استمع إلى الملخص
- أظهرت التحقيقات تأثير "لوليتا" في تشكيل خيالات إبستين وانحرافاته، وكشفت عن تواطؤ أكاديميين في تعزيز هذه الانحرافات، مثل إليسا نيو.
- تثير القضية تساؤلات حول تأثير الأدب على السلوك الإجرامي، حيث يدافع بعض النقاد عن الروايات، مشيرين إلى أن الأمراض النفسية قد تكون الدافع الحقيقي وراء الجرائم.
لا تأتي الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية وتكشف تباعاً تفاصيل جزيرة جيفري إبستين، خالية الوفاض من البُعد الأدبي للعالم السفلي، ليس عبر الأجواء الغرائبية التي سبق وأن رأيناها في روايات وأفلام عديدة فحسب، بل بالتماهي التام بين إبستين وبطل رواية لوليتا للكاتب الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف، مباشرةً. ليس على نحوٍ ذاتي فحسب، بل بلغ بإبستين المتهم بالاتّجار بالبشر، إلى درجة الاستعانة بالنقاد والخبراء المهتمين بالرواية.
يظهر منذ أيام اسم برايان بويد أستاذ الأدب في جامعة أوكلاند الأكاديمي المتخصّص في دراسة روايات الكاتب الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف في الوثائق التي أثبتت لقاءه مرتين برجل الأعمال المُدان بارتكاب جرائم جنسية عام 2012، حول تمويل إبستين لكتاب ينجزه بويد حول رواية "لوليتا" لنابوكوف.
الهوس بلوليتا كشفته دفعة سابقة نُشرت من وثائق القضية الشهر الماضي، وفيها صور لنساء يكتب إبستين على أجزاء من أجسادهن عبارات مقتبسة من الرواية، لكن بويد يجيب في مقابلة أجريت معه الأحد الماضي حول اهتمام إبستين بالرواية إن كان أدبياً أم مجرّد دافعٍ دنيء، بأنه يعتقد بأنّه مزيج من الاثنَين، إذ لا تزال الرواية التي نُشرت عام 1955، تثير جدلاً أخلاقياً واسعاً كونها تسرد قصة أستاذ جامعي يُغوي فتاة في الثانية عشرة.
تحضر روايات عديدة في محاضر التحقيق لأشهر الجرائم
يصف بويد لقاءه الثاني بأنه غريب جداً، إذ التفّت حول إبستين فتيات في أوائل العشرينيات، مع أنهنّ بدونَ أصغر من ذلك، و"كأنهنّ خرجن من آلة صنع الدمى". موظفات ذكيات وجميلات، بحسب بويد الذي يشبه إبستين بمؤسس مجلة بلاي بوي هيو هيفنر، لكن بويد يحسم الجدل حول التأثير السلبي للرواية بقوله "إبستين هو تحديداً ذلك النوع من الأشرار الذي كشفه نابوكوف للعالم". اختلف بويد وإبستين على المقابل المادي لقاء إنجاز الكتاب ولم يوقع الاتفاق. وحول ورود اسمه في الوثائق الأخيرة، يقول بويد "أنا مرتاح جدًا لأني لم أقبل المال. كان ذلك سيؤثر سلباً على أي شيء أكتبه عن لوليتا".
رواية مؤسِّسة
في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لم تغب لوليتا أيضاً عن فصول القضية، مع الكشف عن مراسلات بين إبستين وإليسا نيو، أستاذة الأدب الإنكليزي في جامعة هارفرد، تحاول إقناعه فيها بقراءة رواية "ماي أنتونيا" لويلا كاثر، لأن بطلها يشبه بشكل أو بآخر همبرت بطل رواية "لوليتا"، إلّا أن توصيتها تعكس تواطؤ أستاذة أكاديمية مع رغبات رجل مريض من أجل نيل دعمه لبرنامجها "الشعر في أميركا"، والتي واصلت تقديمه على شبكة PBS حتى إيقافه، بعد ظهور اسمها في وثائق التحقيق. هنا، لا تقدم نيو تحليلاً سطحياً للرواية المقترحة ومضامينها فحسب، بل تظهر كيف يمكن للأدب أن يكون مادة إباحية محضة في نظر البعض، إذ تقول باختصار "هذا كتاب عن رجل أنيق المظهر، يشتهي الأطفال، تماماً مثلك"، وبذلك توافقه على أنّ "لوليتا" و"ماي أنتونيا" عملان محرّضان لسلوك جنسي يُصنّف جريمة قانونياً وأخلاقياً، والذي يمكن تداوله في الدوائر المقربة من إبستين من باب الدعابة التي تجمّل سلوكاً شائناً، ما يطرح تساؤلاً دائماً حول إمكانية أن تدفع الرواية لارتكاب جرائم أو أفعال شائنة.
بات واضحاً من نتائج التحقيق أن "لوليتا" تعدّ رواية مؤسِّسة لخيالات إبستين وملهمة لانحرافاته، التي حوّلها إلى جزيرة يرتادها مشاهير العالم في السياسة والأعمال والأكاديميا والفن لمحاكاة هذه الانحرافات وتعميمها سلوكاً مقبولاً يثير الإعجاب، كما يفضحه التحقيق نفسه في رسالة يبعثها الرئيس الأسبق لجامعة هارفرد لورانس إتش. سامرز، وهو زوج أليسا نيو، إلى إبستين يطلب استشارته بشأن علاقة عاطفية يسعى إليها مع امرأة، وصفها بأنها تلميذته، ليرد عليه إبستين بمجموعة مقترحات تسرع وصوله إلى الهدف المنشود.
إدانة للجريمة أم تحريض على فعلها؟
نابوكوف ليس وحده في دائرة الاتهام إذ تحضر روايات عدة في محاضر التحقيق لأشهر الجرائم في العصر الحديث، ومنها رواية الحارس في حقل الشوفان" للكاتب الأميركي ج. د. سالينغر، الذي أُغرم مارك ديفيد تشابمان ببطلها المجرم هولدن كولفيلد إلى حدود الهوس، ليقدم في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 1980 على اغتيال جون لينون. سيتكرّر الأمر مع آخرين مثلما حدث مع جيفري لين كوكس الذي احتجز ستين طالباً في مدرسته بولاية كاليفورنيا في 26 إبريل/ نيسان 1988، مستوحياً الفكرة من رواية "الغضب" لستيفن كينغ؛ الرواية ذاتها التي تأثّر بها مجرمون آخرون في حوادث لدرجة أن صاحبها اضطر حينها إلى سحب روايته من المكتبات.
يدافع نقاد وعلماء نفس عن هذا النوع من الروايات عبر التركيز على الأمراض والعقد النفسية التي يعاني منها مجرمون كانوا سيقترفون جرائمهم متأثرين بعمل أدبي أو فيلم سينمائي أو حتّى حادثة حقيقية في واقع يمتلئ أيضاً بالعنف والجريمة والعنصرية والتطرف على نحو قد يفوق الخيال.
يكتب إبستين فوق صدر امرأة مقتطفاً من الرواية: "لوليتا، طرف اللسان يقفز ثلاث قفزات صغيرة على الحلق ليأتي فيصطدم ثلاث مرات بالأسنان"، ووصف آخر للوليتا التي كانوا يرونها دمية في مدرستها. بالقدر الذي لا يمكن اختزال الأمر بأن الصورة والأوصاف التي ابتكرها نابوكوف هي المحرّك الأول لإشغال مخيّلة إبستين، فإنه يصعب الاستسلام لليقين بأنّ الأخير لم يفهم الرواية والدوافع الأخلاقية لتأليفها كما يردّد البعض.