استمع إلى الملخص
- الحرب الأهلية في الجنوب السوري تتميز بطابعها الطائفي العميق، بعيدًا عن المصالح الاقتصادية، مما يعكس كراهية متجذرة بين السوريين، كما ظهر في الأحداث الدموية في السويداء وريفها.
- الحاجة إلى حوارات شفافة بين السوريين ملحة لفهم الكراهية المتبادلة، لكن النظام الحالي استثمر في الأحقاد المتراكمة، مما أدى إلى تصاعد العنف وفشل بناء مجتمع متسامح.
اللافت في المؤلفات المكتوبة عن الحرب الأهلية أنّ جميع الباحثين يجمعون على أن آليات هذه الحرب هي واحدة في جميع الأوقات. نحن نشهد حروباً أهلية منذ أقدم العصور، وفي جميع الأمكنة، وجميع شعوب الأرض، وهي حروب تُنفّذ في تفاصيلها بالطريقة والنهج ذاته، كأنّ البشر أنفسهم، وهم وقود الحروب كلها، آلات عمياء مسيرة بيد شيطان بائس شرير اسمه إله الحرب الأهلية.
وفي خضم كل حرب من آلاف الحروب التي خاضها البشر بعضهم ضد بعض، كان مشعلو الحرائق يتكلمون ويصدرون التصريحات والأقوال ذاتها، بلا تغيير أو زخرفات بلاغية، وإنهم كلهم كانوا يتنصلون سريعاً من الدماء التي تسيل في الحرب، بسكاكين كلماتهم المحرّضة. وثمة من بين هؤلاء من يتعمدون إشعال الحرائق مرة أخرى كلما بدا لهم الأمر مناسباً.
ومع ذلك، فإن العبقرية البشرية، في سياق تلك الحروب التي تتكرر متشابهة بلا توقّف، تبدع ما يطلق عليه فردريك معتوق، صاحب كتاب "جذور الحرب الأهلية"، عبارة: "النكهة الخاصة".
إذا كان النظام البائد قد زرع الفتن، فإن النظام الحالي قد استثمرها
النكهة الخاصة بالحرب التي شهدها الجنوب السوري اليوم لا علاقة لها مثلاً بالمصالح الاقتصادية التي ساعدت في نشوب الحرب الأهلية الأميركية، أو الحرب الأهلية الإسبانية، أو حتى الحرب الأهلية اللبنانية، وإنما هي حرب تقوم فقط على أساس طائفي يسكن في الأعماق الرهيبة لكتل هائلة من أبناء سورية، الذين كانوا حتى انفجار القتال قبل عشرة أيام يهدهدون حقدهم الغامض بكلمات شاعرية عن الحب والإعمار والعدالة.
وفي كل الأشهر السابقة كنت أقول لمن ألتقي بهم من ناشطات السلم الأهلي والناشطين، وفي حلقات النقاش التي لم تتوقف في السويداء حول البحث عن حلول للخروج من مأزق الوضع السوري، إن السؤال المهم الذي نهرب منه جميعاً، وننكره في حملة حمقاء من المشاعر العاطفية الكاذبة التي تزعم أن السوريين يحبون بعضهم بعضاً، هو أن نسأل عن حالة الكراهية التي بدأت تظهر بوضوح في الفضاء السوري، منذ مذابح الساحل، إلى جرمانا والأشرفية وصحنايا، وظهرت أكثر وضوحاً في مذابح السويداء وريفها.
المطلوب أن تُجرى حوارات شفافة، ومحروسة بالعقل، على مساحة الجغرافية السورية كلها: لماذا تكرهني؟
لم يستجب إلا قليل، وبدل ذلك كان هناك من يكذب على نفسه وعلى الآخرين بالقول إن ثقافة الكراهية لا محل لها بيننا، وإن سورية بلد المحبة. وهذا تزوير محض، لأن السوريين ظهروا معبأين بالأحقاد التي تراكمت طوال سبعة عقود عمل فيها نظام البعث على بث الكراهية بينهم جميعاً كي يظل حاكماً.
لماذا تكرهني؟ سيكون لها الكثير من الأجوبة لو أن السلطة الحاكمة كانت مخلصة في مبدأ الحوار، أي أن تفسح للسوري أن يقول رأيه، وللسوري الآخر أن يجيب ويوضح أن تلك هي الأسباب.
فالهجمات الوحشية الأخيرة التي حدثت في الأيام الماضية إنما كانت النزعة التدميرية البشعة لأحقاد غامضة عششت كالدود في أرواح السوريين. وإذا كان النظام البائد قد تمكن من زرع تلك الفتن والأحقاد، فإن النظام الحالي قد استثمرها كما لو كان هو من زرعها. ولنلاحظ اليوم أن أي واحد من السوريين لم يعد يغني: "بالحب بدنا نعمرها".