هل يكذب الروائي؟

03 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 05:45 (توقيت القدس)
جوان خلف/ سورية
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في رواية "أنا الأعلى"، يمزج أوغستوا روا باستوس بين التاريخ والخيال والأسطورة، حيث يخلق الدكتاتور حقائق جديدة لتحقيق الأبدية، مما يعكس سلوك السلطات المستبدة عبر التاريخ.
- الرواية تبرز الإنسان العادي كبطل، بعيدًا عن الشخصيات الأسطورية أو السياسية، وتدافع عن القيم الإنسانية الحقيقية، مما يجعلها وسيلة للبحث عن الجوهري في التاريخ.
- تتناول الرواية دور الكتاب في الانحياز للهويات القاتلة، حيث يمكن أن تُستخدم لتصفية الحسابات الطائفية أو الأيديولوجية، مما يبرز التحديات الأخلاقية في الكتابة.

في رواية "أنا الأعلى" (دار سرد وممدوح عدوان، 2023) للروائي أوغستوا روا باستوس يخلط بطل الرواية التاريخ بالخيال بالأسطورة. يكتب بسام البزاز مترجم الرواية في المقدمة، أن هذا الخلط من قبل الدكتاتور، إنما يعود إلى حرصه على الأبدية. ولهذا فهو لا ينقل حقائق، بل يخلقها. وهذا هو الإجراء الذي تنفذه كل سلطة مستبدة طوال التاريخ. خلق حقائق أخرى، بصرف النظر عما إذا كانت صادقة، أم كاذبة. 

السؤال الآن هو: هل يكذب الروائي، أم تكذب الرواية؟ لا أقصد رواية "أنا الأعلى" بل أي رواية؟ كل المداخلات والأبحاث، وكل الروائيين في التاريخ العالمي يميلون إلى القول إن الرواية فقط هي التي تقول الحقيقة. فالرواية منذ نشأتها كان بطلها الإنسان العادي، لا البطل الأسطوري، ولا الملك، ولا الأمير، ولا الرئيس، فهؤلاء يكذبون في تسجيل تواريخهم. البطولة في الرواية هي بطولة الأخلاقي، والنزيه، والمستقيم، والمدافع عن القيم الحقيقية لكل البشر. وحين تعيد كتابة أي تاريخ، إنما تبحث عن الجوهري الذي يمضي بالإنسان إلى الوحدة مع النزعة الإنسانية عموماً، بحيث يدافع عن البشر، من دون أن يلتزم بالهويات. 

يمكن توسيع نطاق البحث، والكلام، والنقاش، والدراسة في هذا الباب دائماً لكثرة ما يتوسع المعنى، ويتردد في العالم الواقعي، أو في الممارسة العملية لكل من الروائي والمفكر والمؤرخ والصحافي والسياسي، بحيث يصبح من الممكن لنا أن نتجاوز العبارة المباشرة التي تشير إلى النوع الأدبي الذي نطلق عليه اسم الرواية، ونذهب في اتجاه كل رواية، أو كل خبر. 

الرواية منذ نشأتها كان بطلها الإنسان العادي لا البطل الأسطوري

وقد يفرض مثل هذا الأمر نفسه حين يتأمل المرء أشكال رواية الخبر الحالي، أو الخبر الماضي، على أسماع الجمهور، أو في الكتب، أو الوثائق المكتوبة، يكفي أن يقتطع الصحافي حقائق، أو وقائع من الخبر، يخفيها، ويهملها، ويقدم وقائع أخرى، وحيدة، كي تبدو أنها هي الخبر الوحيد الحقيقي. كأن تكتب صحافية قائلة "إن السويداء تعرضت لهجوم غير محسوب العواقب من قبل قوات عشائرية موالية للحكومة"، بينما تقول الوقائع والفيديو والصورة التي قدمها الجنود أنفسهم، أن الجيش السوري وقوات الأمن هم من نفّذ الهجوم الأول، وفزعت لهم فيما بعد قوات عشائرية. تحاول الصحافية إخفاء التاريخ اليومي، كي تمنعه من أن يصبح تاريخاً مكتوباً. 

ولكن ماذا لو وجدنا روايات ينحاز كتابها إلى الهويات القاتلة؟ (كما حدّدها أمين معلوف). تقول الوقائع السورية على الأقل: نعم، إن مثل ذلك يحدث فعلاً. فكثير من الكتاب السوريين خاصة، في ظل  الحروب الأهلية، والدينية، والطائفية، التي تعم منطقة الشرق الأوسط، وسورية، انحازوا إلى جانب القاتل، وقدموا آراء للدفاع عن سياسته.. قد لا يستطيع الروائي (أو الكاتب عامة) أن يخرج من عالم الانحياز في الرأي، فهو مواطن، ومنحاز بالضرورة، بينما تظهر عيوبه اللاإنسانية حين يمكن أن يجند الرواية لتصفية الحسابات الطائفية، أو الأيديولوجية، أو الحزبية، أو الشخصية. لم يثبت تاريخ الرواية أن بوسع الروائي أن يكتب جيداً، بينما ينحاز النص إلى الشر، أو يخلط الحقائق بقصد تبرئة قاتل، أو تجريم البريء.

 

* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية