أجور النقل تستعصي على الانخفاض في إدلب رغم تراجع أسعار الوقود
استمع إلى الملخص
- يواجه الطلاب تحديات مالية كبيرة بسبب تكاليف النقل المرتفعة، مما يضطرهم لتقليص حضورهم الجامعي، حيث لا توجد حلول واضحة لضبط الأجور، مما يضعهم أمام خيارات صعبة.
- يبرر السائقون ثبات الأجور بارتفاع تكاليف التشغيل، ويشير الخبراء إلى غياب جهة مركزية تفرض التعرفة، بينما تسعى الجهات الرسمية لضبط الأسعار دون نتائج ملموسة.
على الرغم من إصدار قرار بتخفيض أسعار المحروقات في إدلب خلال الأسابيع الماضية، في خطوة كان من المتوقع أن تنعكس مباشرة على تكاليف النقل، فإن أجور المواصلات داخل المحافظة بقيت ثابتة دون أي تغيير ملموس. ويثير هذا الجمود في التعرفة استياء الأهالي الذين كانوا يأملون بانخفاض يخفف الضغط عن ميزانياتهم المرهقة أصلاً، في ظل تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات.
ويرى السكان أن مفارقة انخفاض أسعار الوقود مقابل بقاء أجور النقل مرتفعة تفاقم أزمة الإنفاق اليومي وتحد من قدرتهم على التنقل للعمل والدراسة وقضاء الحاجات الأساسية، بينما يشير كثيرون إلى غياب رقابة فعلية أو آلية واضحة لضبط التعرفة وربطها بحركة أسعار المحروقات.
وقال خالد الصواف، وهو موظف في إدلب، ويقيم في مدينة معرة مصرين شمال إدلب، إن قرار خفض أسعار المحروقات لم يترك أي أثر على أجور النقل داخل المدينة أو بين بلداتها. ويضيف لـ"العربي الجديد" أنه لا يزال يضطر لإنفاق جزء كبير من دخله الشهري على التنقل، إذ تصل كلفة المواصلات اليومية إلى نحو ربع راتبه، الأمر الذي يثقل التزاماته الأساسية.
ويشير الصواف إلى أنه، ورغم إعلان انخفاض سعر المازوت، لم يلمس أي تغيير في التعرفة التي يتقاضاها السائقون، بل إن بعضهم يطلب زيادة إضافية بحجج متعددة، مثل ازدحام حركة السير أو تضرر الطرقات. ويعتبر أن هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين القرارات الرسمية والتطبيق العملي، قائلاً "الأهالي ينتظرون رقابة فعلية تضمن التزام السائقين بالتعرفة العادلة".
أما سارة المصطفى، وهي طالبة في كلية الآداب بجامعة إدلب وتقيم في قرية تبعد نحو خمسة عشر كيلومتراً عن المدينة، فتقول إن تكاليف النقل أصبحت عبئاً يوازي الأقساط الجامعية التي تدفعها كل فصل. وتتابع لـ"العربي الجديد": "أدفع يومياً ما بين 40-50 ليرة تركية للمواصلات فقط، وهذا المبلغ يشكل عبئاً كبيراً، ولا سيما مع الدوام خمسة أيام في الأسبوع. كنا نتوقع انخفاض الأجور بعد الإعلان عن خفض سعر المازوت، لكن واقع الحال لم يتغيّر إطلاقاً".
وتضيف أن الالتزام بالدوام الكامل بات يتطلب مجهوداً مالياً يفوق قدرة كثير من الطلاب، وتقول: "بتنا نحسب حساب كل رحلة، هناك أيام أختار فيها عدم الذهاب إلى الجامعة إلا للمحاضرات الأساسية لتقليل النفقات، بدلاً من أن تتوافر لنا ظروف تسهل مواصلة تعليمنا، نجد أنفسنا مضطرين إلى تقليص حضورنا بسبب أجور النقل".
وترى المصطفى أن غياب الرقابة على خطوط النقل يترك الطلاب أمام خيارين أحلاهما مر، فإما دفع الأجور المرتفعة أو التغيب عن الدروس، مؤكدة أن معظم زملائها يواجهون الصعوبة نفسها دون وجود حلول واضحة حتى الآن.
من جهة أخرى، يبرر سائقو خطوط الريف ثبات أجور النقل بارتفاع تكاليف التشغيل، ويقول محمد الأسود، وهو أحد سائقي السرافيس العاملة على خط ريف إدلب – المدينة، لـ"العربي الجديد" إن انخفاض أسعار المازوت لم ينعكس على المصاريف الأخرى المرتبطة بالمهنة، وخاصة أن السائقين يواجهون اليوم تكاليف مرتفعة تشمل الصيانة الدورية، والزيوت، وقطع الغيار، فضلاً عن أجور الورش وأعمال الميكانيكا التي يقول إنها "لا تنخفض مهما تبدلت أسعار الوقود".
ويبين أن مجمل هذه المصاريف يجعل من الصعب، تخفيض التعرفة دون وجود قرار رسمي محدد وواضح يضمن ألا يتعرض السائقون للخسارة. ويؤكد أن العاملين في قطاع النقل ليسوا ضد تخفيض الأجور، لكنهم بحاجة إلى آلية تراعي التكاليف الحقيقية للتشغيل، مشيراً إلى أن "الفجوة بين سعر الوقود وبقية النفقات" هي ما يعطل أي تغيير في تسعيرة المواصلات حالياً.
من جانبه يقول الخبير الاقتصادي، مؤيد بكور، إن عدم توازن السوق في إدلب سببه غياب رقابة فعالة وتعدد الجهات التي تضبط الأسعار، وأوضح لـ"العربي الجديد" أن "خفض سعر الوقود خطوة إيجابية، لكنها لا تكفي لخفض تكاليف النقل، المشكلة الأساسية هي غياب جهة مركزية تفرض التعرفة وتراقب الالتزام بها، لذلك بقيت أجور النقل مرتفعة رغم انخفاض كلفة التشغيل".
ويرى أن: "الحل يبدأ بوضع تسعيرة واضحة وربطها دورياً بأسعار الوقود، مع فرض رقابة على خطوط النقل، وإيجاد آلية تمكن الركاب من تقديم شكاوى".
من جهة أخرى، أكد مدير عام المؤسسة العامة لنقل الركاب، عمر قطّان، في تصريح لـ"سانا"، أن اللجنة الفنية المكلفة بدراسة التعرفة الجديدة للميكروباصات ووسائل النقل الداخلي أنهت أعمالها مؤخراً، وقررت تخفيض الأسعار بنسب تتراوح بين 20 و30% مقارنة بالتعرفة السابقة، وفق طبيعة الخطوط والمسافات وتكاليف التشغيل.
وأوضح قطان أن بعض السائقين على خطوط النقل قدموا اعتراضات على التسعيرة الجديدة، ما أدى إلى إضراب محدود، مشيراً إلى أنهم سيعيدون دراسة التعرفة قريباً لمعالجة هذه الاعتراضات وتحقيق التوازن بين تخفيف الأعباء عن المواطنين وضمان استمرارية عمل وسائل النقل.
وبينما يبقى الركاب مضطرين لدفع الأسعار القديمة، يواصل القطاع الرسمي جهود ضبط الأسعار وتخفيف الأعباء عن المواطنين، وبين سائق يبرر وراكب يشتكي، تبقى أجور المواصلات في إدلب عبئاً يضاف إلى سلسلة تحديات اقتصادية تواجه سكان المنطقة، الذين ينتظرون خطوات عملية تخفف من أعباء الحياة اليومية، وتعيد الانسجام بين أسعار المحروقات وتعرفة النقل.