"مانيفستو القراءة" لـ إيريني باييخو.. القارئ في زمنٍ متهافت
استمع إلى الملخص
- القراءة كمقاومة للزمن المتسارع: تُعرّف باييخو القراءة كفعل مقاومة ضد الزمن المتسارع، حيث تتيح للقارئ أن يعيش تجارب الآخرين ويكتشف دوافعهم، مما يضيف عمراً إلى حياته.
- القراءة والديمقراطية: تؤكد باييخو على أن القراءة تُعزز قيم الديمقراطية، مشيرة إلى أن الخطر الذي يتهدد الكتب اليوم يمتد إلى النسيان والإهمال، مما يستدعي العناية بالقراءة.
"مانيفستو القراءة" (تكوين، 2025)، كتاب الباحثة الإسبانية إيريني باييخو، الصادر حديثاً بترجمة مارك جمال، بيانٌ في القراءة، في رحابتها، وفي الطريقة التي تؤنِسُ بها العالم الداخلي للقرّاء. يحمل الكتاب لغة البيان، بإيجازه واختزالاته المباشرة التي تعيدُ تأسيس عالم القرّاء، وتعيد تعريف القراءة باعتبارها فعلاً مُهدَّداً اليوم.
لا يأتي هذا التهديد من الماضي. على العكس، الكتاب مليءٌ بالإشارات التي تستعيد فضائل القراءة منذ عهد الإلياذة. إنما يأتي التهديد من الحاضر، ومن شروطٍ تقع خارج عمليتَي الكتابة والقراءة معاً. تصف باييخو الحكايات بأنها "تميمة نجاة" للأشخاص الوحيدين، يلجأ إليها القرّاء طلباً للشفاء وبحثاً عن ملاذ. كما تمنح القراءة تفسيراً جديداً للعالم، فتوسّع احتمالاته، وتغيّر العقول تغييراً لا عودة عنه، لأنها تُحدث طفرةً تُسمّى "العيون الداخلية"، بحسب تعبير الفيلسوف ريتشارد رورتي الذي تستشهد به المؤلفة. وهو تعبير يوحي بانكشاف الإنسان أمام ذاته، وما في هذا الانكشاف من استبطان وإلهام يجدهما القارئ في أفكار الكتب.
وتتابع الباحثة عرضها لحال القراءة في زمنٍ متهافت، حيث "الصياح يعلو فوق الهمس"، فتتأمّل وضع القراءة في عصرٍ متسارع، في ألفية متعجّلة، وقد اجتاحت السرعة المخيّلة، وغرق القارئ في عشق الوتيرة المتصاعدة. وضمن هذه المعطيات التي تدفع الفرد لأن يكون مشاهداً أكثر منه قارئاً، وتستبدل بتركيز القراءة استغراقَ المشاهد، تذهب باييخو إلى تعريف القراءة بوصفها تمهّلاً ورويّةً ومأمناً من الاستعجال، حتى إنها تعدّها عملاً من أعمال المقاومة.
بالاستناد إلى أفكار الكتاب، تبدو هذه المقاومة مقاومةً للانجراف في تيار الزمن، ومقاومةً للتسليم لطبيعته. فالقراءة، بما تنطوي عليه من تعرّف إلى شخصيات، واكتشاف طباعٍ ودوافع، وبما تقتضيه من أن يسكن القارئ أجسادَ أناسٍ آخرين وهو يقرأ حكاياتهم، ويمتلئ بأفكارهم وانهزاماتهم العاطفية وانكساراتهم، إلى أن يغدو، مجازياً، الناسَ جميعاً. وفي هذا السياق، تورد باييخو رأياً لماريو بارغاس يوسا، ينطلق من قانون الحياة التي تقسر الأفراد على أن يؤدّوا أدوارهم فحسب، وأن يكونوا أنفسهم فقط، بينما في عالم القراءة وقانونها، يمكن للمرء أن يكون غيره، وأن يعيش ويشعر بتجربة إنسان آخر. إلى جانب أن من يقرأ كتاباً كُتب قبل سنين، يجد نفسه يضيف عمراً إلى حياته، بفضل اللقاء الذي تتيحه القراءة مع الماضي المُستعاد في الكلمات.
يتّسق الكتاب في مجموعة أفكار، تقدّمها الباحثة في سياق يمجّد القراءة ويدعو إلى ضرورتها. وهكذا تحيلُ فكرة أن القراءة تجعلنا نشعر بتجربة إنسان آخر، إلى دراسةِ عالم النفس رايموند مار، التي تقول إن القرّاء، خاصة قرّاء الأعمال الأدبية، أكثر تعاطفاً من أولئك الذين لا يقرؤون.
تأمّل وضع القراءة في عصرٍ متسارع وفي ألفية متعجّلة
يستغرق هذا الجانب الحميمي من القراءة معظم صفحات الكتاب. لكن في جانب آخر، تتساءل باييخو عمّن نكون لولا الأفكار التي ورثناها من الكتب، والتي أسّست المجتمعات الحديثة. وعدا ما تضيفه القراءة للفرد ذاته، فإن القيمة الواقعية التي تعلّمها أو تنقلها وتحثّ عليها، بحسب المؤلفة، هي "الديمقراطية". فعلى رفوف الكتب المكتوبة بشتى اللغات يختبر المرء الديمقراطية، وهو أمرٌ تراه المؤلفة يفسّر سبب تعرّض الكتب للملاحقة والحرق والتدمير، بضغينة، من قبل "الفكر الدوغمائي الشمولي".
تشير الباحثة أخيراً إلى أن الخطر الذي يتهدّد الكتب اليوم لم يعد يقتصر على النار ومحارق التعصّب وغضبات الحروب، بل يكمن في النسيان والإغفال والإهمال، ولامبالاة المجتمع الذي يغفل أن القراءة تعتني بنا، بالقدر الذي نعتني نحن بها.