منى حاطوم وألبرتو جياكوميتي.. حوار بين الخوف والإنسانية
استمع إلى الملخص
- رموز الدمار والإنسانية: تقدم منى حاطوم أعمالاً تعيد صياغة مشاهد الدمار كرموز للوطن المفقود، تتجاور مع منحوتات جياكوميتي، مما يخلق مقارنة حول سؤال الجسد في مواجهة السلطة.
- الوجود والبحث عن المعنى: يعكس المعرض حالة الإنسان المحاصر والبحث المستمر عن المعنى، وينتهي بمشهد فيديو لحاطوم تسير حافية، مما يربط بين الزمنين ويظهر محاولة الفنانين للمضي قدماً.
"لا تضع منى حاطوم أعمالها إلى جانب جياكوميتي لمجرد المقارنة، إنما لتفتح معه حواراً حول الخوف، والفقدان، والبحث عن الإنسانية وسط الدمار". من هذه العبارة يمكن الدخول إلى عوالم معرض "لقاءات منى حاطوم وجياكوميتي" الذي يحتضنه مركز باربيكان للفنون في لندن حتى الحادي عشر من يناير/كانون الثاني 2026.
هذا اللقاء بين فنانة عربية معاصرة ونحات أوروبي من القرن العشرين ليس استعادةً لأعمالٍ من زمنين مختلفين بقدر ما هو مواجهة فكرية وجمالية بين تجربتين توحدهما النظرة القلقة إلى العالم، والتمسك بإنسانيةٍ تترنح تحت ثقل العنف والخراب.
برج الدمار وبقايا البيت
تفتتح حاطوم المعرض بعملها "برج"، وهو بناء معدني يشبه مجمّعاً سكنياً تهشّم بفعل قصف جوي. لا يحتاج المشاهد إلى تخمين المكان؛ فالمشهد مألوف في نشرات الأخبار اليومية، لكن حاطوم تُعيد صياغته كأيقونة لدمار الإنسان قبل الحجر. يصبح البرج المحترق رمزاً للوطن المفقود، للبيت الذي لم يعد بيتاً، وللذاكرة التي تحترق مع الجدران.
وفي عملها "بقايا اليوم"، تُعيد الفنانة بناء قطع أثاث محترقة داخل هياكل سلكية شفافة. المشهد يوحي ببيتٍ أشبه بالأطلال، شبح الحياة اليومية التي انتهت فجأة. هنا، يصبح الدمار مادة فنية يوثّق هشاشة الأمان الإنساني.
أما عملها الشهير "لا تواصل"، وهو سرير من أسلاك شائكة على هيئة مهد طفل، فيتجاور مع منحوتة جياكوميتي "المرأة مقطوعة الحنجرة"، حيث يتجسّد الجسد الأنثوي كمساحة للعنف والتشريح. هذا التوازي بين العملين يخلق مقارنة شكلية ويفتح جرحاً مشتركاً: سؤال الجسد في مواجهة السلطة، والحياة في مواجهة القسوة.
الدم والظلال والوجود
في مساحة أخرى من المعرض، تُقدّم حاطوم عملاً مؤلفاً من بقع ضخمة من الزجاج الأحمر، صنعتها في ورش مورانو الإيطالية، لتبدو كأنها انفجار دموي في وسط الغرفة. إلى جواره، تُعرض واحدة من أكثر منحوتات جياكوميتي قتامة، وهي "الأنف"، حيث يمتد وجه نحيل داخل قفص معدني، أنفه الطويل يندفع كرمح نحو الفراغ. وضعه داخل مكعب صمّمته حاطوم نفسها يجعل المشهد يبدو كأن الإنسان محاصر داخل آلة الوجود، لا يملك سوى أن يطلّ على العالم بأنفٍ طويلٍ كصرخة.
ويتابع الزائر اللقاء مع أعمال جياكوميتي الأخرى، مثل "الرجل السائر"، و"القط"، اللذين يعرضان هنا كرمزين للحركة والبحث المستمر عن المعنى. في العمل الأول، يتجسّد الإنسان كظلٍّ نحيل يواصل السير رغم كل شيء، وفي الثاني يتحوّل القط المعدني إلى كائن أسطوري يذكّر بالآثار المصرية القديمة، وكأن الحيوان والإنسان يشتركان في مصيرٍ واحد من التيه.
في نهاية الجولة، يعرض فيديو قديم لحاطوم من عام 1985، تسير فيه حافية في شوارع بريكستون وقد ربطت بحذائها سلاسل ثقيلة. مشهدها المتعب يتجاور مع تمثال جياكوميتي "الرجل السائر" بخطواته الهشة المترددة. كأنّ الزمن يكتمل: فنانة معاصرة تسير في أثر نحات رحل قبل عقود، كلاهما يحاول المضيّ قدماً رغم الثقل الذي يجرّه.
وُلد ألبرتو جياكوميتي عام 1901 في سويسرا، وعُرف بكونه أحد أبرز وجوه الفن الحديث في أوروبا. عاش بين جنيف وباريس، متأثراً بالسريالية ثم بالوجودية، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، حين تحوّلت منحوتاته إلى أجساد نحيلة تقف على حافة التلاشي. توفي عام 1966.
أما منى حاطوم، فهي من مواليد بيروت عام 1952 لعائلة فلسطينية لاجئة. استقرت في لندن منذ منتصف السبعينيات، وجعلت من المنفى والخوف مادة جمالية لبناء فلسفة فنية كاملة.