استمع إلى الملخص
- يتناول الكتاب، المكتوب بالفرنسية، مفهوم "الحساسية المتوسطية" في السينما كوسيلة لإعادة اكتشاف الذات والآخر، مع التركيز على تمثلات الهوية والاختلاف في الأفلام المتوسطية.
- يقدم أفاية قراءة سياسية للواقع المتوسطي، مشيراً إلى فقدان أوروبا لبريقها الأخلاقي، بينما تظل النخب الثقافية تدافع عن الإنسانية المشتركة عبر الفنون والمهرجانات.
يطرح الأكاديمي والباحث المغربي محمد نور الدين أفاية، في كتابه الجديد "ضفاف النظر... لغة بصرية مشتركة في حوض المتوسط" (منشورات مؤسسة مهرجان تطوان السينمائي، 2025)، سؤالاً أساسياً: كيف تتحوّل الصورة، والفعل السينمائي تحديداً، إلى لغة قادرة على مقاومة إرادات الإقصاء، وصياغة معنى جديد للمشترك الإنساني في فضاء تتقاطع فيه الرغبات والحدود؟
الكتاب، الصادر باللغة الفرنسية، يندرج ضمن مشروع المؤلف في مساءلة الصور والمعاني التي تنتجها المجتمعات المعاصرة، لكنّه يتجه هذه المرة نحو المتوسط باعتباره حقلاً رمزياً وثقافياً، ومختبراً حياً لتجارب اللقاء والانفصال بين شعوب تجمعها ذاكرة البحر وتفرقها السياسات. في مقدمة الكتاب، يصف أفاية ما يسميه "الحساسية المتوسطية في التداول"، إذ تتقاطع التجارب الإنسانية والفنية والثقافية عبر الصورة، وتتأسس دينامية مقاومة لتصلّب الحدود. السينما هنا وسيلة عبور، ومساحة تتيح للأجساد والأفكار أن تتحرك خارج القيود الرسمية، وأن تبتكر لغتها الخاصة للتبادل والتفاعل.
يتناول القسم الأول "المتوسطية كإمكان بصري"، علاقة الصورة بإنتاج فضاءات المشاركة. يقف أفاية عند مفهوم "السينما كخيال في الفعل"، إذ تصبح الصورة وسيطاً لإعادة اكتشاف الذات والآخر، وأداة لصياغة "شعرية العلاقة" بين الشعوب.
تتخذ المتوسطية في فكر أفاية شكلاً من أشكال المقاومة الجمالية
أما القسم الثاني، "صور الهوية في السينما المتوسطية"، فيستكشف تمثلات الهوية والاختلاف في الأعمال السينمائية، إذ يتناول أفاية مفهوم "الانزعاج الهووي" كما ينعكس في الأفلام المغربية والتونسية والمصرية والفرنسية، وكيف يعبّر صانعوها عن القلق الوجودي الذي يرافق الانتماء والهجنة. ويخصّص الكاتب فصلاً واسعاً لأعمال يوسف شاهين، من "إسكندرية ليه؟" إلى "إسكندرية نيويورك"، باعتبارها نموذجاً مكثفاً للحساسية المتوسطية، إذ يتقاطع الحنين بالتمرد والهوية بالتحول.
كما يقدّم أفاية ما يسميه "الخرائطيات الشعرية للسينما المتوسطية"، مستعرضاً مسارها من اختراع السينماتوغراف إلى تيارات الواقعية والموجة الجديدة والسوريالية، وصولاً إلى التجارب الراهنة. ويبرز كيف أن هجرة مخرجين وموسيقيين من أصول متوسطية إلى أوروبا والولايات المتحدة، مثل فرانسيس فورد كوبولا، مارتن سكورسيزي، وسيرجيو ليوني، قد أدخلت إلى السينما العالمية أبعاداً جمالية وإنسانية مستمدة من التجربة المتوسطية.
ويذهب أفاية أبعد من التحليل الجمالي إلى قراءة سياسية للراهن المتوسطي. ففي مواجهة صعود اليمين المتطرف، والانغلاق الثقافي، واستراتيجيات الإقصاء والتبرير للعنف، يرى أن أوروبا التي قدّمت نفسها طيلة قرنين بوصفها حاملة قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، فقدت بريقها الأخلاقي، كما عبّر جان لوك غودار في فيلمه "كتاب الصورة". في المقابل، تظل هناك نخب وفاعلون ثقافيون في ضفتَي المتوسط يصرّون على الدفاع عن إنسانيتهم المشتركة، وينظمون تظاهرات ومهرجانات تُعيد عبر الصورة طرح أسئلة الكرامة والحب والحياة.