فاطمة شرف الدين.. دليل لكتابة أدب الطفل والناشئة

30 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:45 (توقيت القدس)
لكل مرحلة خصائصها ولكل فئة احتياجاتها (تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشكل السرد الشفوي جزءاً أساسياً من الثقافة العربية، حيث انتقل إلى الكتب المطبوعة والوسائط المتعددة. يقدم كتاب "خطوة خطوة نحو الاحتراف" دليلاً عملياً للكتابة للأطفال، مؤكداً على أهمية الممارسة اليومية وتدوين الأفكار الصغيرة.
- يركز الكتاب على معالجة المواضيع الحساسة في حياة الأطفال مثل الخوف والغيرة، مشدداً على تناولها بوعي واحترام. كما يتناول تحديات الكتابة لليافعين في الأدب العربي، مع تقديم نصائح للمراجعة والنشر.
- يتناول الدليل أيضاً كتاب "عن أحوال كتب الأطفال" لماتيلد شافر، الذي يبحث في تاريخ القصة المصورة العربية وتأثير التحولات السياسية والثقافية، مما جعله مرجعاً مهماً في أدب الأطفال العربي.

شكّل السرد الشفوي في ثقافتنا العربية ركيزة أساسية لنقل المعرفة والخيال والقيم، من الحكواتي في المقاهي، إلى الجدات اللواتي حفظن الحكايات وورّثنها للأجيال. ومع تطور المجتمعات ووسائل التعبير، انتقلت القصص إلى الكتب المطبوعة، ثم إلى وسائط متعددة تحاصر الطفل اليوم من كل الجهات. في هذا السياق، يأتي كتاب "خطوة خطوة نحو الاحتراف... دليل كتابة الأدب للطفل والناشئ" للكاتبة اللبنانية فاطمة شرف الدين، ليقدّم دليلاً عملياً عميقاً ومبنياً على تجربة طويلة في مجال أدب الأطفال واليافعين.

يمكن النظر إلى الكتاب الصادر حديثاً عن منشورات صنوبر بيروت (التصميم والإخراج الفني لسنان حلاق، والتدقيق اللغوي لسارة شاهين ومحمد الفاضلي)، بوصفه رفيق طريق للكاتبات والكتاب الراغبين في خوض هذا العالم المعقّد والآسر في آن واحد. تنطلق شرف الدين من مسلّمة بسيطة لكنها جوهرية: الكتابة للأطفال ليست أسهل من الكتابة للكبار، بل قد تكون أكثر صعوبة. فهي تتطلب وعياً مضاعفاً باللغة، وبالنفس البشرية في مراحل نموها المختلفة، وبالأثر النفسي والعاطفي الذي يمكن أن يتركه النص على القارئ الصغير.

ترى الأدب مساحة آمنة للطفل لفهم العالم والتصالح مع تعقيداته

يقود الكتاب القارئ/ة والكاتب/ة خطوة خطوة، بدءاً من بناء عادة الكتابة اليومية. تشدد شرف الدين على أهمية الممارسة المستمرة، ولو لعشر دقائق يومياً، وتدعو إلى تدوين الأفكار والملاحظات والانطباعات العابرة، لأن معظم النصوص الكبيرة تبدأ من تفاصيل صغيرة. لا تطلب الكمال في المسودة الأولى، بل تشجع على الكتابة الحرة، غير الخاضعة لرقابة داخلية قاسية، باعتبار أن التنقيح والمراجعة يأتيان لاحقاً. واحدة من نقاط قوة الكتاب هي تناوله الواضح لمفهوم أدب الأطفال وتعريفه، مع تفريق دقيق بين المراحل العمرية المختلفة: من الطفولة المبكرة، إلى الصغار، فاليفاعة، ثم الناشئين. لكل مرحلة خصائصها النفسية واللغوية، ولكل فئة احتياجاتها وأسئلتها ومخاوفها. توضّح شرف الدين كيف ينعكس ذلك على شكل الكتاب، وطول النص، ونوع اللغة، ودور الرسوم، خصوصاً في الكتاب المصوّر.

فاطمة شرف الدين -القسم الثقافي
فاطمة شرف الدين (من حساب الكاتبة على فيسبوك)

لا تتوقف الكاتبة عند الشكل، بقدر ما تؤثر الغوص في جوهر الكتابة: الفكرة، والبحث، وبناء الحبكة، وخلق الشخصيات، واختيار زاوية المعالجة. تؤكد أن الفكرة وحدها لا تكفي، وأن البحث حتى في القصص المتخيلة عنصر أساسي لبناء نص متين ومقنع. كما تقدّم نماذج عملية واستراتيجيات واضحة لحبك القصة، بطريقة تحافظ على تشويق القارئ الصغير، وتمنحه في الوقت نفسه مساحة للتفكير والشعور.

يولي الكتاب اهتماماً خاصاً بالمواضيع الحساسة في حياة الأطفال واليافعين، مثل الخوف، والغيرة، والفقد، والمرض، والطلاق، والاختلاف، والبحث عن الهوية. لا تدعو شرف الدين إلى تجنب هذه المواضيع، بل إلى معالجتها بوعي واحترام، ومن منظور الطفل نفسه، بعيداً عن الوعظ المباشر أو التبسيط المخلّ. فالأدب، برأيها، مساحة آمنة تتيح للطفل فهم العالم والتصالح مع تعقيداته.

يتناول الدليل الكتابة لليافعين والناشئين، وهي من أكثر المراحل تحدّياً في الأدب العربي المعاصر. تشير الكاتبة إلى شحّ الإنتاج العربي الموجّه لهذه الفئة، وإلى المنافسة الشديدة مع الأدب الأجنبي. لذلك، تدعو إلى كتابة نصوص تحاكي واقع المراهقين اليوم، بلغتهم وأسئلتهم، من دون افتعال أو وعظ أو خوف من الاقتراب من القضايا الشائكة. ولا يغفل الكتاب مرحلة ما بعد الكتابة: المراجعة، والتنقيح، والعمل ضمن مجموعات نقدية، والتعامل مع النشر والرفض. تقدّم شرف الدين نصائح عملية لتنظيم مجموعات قراءة ونقد، وتشرح أهمية المسافة الزمنية بين الكتابة والمراجعة، إضافة إلى التذكير بأساسيات اللغة العربية وعلامات الترقيم، بوصفها أدوات لا غنى عنها لأي نص محترف.


عودة إلى مشروع تأسيسي

لا يمكن قراءة الدليل الذي وضعته الكاتبة فاطمة شرف الدين اليوم، من دون الحديث عن كتاب تأسيسي في المشروع المعرفي لمنشورات صنوبر بيروت، وهو كتاب الباحثة الفرنسية ماتيلد شافر "عن أحوال كتب الأطفال: أربعون عاماً من الإبداع العربي في مصر وسورية ولبنان" الذي صدر عام 2021 بترجمة رلى ذبيان، وإهداء خاص إلى الفنّان المصري الراحل محي الدين اللباد. وفيه تبحث شافر في تاريخ القصة المصوّرة العربية ضمن إطار يمتد من عام 1967، تاريخ النكسة الفلسطينية، حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. تضع الباحثة هذا الأدب في سياق التحولات السياسية والثقافية الكبرى التي عرفتها المنطقة العربية، وتولي اهتماماً خاصاً للنهضة التي شهدها أدب الأطفال في تلك المرحلة من حيث الدعم المادي والاهتمام الأكاديمي النسبي. كما تسلّط الضوء على العلاقة بين الصورة والنص في كتب الأطفال، وكيف تعكس هذه الأعمال رؤية المجتمعات العربية للطفولة ودورها في بناء المستقبل.

عن أحوال كتب الأطفال -القسم الثقافي

تركّز الدراسة (238 صفحة من القطع الكبير، الإشراف الفني لجنى طرابلسي، والتنفيذ لفليبا دحروج) على أعمال صدرت في مصر وسورية ولبنان، مع انفتاحها على بلدان عربية أخرى مثل فلسطين والأردن، انطلاقاً من طبيعة التعاون بين دور النشر العربية ووحدة اللغة المشتركة. وتشير الباحثة إلى ارتباط المثقفين العرب عاطفياً بالقضايا الإقليمية، وخصوصاً القضية الفلسطينية التي شكّلت محوراً ثقافياً جامعاً. كما تناقش التناقض بين الاهتمام النظري بالطفل والتهميش الذي يعانيه أدب الأطفال مقارنة بأدب الكبار من حيث النقد والاهتمام الإعلامي.

تميّزت المقاربة التي اعتمدتها شافر بشموليتها، إذ درست الجانب البصري للكتب إلى جانب اللغة والمضمون، مستعينة بخبرتها في الفنون البصرية وتاريخ الصورة. كما أجرت مقابلات مع كتّاب ورسامين وناشرين عرب، ونقلت شهاداتهم إلى لغتها الفرنسية، مما أضفى على الدراسة منظوراً مزدوجاً يجمع بين الرؤية الأكاديمية الغربية والحسّ الثقافي العربي. ويُعدّ هذا العمل من أبرز المراجع في تاريخ أدب الأطفال العربي، إذ يرسم صورة دقيقة لتطور النشر والإبداع الفني في العالم العربي خلال أربعين عاماً.

المساهمون