"ما بين بين".. قصة حبّ معلّقة في مسرح أخير يحترق

20 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:03 (توقيت القدس)
من العرض (مسرح زقاق)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تستعرض مسرحية "ما بين بين/ Suspended" تمازجاً بين قصة أنتيغون الكلاسيكية وقصة حب معاصرة، مما يبرز تعقيدات الحب والسلطة. تُعرض المسرحية في مسرح زقاق ببيروت حتى الحادي والعشرين من الشهر الجاري.

- تناقش المسرحية أسئلة فلسفية حول الأولوية بين النص وكاتبه والممثل، وتستكشف كيف تتحول العلاقات العاطفية إلى صراعات سياسية. تقدم جنى بو مطر رؤية جديدة لرغبة المرأة باستخدام مشاهد رمزية مستلهمة من لوحة "العاشقان" لرينيه ماغريت.

- في المشهد الختامي، تقف المؤدية وحيدة في جو جنائزي، تغني بصوت يجمع بين الرثاء والتمرد، مما يعكس التباين بين الحضور والغياب، وتدعو إلى إحراق القصص القديمة لوقف إعادة إنتاج الألم.

يقف الممثّلان على الخشبة، يداً بيد، ويقولان: "الحب مش إنّو نطلع على بعض، الحب إنّو نطلع مع بعض بنفس الاتجاه". من هذه الجملة تنطلق مسرحية "ما بين بين/ Suspended"، من كتابة وإخراج جنى بو مطر، على خشبة مسرح زقاق في بيروت، من العلاقة المعاصرة بالانكشاف، بالتوازي مع استعادة قصة أنتيغون، بوصفها مأساة كلاسيكية غير مكتملة كنصّ معلّق، وبروفة لم تُنجز، وعرض أوّل لم يحدث.

تتكئ الكاتبة، في العرض الذي يتواصل حتى الحادي والعشرين من الجاري، على قصة أنتيغون كي تبلور قصة حب بكل تعقيداتها الإنسانية. الحكايتان تتحرّكان معاً، وتتداخلان تدريجياً، إلى أن يصعب الفصل بين الشخصية والممثلة، وبين النصّ ومن يؤدّيه. أنتيغون، التي دفنت أخاها وواجهت السلطة، تتحوّل إلى امرأة تحاول فهم موقعها داخل علاقة حب، داخل نص، وداخل مدينة عاجزة عن الحداد. أمّا الملك، فيظهر في الوقت نفسه شريكاً، وكاتباً، وصوتاً قانونياً يفاوض الحب كما يفاوض النص.

يناقش العرض أسئلة من دون تحويلها إلى شعارات: من يسبق، النص أم كاتبه أم الممثّل؟ من يبقى، الفكرة أم الجسد؟ وكيف تتحوّل العلاقة العاطفية إلى مساحة صراع تشبه الصراع السياسي، حيث الخوف من النهاية يوازي الخوف من الاستمرار؟ في هذا السياق، تفتح جنى بو مطر مساحة نادرة على المسرح لمقاربة رغبة المرأة وإثارتها، لا كعنصر استفزازي، بل كجزء من بنية نفسية مرتبطة بالغربة، وبالنهايات، وبالتعلّق بما يوشك على الانهيار.

من المشاهد المؤثّرة في العرض، وضع المؤدّيين غطاءين قماشيين على وجهيهما، في استحضار مباشر للوحة رينيه ماغريت "العاشقان". القماش هنا يشكّل فاصلاً فعلياً بين القرب والاستحالة، بين الرغبة والحقيقة. الأجساد حاضرة، واللمس ممكن، لكن الوجه — بما يحمله من هوية واعتراف ومسؤولية — يبقى غائباً.

هذا التكوين ليس طارئاً في مسار جنى بو مطر. سبق أن استُخدم المشهد نفسه في مسرحية "كوكتيل شقف بلا معنى"، حيث شكّل الغطاء وسيلة لإخفاء واقع لا يُحتمل، وللتمسّك بصورة حبّ معلّق، متخيَّل، لا يطالب بمواجهة. في "Suspended/ ما بين بين"، يعود المشهد محمّلاً بطبقات إضافية: زمن ما بعد الجائحة، مدينة ما بعد الحرب، وعلاقة عاطفية تعجز عن النظر مباشرة إلى ما يحدث حولها.

كما في لوحة ماغريت، التي قرأها كثيرون بوصفها تجسيداً لمقولة "الحب أعمى"، يتحوّل العمى هنا إلى خيار واعٍ. الغطاء لا يمنع الرؤية فحسب، بل يحمي الحبيبين من مواجهة الحقيقة الكاملة: من السؤال، ومن الذنب، ومن القرار.

أنتيغون، التي أصرت على دفن أخيها رغم الحظر، فعلت ذلك مكشوفة الوجه، في مواجهة السلطة والموت. على النقيض، يقف الحبيبان هنا بوجوه محجوبة، عاجزين عن الحسم: لا دفن كاملاً، ولا قطيعة، ولا اعتراف. الغطاء يحجب الوجه كما يُحجب الفعل، ويؤجَّل القرار.

المسرح الأخير في بيروت يحترق. "هو" و"هي" يقفان معاً، يداً بيد، يراقبان الحريق. أمام أعينهما عرض لم يولد: العرض الأوّل لـ"أنتيغون" في بيروت، عرضٌ لو حصل، كان ليحرق كلّ من حضره. يأخذ "ما بين بين" الجمهور إلى المساحة الواقعة بين ما قبل الحريق وما بعده، بين النصّ والجسد، بين الذنب واللوم، بين التخت والمسرح، بين الحياة والموت، بينها وبينه. يحاولان دفن جثّة، أو دفن غياب، في النوم، في الجنس. يتكرّر السؤال: من أشعل الحريق؟ فيما يتعفّن الحبّ واللغة بين أصابعهما.

الحداد المؤجَّل في المدينة يقابله حداد مؤجَّل داخل العلاقة نفسها. لا قدرة على الحزن، ولا قدرة على الاستمرار من دون حزن. في هذا السياق، تُقال الأفكار المرتبطة برغبة المرأة وإثارتها بوضوح ومن دون تلطيف، وتُوضع داخل سياق درامي لا يعاملها كاستثناء، بل كجزء من التجربة الإنسانية.

كيف تتحوّل العلاقة العاطفية إلى صراع يشبه الصراع السياسي؟

في الصورة الختامية، تقف المؤدّية وحدها في مركز الخشبة، جسدها ثابت لكن مشحون، كأنها آخر ما تبقّى بعد الاحتراق. الإضاءة الزرقاء الباردة تغمر المكان وتمنح المشهد طابعاً جنائزياً، فيما تتصاعد خيوط دخان خفيفة تذكّر بأن الحريق لم ينتهِ تماماً، بل ما زال عالقاً في الهواء. على جانبيها تنتصب عناصر عمودية تشبه أعمدة طقسية، تتدلّى منها شموع مشتعلة وأزهار ذابلة. النار هنا ليست متفجّرة، بل محاصَرة، متروكة لتحترق ببطء، كأنها أثر لا فعل، ذاكرة لا حدث. تكرار اللهب الصغير يحوّل الخشبة إلى مساحة طقس، أقرب إلى جنازة أو إلى لحظة اعتراف أخير.

في هذا المشهد، تغنّي المؤدّية بصوت يقع على الحدّ الفاصل بين الرثاء والتمرّد، بينما يكون "هو" مرمياً على الأرض، غائباً عن الوقوف، حاضراً كجسد فقط. التباين حادّ: هي واقفة، ناطقة، مُضاءة؛ وهو في الأسفل، صامت، خارج الفعل. صرختها بالدعوة إلى إشعال الحريق تأتي إعلاناً عن ضرورة النهاية، وعن الحاجة إلى إحراق القصص كي تتوقّف عن إعادة إنتاج الألم نفسه.

 العمل من أداء ريم مروّة وطارق يعقوب، ويقارب، عبر ثنائية حميمة، علاقة الحبّ بالنصّ وبالمسرح، في مدينة تقف دائماً على حافة الاحتراق.