نجيب محفوظ ويوسف القعيد.. قراءتان لزلزال 1992

03 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 17:40 (توقيت القدس)
نجيب محفوظ في رسم جداري بأحد أحياء القاهرة الشعبية، 22 مارس/آذار 2018 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- استيقظ سكان القاهرة والجيزة على هزة أرضية بلغت 5.6 درجات، مركزها قرب السويس، مما أعاد ذكريات زلزال 1992 المدمر. تناول الروائيان نجيب محفوظ ويوسف القعيد هذه الكارثة بأسلوبين مختلفين في أعمالهما الأدبية.
- كتب نجيب محفوظ نصاً بعنوان "سؤال النور في يوم غائم"، حيث استخدم الزلزال كمدخل لتأمل الوضع الاقتصادي والاجتماعي، مؤكداً على أهمية التقدم من خلال المعرفة والديمقراطية.
- في رواية "أربع وعشرون ساعة فقط"، جعل يوسف القعيد الزلزال محوراً لروايته، حيث تكتشف البطلة محروسة عبد الحي الحلواني كوارث عائلية أعمق من الكارثة الطبيعية، مما يعكس رؤية الكاتب لحال البلاد.

استيقظت مصر، فجر اليوم الاثنين، على هزة أرضية بلغت 5.6 درجات، مركزها قرب السويس، شعر بها أيضاً سكان فلسطين والأردن، دون خسائر تُذكر هذه المرة. تُعيد هذه الهزّة الأرضية، التي وُصفت بالخفيفة، إحياء ذاكرة جماعية أليمة في السياق المصري، حين ضرب زلزال مدمّر البلاد في أكتوبر/تشرين الأول 1992، وأودى بحياة مئات الأرواح، وهي الذاكرة نفسها التي التقطها اثنان من أبرز الروائيين المصريين، ليكتبا عنها بأسلوبين مختلفين تماماً.

بعد الزلزال بفترة قصيرة، كتب نجيب محفوظ

نصاً لم يُعرف حتى الآن هل نُشر في حياته أم لا. بدأ المخطوط، الذي عُثر عليه ضمن أوراقه الخاصة وحمل عنواناً مبدئياً هو "سؤال النور في يوم غائم"، بوصف الكارثة الطبيعية، ثم انتقل منها ليناقش ما تلاها من تداعيات في الشأن العام، بأسلوب محفوظ المعتاد في مقالاته التحليلية الهادئة التي كان يكتبها بانتظام في تلك الفترة. 

وبدلاً من أن يتوقف عند هول اللحظة، استخدم محفوظ الكارثة كمدخل لتأمل الوضع الاقتصادي وتطلعه إلى مستقبل أفضل، إذ بدا فيه متمسكاً بأفكار تؤكّد معنى التقدم من تكامل المعرفة والديمقراطية معاً، وكأن الزلزال، في نظره، لم يكن سوى مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق عن مسار البلاد. وهذا ما يفسر عنوان المخطوط نفسه "سؤال النور" لا وصف الكارثة: الحدث الطبيعي عنده جاء على هيئة نقطة انطلاق نحو سؤال سياسي واجتماعي أشمل.

أما الروائي يوسف القعيد، الذي يُعتبر من رواد الجيل الذي جاء بعد محفوظ، فقد جعل من الزلزال نفسه محور روايته "أربع وعشرون ساعة فقط"، مؤرّخاً بدقة زمن الحدث: بعد ظهر الاثنين 12 أكتوبر/تشرين الأول 1992. بطلة الرواية أرملة ريفية تُدعى محروسة عبد الحي الحلواني - في استخدام دالّ لاسم "محروسة" كلقب شعبي لمصر - تسمع بوقوع الزلزال فتهرع من قريتها إلى القاهرة بحثاً عن أبنائها السبعة المقيمين فيها. 

وفي القاهرة، لا تجد محروسة كارثة الزلزال بقدر ما تجد كوارث عائلية أصغر متراكمة بين أبنائها. بهذا البناء، وإن لم يحظَ بإجماع القراء، إذ اعتبره بعضهم بطئاً زائداً أضعف تماسك خاتمة الرواية. حاول القعيد الموازاة بين هزة الأرض وهزات أُخرى أشد عمقاً كانت تنخر بيت الأسرة قبل أن يضرب الزلزال أصلاً؛ فالكارثة الطبيعية هنا كاشف لخراب سابق عليها، لا سبب له. ويرصد الروائي عبر رحلة الأمّ هذه زمنين متوازيين: حكاية الأسرة كما ترويها محروسة بأسلوب استعادي، تحمل مقارنة ضمنية بين تفاؤل جيل الآباء في الستينيات وواقع الأبناء المؤلم في التسعينيات، وما بعد الزلزال بصوت راوٍ عليم يعكس رؤية الكاتب لحال البلاد ككل.