح إلى رموز للخلود والصفاء، من خلال استخدام الفسيفساء والمواد الخام ليمنح السطح طابعاً نحتياً، ويجعل من الوجه كياناً متجسداً للروح، فيتحول البورتريه عنده من تمثيلٍ للظاهر إلى تأملٍ في الجوهر، ومن شكلٍ محدد إلى كينونةٍ تتجاوز الزمن.


البرق الذي يلمع فجأة

تتسم أعمال النجدي بجنوح واضح إلى التصوف، لا بمعناه الضيق، بل في البحث عن لحظة اندهاش خالصة يلتقطها الفنان ثم يترجمها بصرياً. وصف النجدي عمله بأنه استجابة لـ"البرق" الذي يلمع فجأة في الوجدان، فيمنحه ولادة جديدة للوحة أو تمثال. من هنا يمكن قراءة أعماله بوصفها تجسيداً لانفعالاته، تتجلى في خطوط متحرّرة لا تنشد التطابق مع الواقع بقدر ما تنزع إلى الكشف عن الصور والمعاني الكامنة خلفه. ولعل هذا النزوع الصوفي هو ما جعل كثيراً من أعماله تحمل رموزاً ذات دلالات متكررة، مثل الحصان، الذي كان يراه عنصراً جمالياً مرتبطاً بالموروث العربي والإسلامي، لكنه في الوقت نفسه لم يكن يخطط لوجوده مسبقاً، بل كان يطل من بين الخطوط لحظة الانفعال، وكأن الرمز يتشكل ذاتياً من التجربة.

من أعمال الفنان (غاليري المسار/ القاهرة)
من أعمال الفنان (غاليري المسار/ القاهرة)

لم يُعرف عن النجدي الميل إلى الأضواء أو البحث عن موقع ضمن موجة أو حركة جماعية، وظل محافظاً على عزلة نسبية لم تكن انعزالاً، بل شكّلت جوهر خصوصيته، إذ مكّنته من بناء مشروعه بعيداً عن إكراهات السوق أو ضغوط اللحظة. ولعل هذا ما جعله أكثر حضوراً واستمراراً، لأن أعماله لم تكن استجابة لزمن عابر، بل محاولة لإقامة جسر بين الحاضر والماضي.

خطوط متحرّرة تنزع إلى الكشف عن الصور والمعاني الكامنة

كان عمر النجدي الذي حاز أكثر من درجة علمية متخصّصة في الخزف والغرافيك والتصوير الجداري والنقد من أكاديميات إيطالية وروسية وهولندية، قارئاً جيّداً للفكر الجماليّ، وقد وجد في الفنون الإسلامية نسقاً فلسفياً متكاملاً يتصل مباشرة بالعقيدة والروح. لذلك رفض النظرة الاستشراقية التي رأت فيها مجرد زخارف خالية من المضمون، بل على العكس، وجد علاقة متفردة بين الكتلة والفراغ، وبين الدائرة والمربع، وبين الزخرفة والمعنى الروحاني، وكذلك التوازن بين الصلابة والشفافية، وهو ما جعله يعتبر الفن الإسلامي أرقى ما أنتجته الحضارات، ومن ثم أصبح بالنسبة له منبعاً لا ينضب للتأمل والتجريب.

على مدار أكثر من نصف قرن، شارك عمر النجدي في عشرات المعارض داخل مصر وخارجها، وحاز العديد من الجوائز والأوسمة، واقتنت أعماله مؤسّسات ومتاحف عالمية. غير أنّ ما يميز إرثه هو أثره في الوعي البصري لجيله والأجيال اللاحقة. فقد جسّد نموذج الفنان الذي يرى في كل وسيط فرصة جديدة للبوح، وفي كل لحظة ومضة تستحق أن تتحول إلى أثر بصري. لقد رحل عمر النجدي، لكن أعماله تظل شاهداً على مغامرته الجمالية والروحية، وعلى إيمانه العميق بأن الفن ليس ترفاً، بل بحث دائم عن المعنى وسط صخب العالم.

المساهمون