استمع إلى الملخص
- موقف الشاعر من الخراب الثقافي: يعبر ناصر عن رفضه للخراب الثقافي الذي يسيطر على المشهد الأدبي، حيث يرفض تسليع الشعر وإخضاعه لمعايير السوق، مشيراً إلى أن الشاعر الحقيقي بات شبه غائب في ظل هيمنة الاعتبارات التسويقية.
- الكتابة كفن بصري: في "العشّاب"، تتجاور الروح والبصر في مختبر فني، حيث تُختبر حدود اللغة وتُعاد صياغة وظيفة الشعر، مما يخلق معنى جديداً ومختلفاً من خلال تراكب الطبقات البصرية والنصية.
يسعى الشاعر والتشكيلي العراقي ناصر مؤنس إلى وضع قارئه أمام كتابة تُفتّش عن شكلها الخاص؛ لا تكتفي بدمج الفنون، بل تسعى لتوليد مساحة ثالثة بينهما. ضمن هذا الاتجاه، وبعد أكثر من 10 كتب، تبرز تجربته في كتابه "العشّاب.. حاجّ إلى الحقول النائية" (دار مخطوطات/ هولندا، 2025)، حيث باتت اللوحات ترجمة غرافيكية للشعر بحسب مقترحه، وتذهب بإلحاح إلى نسج علاقة مختلفة بين المؤلف والشعر والمتلقي، يتحدث عنها ناصر: "العشّاب" هو تجربة في الكتابة تتناول مسار البذرة الشعرية: ذلك النهم الدائم للنمو، والرغبة في المعرفة، والسعي إلى إضفاء معنى على الأشياء بما يعيد ربط الإنسان بالمقدّس. إنه استدعاء لدور الطقس الروحي بوصفه وسيلة لإعادة بناء هذه الصلة المفقودة، وإثبات أن البعد الروحي قد حوّل السحري إلى الإلهي عبر إضفاء ملموسية على ما كان القدماء "يشعرون به" دون أن يروه. ذلك الشيء هو المقدّس: العمق الغامض المحيط بكل شيء، والعدم الخلّاق الذي ينطوي على إمكانية المعنى".
الشعر هنا أشبه بمحاولة لتسوير العالم، من أجل منع الخراب من أن يأكله، وأن يزدرده عبر أدواته التي صارت تسيطر على كل شيء! إنه موقف وإعلان يلفتان إلى الحقيقة التي غطّتها بهرجة التقنيات والأحاسيس الزائفة بالقوة والتملك، فيقول عبر صوت يسمّيه بـ(هو): "يُريد من الحبر أن يكون نبيلاً، يريد أن يُلغي الزيف الذي خطّه اليراع، والأكاذيب التي تنسجها الأقدار".
ما يكتبه ويرسمه ناصر استكمال للمشروع البصري الذي شغله دائماً، لكنه في "العشّاب" أمسى حاداً جداً، يصيب صاحبه بالجروح، ولكنه يحميه من الخراب، من خلال تجدد الدم في جسد النص.
وبحسب النص الذي أرفقه المؤلف بقصائده ولوحاته، فإن "شاعر اليوم هو ضحية هذا الخراب... الشاعر الذي لا يمكن تسليعه ولا إخضاعه لمعايير السوق. الشاعر الذي لا يروّج للإعلانات ولا يشارك في ابتذال الثقافة. لكنّ هذا الشاعر بات شبه غائب عن مشهد ثقافي تحوّل إلى مجرد ترفيه في مهرجان استهلاكي. في مثل هذا الواقع، تغلب الاعتبارات التسويقية على أحكام الجودة، حتى غدت الحدود بين القيمة الحقيقية والتصنيف الاعتباطي حدودًا ضبابية، يصعب معها التمييز: هل ما يزال معيار الجودة هو الحاكم؟ أم أنه غدا مجرد وهم مبالغ فيه؟".
اللوحة لا تترادف مع النصوص في الكتاب، بل تحضر ضمن حيزها الخاص، وبالتالي فإن النظر إليها بوصفها ترجمة من نوع ما قد لا يتضمن التطابق بين النسقين. إن الذهاب نحو اعتماد الصيغة الغرافيكية يعني، أول ما يعني، أننا كقرّاء ننظر في طبقات تتراكب مع بعضها لتشكّل معنى جديداً مختلفاً:
"الكتابة تشبه الرسم؛ فكل كلمة هي لطخة من الطلاء.
"أنت تبكي عجزك عن تحضير ترياق الروح، قالت الكلمات".
ما يقدّمه "العشّاب" ليس كتاباً فحسب، بل مختبر تتجاور فيه الروح والبصر، حيث تُختبر حدود اللغة وتُعاد صياغة وظيفة الشعر في هذه الأزمنة.