مسرحية "النقشة".. معركة العقل داخل واقع يزوّر الحقيقة

19 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
من مسرحية "النقشة" (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تسلط مسرحية "النقشة" الضوء على قصة الباتول، التي تُسلب حقوقها مرتين من مجتمعها، وتُجبر على دخول مستشفى نفسي لتجنب السجن، مما يُظهر استخدام الجنون لإسكات الأصوات المتمردة ومعاقبة النساء في بنية اجتماعية ظالمة.
- تُقدم المسرحية في مستشفى يفتقد للطبيب، حيث يتولى قائد النزلاء دور الطبيب، مما يخلق تداخلاً بين الكوميديا والواقع، ويقود صالح "صويلح" ثورة صغيرة لإعادة العدالة، مانحًا الباتول رخصة العقل كوثيقة رمزية.
- تجمع المسرحية بين الرمزية السوداء والتشويق، وتطرح أسئلة حول الاضطراب النفسي والعدالة، مع أداء متناسق وسينوغرافيا تعزز الإحساس بالاختناق.

في جناح معزول للمرضى النفسيين، تتجاور فيه الهلاوس مع أشلاء الذاكرة، تفتح مسرحية "النقشة" باباً واسعاً على سؤال العقل إذ يتحوّل إلى موضوع للخصومة والسلطة. العمل، الذي استلهمه المخرج والمؤلف عبد المجيد سعد الله من قصة حقيقية وقعت في جهة الشاوية ورديغة؛ كما صرّح لـ“العربي الجديد”، ينطلق من حكاية فتاة يُصادر مجتمعها حقّها مرتين؛ الأولى حين يُسلب إرثها احتيالاً، والثانية حين تُنتزع منها أهلية عقلها بإجبارها على دخول مستشفى للأمراض النفسية، حتى لا تُزجّ في السجن.

تقول الفتاة، الباتول: "أنا لست مجنونة، أنا امرأة سُلبت حقّها"، لتصبح مطالبتها الأساسية هي الاعتراف بأنها عاقلة، بعدما كانت تطالب بمالِها. وقد قُدم العرض نهاية الأسبوع الماضي على خشبة مسرح مولاي رشيد بمدينة الدار البيضاء.

يقول المخرج عبد المجيد سعد الله في حديثه لـ"العربي الجديد" إنّ "الواقع أوسع من الخيال" وإنّ ما يرصده العمل "يمثل نموذجاً لا ينفصل عن بنية اجتماعية تُعاقَب فيها المرأة إن دافعت عن حقها، ويُستخدم الجنون كآلية رمزية لإسكات الصوت المتمرّد، امرأة كان ام رجلا".

تحيك المسرحية حبكتها داخل فضاء مغلق، لكن أسئلتها تتجاوز الجدران

يضيف أيضا: "لكل جماعة قائد، حتى أولئك الذين نعتبرهم خارج دائرة العقل. نزلاء المستشفى أنفسهم قادرون على بناء نظامهم الداخلي حين تتخلى المؤسسة عن دورها".

يفتتح العرض بمشهد قفز الباتول، التي تجسدها جميلة مصلوحي، من جناح النساء إلى جناح الرجال، في مستشفى يفتقد الطبيب والتجهيزات، ويُترك فيه المرضى لتنظيم حياتهم ببداهتهم الخاصة. داخل هذه الفوضى، يتقمص قائد النزلاء دور طبيب غائب، لتتكون لحظة تداخل لافت بين الكوميديا وسواد الواقع، حيث يصبح الوهم وسيلة لاحتضان حقيقة مُرة وهي أن المؤسسة المعنية بالعلاج غائبة تماماً عن الدور المنوط بها.

إلى جانب الباتول، يبرز صالح، المعروف بين النزلاء بـ"صويلح" ويجسده سامي سعد الله، الشاب الذي أُدخل المستشفى بعد اضطراب مرتبط بالإدمان. يعترف ساخرا: "أنا صالح الذي لا يصلح لشيء في نظر المجتمع"، لكنه يتحول داخل الجناح إلى شخصية محورية قادرة على قيادة ثورة صغيرة لإعادة الاعتبار للعدالة، فيصبح هو المسؤول عن منح الباتول رخصة العقل، باعتبارها الوثيقة الرمزية الوحيدة التي تخول لها الخروج. هذا المسار لا يقدم صالح كضحّية، وإنما نموذجا للإنسان الذي، رغم هشاشته، لا يفقد اتزان فطرته ورغبته الطبيعية في إصلاح ما يمكن إصلاحه.

تحيك المسرحية حبكتها داخل فضاء مغلق، لكن أسئلتها تتجاوز الجدران. فهي تقارب الاضطراب النفسي كنافذة على الشرخ الاجتماعي الذي يجعل المرأة أكثر عرضة لإسكات صوتها باسم "الوصاية".

تتصارع في هذا العمل الإبداعي الرغبة في الانتقام مع الحاجة إلى الاعتراف، ويتجاور الحب واليأس، وتتخذ العلاقات بين الشخصيات طابعاً عميقاً يعيد صياغة الحدود التقليدية بين "العاقل" و"غير العاقل".

يشارك في تشخيص المسرحية كل من سعيد مزوار، حميد مرشد، زينب زعبول وزكرياء حسني، في توليفة متناسقة تُبرز العمل الجماعي داخل فضاء يقوم على الشخصيات. كما تحمل السينوغرافيا توقيع عبد الرحيم طلحة، فيما أشرف أيوب بنهباش على الإضاءة والموسيقى، في بناء بصري وصوتي يعزز الإحساس بالاختناق والعزلة، ويعمّق الطابع النفسي للعرض. 

"النقشة" تقدم تجربة مسرحية مركّبة، تجمع بين الرمزية السوداء والتشويق الدرامي والاشتغال النفسي، دون أن تنزلق نحو الخطابات المباشرة. إنها عملٌ يكشف هشاشة العدالة أمام قوانين أقوى من الإنسان، وتعيد طرح سؤال كبير: ما الذي يجعل المجتمع أكثر استعداداً لتصديق الجنون من سماع الحقيقة؟

المساهمون