مازن حيدر ولغز "صيف أرملة صاروفيم"

31 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 05:09 (توقيت القدس)
قضية الآثار المفقودة (من موقع دار النشر الإلمتروني/ تصميم: العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتناول الرواية تأثير الحرب الأهلية اللبنانية على العائلات من خلال قصة أسامة التي تنتقل إلى ضيعة عين شرار لتدريس التوأمين جهاد وميلاد، وتكتشف لغزاً يتعلق بمتحف القرية المفقود.
- تتعمق الأحداث في البحث عن الجسر والمغارة المرتبطين بأرملة صاروفيم وزوجها الراحل، وسط إطار بوليسي مليء بالتشويق والأسئلة حول مكان الآثار المفقودة.
- تنتهي الرواية بكشف أن الآثار كانت مخبأة في بيت جبرايل، مما يعكس بساطة اللغز رغم تعقيداته، ويطرح تساؤلات فلسفية حول بناء وفقدان الألغاز.

رواية "صيف أرملة صاروفيم" للكاتب اللبناني مازن حيدر (نوفل - هاشيت أنطوان، بيروت، 2025) تقترب من قصة الحرب الأهلية اللبنانية التي فرّقت العائلات. تصعد أسامة إلى ضيعة عين شرار، تاركةً والديها في بيروت. هناك تلتقي آل الدايخ الذين يسندون إليها مهمة تدريس التوأمين، جهاد وميلاد، اللذين يختلفان في الطبع والمزاج؛ فميلاد يتصف بالاتزان والرزانة، فيما يغلب الطيش والحركة على جهاد.

بإشارة من خالها ملحم، تقرّر أسامة أن توزّع ساعات التدريس وموضوعاته على أماكن القرية، التي نعلم أنّها كانت موئلاً للمتاولة الذين غادروها وتركوا فيها مقبرتهم. غير أنَّ لغز القرية يتمثّل بمتحفها الذي لا نعلم أين صار بعد أن نُقل من مكانه. هناك رواية تقول إنّه انتقل إلى قبرص، لكن أسامة والتوأمين يصادفون على شواهد القبور أحرفاً مطلية بالألوان. تشغلهم هذه الحروف، وينجح التوأمان قبل أن يغادرا القرية مع والدتهما في فكّها، بردّها وفق الخطوط المرسومة لها إلى الأبجدية العربية، لتنتج في النهاية كلمتي: "الجسر" و"المغارة".

تبدأ الرواية وتنتهي بالادعاء ذاته: كيف نبني ونفقد لغزاً؟

على أسامة وصديقتها مادلين أن تبحثا عنهما في صلة بأرملة صاروفيم، الحاجب السابق للمتحف قبل وفاته. زوجته جوهرة تأخذ عليه تسليم الآثار لمن استغلّوها وتاجروا بها، في إشارة إلى صادق الحسامي، المسؤول عن المتحف. المسألة تقف هنا؛ فالجسر والمغارة يصعب العثور عليهما، ولا تملك جوهرة ولا نزار ولا أسامة ولا ناطور المياه شحادة، ولا بولين وجبرايل أبو نزار ولا ملحم خال أسامة، سبيلاً إلى الآثار المسروقة، بحسب جوهرة، بسبب إهمال زوجها الراحل وسذاجته.

نحن الآن أمام رواية شبه بوليسية. الحرب على وشك أن تنتهي، ولا تزال أسامة تقطع الكيلومترات السبع كل بضعة أيام لتصل إلى السنترال وتكلّم والدتها وتطمئن على والديها. لكن آل الدايخ يعودون إلى بيوتهم، فتطمئن أسامة؛ فالحرب هنا ليست صاخبة، بل تكاد أن تكون صامتة. إنها تكاد تنتهي، لكن المشكلة العالقة هي مشكلة المتحف: أين صارت الآثار؟ وما الذي تنبّئ به الأحرف الملوّنة؟

إننا أمام لغز يزداد غموضاً، ولا تنفع كشوفات الولدين والجمع المرافق لهما في جلائه. بل كلّما قارب الكشف عاد دامساً ومحيراً. إننا أمام لغز بوليسي، لكن مازن حيدر لا يريد للرواية أن تبقى عنده. اللغز مثل الحرب، ولعلّه لاحق بها؛ لا نعرف كيف تندلع، وكيف تشتد، وكيف تبدأ بالانحسار، بل وكيف تنطفئ من تلقاء نفسها.

مازن حيدر
مازن حيدر يوقّع روايته "فور ستبس داون"، بيروت 2016 (فيسبوك الكاتب)

لقد استدعى نشوبها التصرّف بمتحف البلدة الذي ضاع تماماً وخفي أمره. لم يعد واضحاً أين صار: أين الجسر وأين المغارة؟ كلما أوشكت أسامة ومعها مادلين وبقية القوم على كشفه وفضح أمره، وبدا أنه في سبيله إلى الانكشاف، عاد مبهماً مثل الحرب وهي تتراجع وتنحسر.

كلما كثر الحشد وزاد العدد، علقت القصة أكثر وصعُبت مسالكها، ولم تنفع الكثرة في كشفها. السر مثل الحرب؛ لا نعرف مصادره ولا أسبابه ولا مقوّماته. لقد اندلعت من حيث لا ندري، وها هي، من غير أن نفهم أو نتدخل أو نبادر، تتراجع وتنسحب وتخمد.

السر في المقبرة وعلى شواهد القبور؛ هذا ما يتراءى في البدء. علينا فقط أن نحسن قراءة الحروف الملوّنة، وأن نردّها إلى أيام الأسبوع. هذا ما يستدعي البحث والتمعّن. لكن اللغز البوليسي، كما الحرب، حدثٌ من اللامكان، وهو أيضاً بسيط مثلها، معدوم المعنى.

لا حاجة إذاً إلى كل هذا البحث. يعرف صادق، المسؤول عن المتحف، أن المسألة واضحة ببساطتها وسهولتها؛ فقد نُقلت الآثار إلى بيت جبرايل وبقيت عنده. تنتهي الحرب وينكشف اللغز. لم يكن واجباً ولا مستحيلاً، وهو مثلها أيضاً لا يحتاج إلى من يتذكر. تبدأ الرواية وتنتهي بالادعاء ذاته: كيف نبني وكيف نفقد لغزاً؟


* شاعر وروائي من لبنان

المساهمون