مارك إفري ومستقبل المحور الصيني الإيراني الروسي

20 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 07:33 (توقيت القدس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يركز كتاب مارك إفري على التحالف الجيوسياسي بين الصين وروسيا وإيران لتعزيز التعاون في الطاقة والتكنولوجيا والدفاع وتقليص الهيمنة الغربية، في سياق دولي معقد يشمل الحرب في أوكرانيا والتنافس الأميركي-الصيني.

- يوضح إفري أن التحالف يستمد قوته من تقاطع مصالح الدول الثلاث، حيث تسعى الصين لتوسيع نفوذها الاقتصادي، وروسيا لاستعادة مكانتها كقوة عظمى، وإيران لترسيخ دورها الإقليمي، مما يعكس التحولات العالمية نحو نظام متعدد الأقطاب.

- ينتقد الكتاب فكرة التحالف الموحد، مشيراً إلى أن العلاقات بين الدول الثلاث هي "شراكة مصالح" وليست "تحالفاً دفاعياً"، مما يجعل مفهوم "الشراكة الجيوسياسية المتنامية" أكثر دقة.

يعزو مارك إفري، صاحب كتاب "جيوسياسية المحور الصيني- الإيراني- الروسي: معادلة دولية جديدة أم تهديد عالمي؟ " (نشر مستقل، 2025)، اهتمامه بهذا التحالف إلى طبيعة المشروع السياسي والاستراتيجي الذي يجمع بين الدول الثلاث (الصين/ روسيا/ إيران)، والقائم على تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والدفاع والتنسيق الدبلوماسي، مع السعي إلى تقليص الهيمنة الغربية على المؤسسات الدولية وآليات اتخاذ القرار العالمي، وذلك في سياق دولي معقد، يربط بين الحرب في أوكرانيا، والتنافس الأميركي-الصيني، وأزمات الشرق الأوسط، والتحولات التي تعرفها آسيا الوسطى، والتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية للطاقة، باعتبارها حلقات متداخلة في عملية إعادة تشكيل النظام العالمي.

ويذهب إيفري إلى أن هذا المحور يستمد أهميته من كونه يعكس انتقال العالم إلى مرحلة جديدة تتعدد فيها مراكز القوة، وتتراجع فيها قدرة دولة واحدة على توجيه مسار السياسة الدولية. فالصين أصبحت القوة الاقتصادية الثانية عالمياً، وتواصل توسيع حضورها السياسي والتكنولوجي عبر "مبادرة الحزام والطريق"، بينما تسعى روسيا إلى استعادة موقعها قوةً عظمى تمتلك أدوات التأثير العسكري والدبلوماسي، في حين تعمل إيران على ترسيخ دورها الإقليمي باعتبارها لاعباً أساسياً في معادلات الشرق الأوسط.

وقد أدى تقاطع مصالح هذه الدول، في رأي إفري، إلى بناء شراكة تتجاوز حدود التعاون التقليدي، لتشمل مجالات أخرى (الطاقة، التكنولوجيا المتقدمة، التسليح، الأمن السيبراني، الاستثمار، التنسيق داخل المنظمات الدولية). كما تتقاسم الدول الثلاث رؤية تدعو إلى قيام نظام عالمي متعدد الأقطاب، يقوم على احترام سيادة الدول، والحد من التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية، وإعادة توزيع مراكز النفوذ بما يعكس التحولات التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة.

يفترض الكتاب وجود رؤية استراتيجية موحدة للدول الثلاث

ولا يكتفي إفري برصد "راهنية" هذا التحالف الذي يرى أنه لم ينشأ على نحو مفاجئ، وإنما جاء نتيجة مسار طويل من التفاعلات التاريخية والسياسية والاقتصادية التي ربطت بين الصين وروسيا وإيران عبر مراحل مختلفة. فقد احتلت إيران، منذ العصور القديمة، موقعاً محورياً على طرق التجارة بين الشرق والغرب، وكانت إحدى أهم محطات طريق الحرير الذي ربط الصين بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا. أما روسيا، فقد جمعتها بإيران علاقات اتسمت بالتعاون أحياناً وبالصراع أحياناً أخرى، تبعاً للتحولات التي عرفتها البيئة الإقليمية والدولية.

أما في القرن العشرين، فقد أسهمت مجموعة من الأحداث الكبرى في إعادة تشكيل علاقات الدول الثلاث. إذ أنهت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 التحالف الاستراتيجي بين طهران وواشنطن الذي كان سائداً في عهد الشاه محمد رضا بهلوي (حكم إيران في 1941). بينما واصلت الصين صعودها الاقتصادي بعد سياسة الإصلاح والانفتاح، حتى أصبحت إحدى القوى الكبرى المؤثرة في الاقتصاد العالمي، فيما دخلت روسيا مرحلة جديدة عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، سعت خلالها إلى استعادة مكانتها الدولية ومواجهة تمدد حلف شمال الأطلسي نحو حدودها.

ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تزايدت العوامل التي دفعت الدول الثلاث إلى توثيق علاقاتها. فقد عززت العقوبات الغربية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي، وعلى روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية، إضافة إلى القيود الأميركية المفروضة على الصين في مجالات التكنولوجيا والتجارة، شعوراً مشتركاً بضرورة بناء شراكات بديلة تقلل من آثار الضغوط الغربية.

يعتمد المؤلف على منطق يقسم العالم إلى "محور" في مواجهة "الغرب"

يناقش الكتاب انعكاسات هذا المحور على الاستقرار الإقليمي والدولي، سواء من خلال إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأوراسيا، أو عبر تأثيره في مستقبل العلاقات بين القوى الكبرى، وفي عمل المؤسسات الدولية، وفي طبيعة النظام العالمي الذي يتشكل تدريجياً. كما يطرح تساؤلات أساسية حول مستقبل العالم متعدد الأقطاب، وما إذا كان هذا التحول سيقود إلى نظام دولي أكثر توازناً وعدالة، أم إلى تصاعد المنافسة والصراعات بين الكتل الكبرى، من خلال رصد التحديات المرتبطة بسباقات التسلح، والأزمات الإقليمية، والأمن السيبراني، وأمن الطاقة، وحقوق الإنسان، وإصلاح منظومة الحوكمة العالمية، إلى جانب الفرص التي قد يتيحها توزيع أكثر توازناً للقوة الدولية في مواجهة القضايا المشتركة، مثل التغير المناخي، والأمن الغذائي، والأوبئة، وأمن سلاسل الإمداد العالمية.

ومع ذلك، يمكن توجيه مجموعة من الانتقادات إلى هذا الكتاب، وعلى رأسها الخلط بين "التقارب الاستراتيجي" و"التحالف الاستراتيجي". ففي علم العلاقات الدولية، التحالف يعني وجود التزامات متبادلة، خاصة في المجال الأمني أو العسكري، غالباً ما تكون مؤطرة باتفاقيات أو معاهدات دفاع مشترك. أما بين الصين وروسيا وإيران، فلا توجد معاهدة تحالف ثلاثية، ولا قيادة مشتركة، ولا التزام معلن بالدفاع المتبادل، كما هو الحال داخل حلف شمال الأطلسي مثلاً.

ويفترض الكتاب وجود رؤية استراتيجية موحدة للدول الثلاث، بينما تكشف الوقائع أن لكل دولة أولويات مختلفة. فالصين تضع الاقتصاد والتجارة والاستقرار العالمي في صدارة اهتماماتها، لأنها أكبر مستفيد من الاقتصاد العالمي المفتوح. أما روسيا، فتنطلق من اعتبارات أمنية وعسكرية مرتبطة بأوروبا الشرقية والفضاء السوفييتي السابق (الحرب مع أوكرانيا والموقف من الناتو). في حين تنحصر أولويات إيران أساساً في أمن النظام السياسي، والشرق الأوسط، والعقوبات الغربية، والملف النووي. 

تقدم الأزمة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة مثالاً عملياً على حدود هذا "المحور". فلو كان تحالفاً عسكرياً حقيقياً، لكان من المتوقع أن تتحرك الصين وروسيا وفق التزامات دفاعية واضحة. لكن ما حدث كان مختلفاً؛ إذ اقتصر الموقفان الروسي والصيني على الإدانات السياسية والدبلوماسية والدعوة إلى ضبط النفس، من دون تدخل عسكري مباشر أو تقديم ضمانات أمنية لإيران. وهذا يكشف أنّ العلاقة أقرب إلى "شراكة مصالح" منها إلى "تحالف دفاعي"، علماً أنّ الدول الثلاث عززت تعاونها الدفاعي من خلال تنظيم مناورات عسكرية مشتركة، وتبادل الخبرات والتقنيات المتقدمة، في ظل تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

تقدم الأزمة بين إيران والولايات المتحدة مثالاً عملياً على حدود المحور

كما يتعامل الكتاب مع الدول الثلاث بوصفها كتلة متجانسة تواجه الغرب، بينما الواقع أكثر تعقيداً. فالصين، رغم تنافسها مع الولايات المتحدة، ما تزال مرتبطة بالاقتصاد الأميركي والغربي بعلاقات تجارية ومالية ضخمة، تجعلها أكثر حذرا من الانخراط في مواجهات مباشرة. كما أن روسيا، رغم تقاربها مع إيران، حافظت في مراحل مختلفة على قنوات تواصل مع إسرائيل، ولم تتبنَّ دائما المواقف الإيرانية في الشرق الأوسط. أما إيران، فهي تمتلك أجندة إقليمية مستقلة لا تتطابق بالضرورة مع الحسابات الصينية أو الروسية.

ويبالغ الكتاب في تصوير هذا المحور باعتباره مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل النظام الدولي. فالتحولات الدولية الحالية لا تصنعها هذه الدول وحدها، وإنما تساهم فيها أيضاً قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وتركيا، ودول الخليج، وإندونيسيا، وجنوب إفريقيا. ومن ثم فإن الانتقال نحو التعددية القطبية لا يرتبط حصرا بالصين وروسيا وإيران. 

ويعتمد المؤلف في كثير من المواضع على منطق ثنائي يقسم العالم إلى "محور" في مواجهة "الغرب"، بينما أصبحت العلاقات الدولية اليوم أكثر سيولة. فالدول تبني شراكات متغيرة بحسب الملفات، وقد تتعاون في قضية، وتتنافس في أخرى، وتتواجه في ثالثة. لذلك أصبح مفهوم "الاصطفاف المرن" أو "التوافقات الظرفية" أكثر دقة من مفهوم الأحلاف الصلبة.

تبعاً لكل هذه العناصر، يستعصي التسليم بانسحاب مفهوم "التحالف الثلاثي" على طبيعة العلاقة بين الصين وإيران وروسيا. ومن ثم، يمكن الحديث عن "التقارب الاستراتيجي" أو الشراكة الجيوسياسية المتنامية"، أو "شبكة المصالح المتقاطعة"، خاصة أن هذا الكتاب يسعى إلى دراسة تأثيرات هذا التقارب في الاستقرار الإقليمي، وفي مستقبل المؤسسات الدولية، وفي آفاق الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعددية.

إن النظر إلى هذا المحور من زاوية "الكتلة المتجانسة" يخفي كثيرا من التعقيدات. فلكل دولة حساباتها الخاصة، وأولوياتها المختلفة، وطموحاتها التي قد تتقاطع في لحظة معينة، وقد تتباعد في لحظات أخرى. فالصين تنظر إلى العالم من منظور قوة اقتصادية عالمية تبحث عن الاستقرار الذي يضمن استمرار نموها، بينما تتعامل روسيا مع البيئة الدولية من زاوية التوازنات الأمنية والصراع على مناطق النفوذ وحماية المكاسب الجيوسياسية، في حين تتحرك إيران ضمن سياق إقليمي تفرضه اعتبارات الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، والعلاقة مع دول الجوار والامتداد الشيعي. ومن ثم، فإن ما يجمع هذه الدول ليس تطابقاً كاملاً في الرؤى، بقدر ما هو إدراك مشترك بأن التعاون بينها يحقق لكل منها مكاسب يصعب تحقيقها منفردة.

ومن ثم، فإن هذا الكتاب لا ينظر إلى المحور الصيني-الروسي- الإيراني باعتباره تحالفاً سياسياً مغلقاً أو طوقاً عسكرياً مضاداً لحلف الناتو، وإنما يتعامل معه بوصفه ظاهرة جيوسياسية مركبة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، بما فيها التحديات الطاقية والتكنولوجية، للدفع في اتجاه نظام عالمي قائم على التقاطبية، وعلى التنافسية بالقواعد الدولية المتفق عليها.