استمع إلى الملخص
- تأخذ اللعبة اللاعبين في مغامرات داخل نيويورك، حيث يواجهون تحديات تمثل الصراعات والرموز الشعرية، مثل تجميع مفاتيح آلة كاتبة كرمز لفهم العالم المعقد.
- تعكس اللعبة رؤية لوركا لنيويورك كمدينة تبتلع الإنسان والتاريخ، وتطرح تساؤلات حول دورها كمصفاة ثقافية وتأثيرها على الهوية والإنسانية.
نراه هناك، بملابسه الحمراء وربطة العنق الأنيقة، يقفز بين أسطح ناطحات السحاب في نيويورك، أو يتخطى براميل تطفو في مجاري مياه مانهاتن القاتمة. إنه فيديريكو غارسيّا لوركا، الشاعر الإسباني الذي تجاوز حدود النص الشعري ليصبح شخصية حية ومتجدّدة في عالم الثقافة، من خلال أفلام ومعارض فنية وروايات وحتى منتجات تجارية تحمل صورته. لكن هذه المرّة، يخطو الشاعر الإسباني (1898 - 1936) خطوة غير مسبوقة بدخوله عالم ألعاب الفيديو عبر لعبة "أورورا" المبنيّة على مجموعته الشعرية "شاعر في نيويورك".
من الورق إلى الشاشة
كتبَ لوركا ديوانه "شاعر في نيويورك" خلال إقامته في المدينة بين عامَي 1929 و1930، وهي فترة فاصلة في حياته الشخصية والإبداعية. فقد سافر إلى الولايات المتحدة هارباً من توترات داخلية، منها صراعاته الذاتية مع هويته، وإحساسه المتزايد بالغربة في مجتمعه.
وصل الشاعر إلى نيويورك قبل أشهر من الكساد العظيم، فشهد انهيار البورصة، والارتباك الاقتصادي والاجتماعي، ومظاهر التفاوت الطبقي والاستلاب الإنساني. لقد صدمته نيويورك، لا ببريقها، بل بوحشيتها وسوداويتها، وقد عبّر عن ذلك في قصائد مشحونة بالرفض والصراخ والاحتجاج، مستخدماً لغة سريالية كثيفة تعكس اختلال العالم الخارجي والداخلي. في تلك الفترة، تحوّل شعره من الغنائية التقليدية إلى كتابة تمزج بين الرمز السياسي والصرخة الوجودية.
قد يبدو تحويل شاعر يتميّز بعمق إنساني ورمزية كثيفة مثل لوركا إلى شخصية في لعبة فيديو أمراً مثيراً للتساؤل: هل يمكن الحفاظ على جوهر الشعر وسط عالم يعتمد على الحركة والتفاعل والأهداف الواضحة؟ فبينما يقوم الشعر على التأمّل واللغة المكثفة والصمت الدلالي والرمز، تنتمي الألعاب إلى بيئة ديناميكية بصرياً وسردياً. غير أن لعبة "الفجر" (الترجمة العربية للمفردة الإسبانية) تجاوزت هذا التناقض، إذ لم تكتفِ بتقديم لوركا شخصيةً تقفز أو تجمع النقاط، بل أخذت اللاعب في رحلة داخلية تسير على خطى الشاعر في نيويورك، مستحضرة رموز عوالم الأحلام وصور السريالية، لتجعل من النص الشعري فضاءً تفاعلياً يُخاض ويُستكشف، لا مجرد كلمات تُقرأ.
ديوان "شاعر في نيويورك" هو مجموعة قصائد تعبّر عن الاغتراب والتوتر والتصادم مع الحداثة، بصورها السريالية ورموزها المركبة، التي يصعب على القارئ العادي تفسيرها مباشرة. وتأتي اللعبة في هذا الإطار، لتقدّم هذه الصور في مستويات تمثّل عالماً تعبيرياً، إذ يواجه اللاعب (الذي يتقمص دور لوركا) متاهات بيروقراطية، أو يخوض مغامرات في أماكن رمزيّة مثل الحانات السرية، في محاولة لفهم الصراعات والرسائل التي يحملها الديوان.
تقمص دور الشاعر بصرياً وسردياً في متاهات وناطحات سحاب نيويورك
سعى مصمّمو اللعبة إلى تجسيد تجربة بصرية تمزج بين السريالية والواقعية التعبيرية، بما يعكس الروح الشعرية العميقة التي تميّز الديوان. وعلى الرغم من أنّ بعض مشاهد اللعبة تستلهم صوراً حلمية مباشرة من النصوص، مثل مشهد "الفجر في نيويورك" الذي يصوّر المدينة كائناً ملوّثاً بأربعة أعمدة من الطين وسط طيور سوداء، فإن اللعبة تتجنب الانغماس في سريالية مفرطة قد تنفّر اللاعب أو تعيق تواصله مع التجربة. وبدلاً من ذلك، اختار المصمّمون مساراً بصرياً متوازناً يجعل المشاهد محمّلة بالعاطفة والرمزية، إذ تُرسم المدينة بوصفها متاهة خانقة أو سجناً نفسياً، في استعارة بصرية لحالة الشاعر الوجودية وتوتره الداخلي.
الآلة الكاتبة وجسر بروكلين
تتمحور اللعبة حول مهمة تجميع مفاتيح آلة كاتبة، رغم أن لوركا كان يكتب بخط يده، إلّا أن هذه الآلة تمثّل في اللعبة رمزاً لإعادة تكوين النص والذات. هذا التجميع يشير إلى محاولة الشاعر لمَّ شتات تجربته وفهمه للعالم المعقد الذي عاش فيه. عبور جسر بروكلين في نهاية اللعبة يحمل دلالة رمزية أخرى: هو انتقال من حالة التشظي والاغتراب إلى حالة من التوحد والقبول، وكأنه الخروج من الظلمة إلى الضوء، أو من التمزق إلى السلام الداخلي.
لا شك أن تحويل تجربة شاعر من وزن لوركا إلى لعبة فيديو يمثّل تحدياً فنياً وثقافياً كبيراً. فاللعبة لا تهدف إلى الترفيه فحسب، بل تحترم عمق النص وتعيد تقديمه بطريقة تتيح للمتلقي تجربة جديدة للتفاعل مع الشعر. قد تكون هذه الخطوة محاولة لإحياء التراث الشعري رقمياً في زمن تحكمه الخوارزميات، ولكن هل سيؤدي ذلك إلى استكشاف قراءات جديدة للنص لم تكن ممكنة من قبل؟ وماذا عن المدينة نفسها؟ هل لا تزال هي هي؟ ولكن، هل يمكن أن يليق بنيويورك، بما تمثّله من مركز للرأسمال، واللا إنسانية، والسيليكون، والتفاوت، وابتلاع الهويات، والعنصرية، والشعبوية، وترامب، سوى لعبة تُبنى على هيئة قبر؟
قبر رقمي من أجل نيويورك
ربما نحتاج في عالمنا العربي من يصمم لعبة تشبه القبر لنيويورك، تماماً كذلك القبر الرمزي الذي فتحه لها أدونيس، حين ساءل تاريخها وحاضرها في قصيدته "قبرٌ من أجل نيويورك"، إذ كتب عن مدينة تتشح بالقوة والفراغ، مدينة تنهش، وتستهلك، وتعيد تدوير الخراب في أثواب براقة؛ مدينة تبتلع كل شيء: الإنسان، والتاريخ، وحتى الحلم، لتعيد إنتاجه سلعةً باردة. نيويورك، كما رآها كل من لوركا وأدونيس، ليست مدينةً بقدر ما هي آلية تفريغ رمزي، تقف في مواجهة مدن لم يُسمح لها أن تكون مدناً حديثة بحق، بل صُدّرت إليها الحداثة بوصفها قناعاً. واليوم، تستمر هذه العلاقة غير المتكافئة، إذ تتخذ نيويورك دور المصفاة الثقافية للعالم، بما فيه العربي، فتستقبلنا وتعيد تدويرنا في قوالب جديدة.
على هذه الأرض، مشى لوركا شاعراً غريباً، مسكوناً بالأسى، فصاغ ديوانه تأبيناً لعصرٍ يُنكر الإنسان. وعلى الأرض نفسها، فتح أدونيس قبراً رمزياً لنيويورك. لكن يبدو أن نيويورك هي التي لا تتوقف عن فتح قبورنا وإنكار إنساننا العربي كل يوم.