أموال سورية المهربة: نزيف صامت بمليارات الدولارات وسط تخبط الأرقام

10 يناير 2026   |  آخر تحديث: 06:12 (توقيت القدس)
محل صرافة في دمشق، 16 إبريل 2025 (لؤي بشارة/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت سوريا خلال الحرب نزيفًا اقتصاديًا بسبب تهريب الأموال، حيث غادرت مليارات الدولارات البلاد، مما أثر على الاقتصاد المحلي من خلال تقليل السيولة وزيادة الأسعار وتقليص فرص العمل.
- اتخذ مصرف سوريا المركزي إجراءات للحد من تهريب الأموال، مثل حصر استبدال العملة داخل البلاد، بهدف توضيح توزيع الكتلة النقدية بين الداخل والخارج، مع الحاجة لبيئة آمنة لإعادة الأموال.
- يشدد الخبراء على تحديث التشريعات المالية وتفعيل التعاون الدولي لمكافحة تهريب الأموال، مع تقديم حوافز لعودة رؤوس الأموال وتسريع الفصل في القضايا لتعزيز الثقة الاستثمارية.

لم يكن خروج الأموال من سورية خلال سنوات الحرب مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي واسع، تجاوز في حجمه وقدرته على التأثير ما شهدته البلاد في أي مرحلة سابقة. تقديرات الدول الأربع المجاورة لسورية تشير إلى أن مليارات الدولارات غادرت سورية خلال سنوات الحرب، من خلال تجار وصناعيين ورجال أعمال، تتضمن حجماً كبيراً من الأموال المهرّبة، ما يسلّط الضوء على جزء ظاهر من كتلة مالية أوسع يصعب حصرها في ظل اقتصاد ظل متشعّب وقنوات تحويل غير رسمية.

وفي مؤشر إضافي على اتساع الظاهرة، سجّل القضاء السوري خلال عام 2024 أكثر من 150 قضية تهريب أموال منظورة، بينما من المتوقع أن يكون العدد الفعلي أكبر بكثير. الخبير الاقتصادي رأفت عيد يؤكد لـ "العربي الجديد" أن الوصول إلى رقم دقيق لحجم رؤوس الأموال السورية المهربة إلى الخارج يكاد يكون مستحيلاً، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال أودِع في أنظمة مصرفية تخضع لقوانين صارمة للسرية المصرفية. لكنه يشير إلى أنّ تتبّع الاستثمارات المعلنة في بعض الدول يمكن أن يمنح صورة جزئية عن اتجاهات هذه الأموال.

وفق تقديرات عيد، تصل الودائع السورية المعلنة وفق بنك التسويات الدولية إلى نحو 45 مليار دولار. وبلغت استثمارات رجال الأعمال السوريين في مصر منذ بداية الحرب نحو 23 مليار دولار. وتجاوز إجمالي رؤوس أموال الشركات السورية المسجّلة رسمياً في الأردن 310 ملايين دولار موزّعة على أكثر من أربعة آلاف شركة. أما في تركيا، فقد بلغت قيمة الاستثمارات السورية نحو 1.5 مليار دولار، مع تسجيل أكثر من 7,500 شركة أسهمت في خلق قرابة 100 ألف فرصة عمل، بينما تركزت الأموال السورية في لبنان على شكل ودائع مصرفية قُدّرت بنحو 10 مليارات دولار خلال سنوات الحرب.

لا غطاء قانونياً

يشير عيد إلى أن عام 2012 شكّل الذروة في خروج الأموال، قبل أن تشهد الفترة بين 2013 و2016 حالة من الاستقرار النسبي، لتعاود وتيرة التهريب الارتفاع مجدداً منذ عام 2017. ويضيف أن إدخال تقديرات اقتصاد الظل في الحسابات يغيّر الصورة بالكامل، إذ تصبح الأموال الخارجة من سورية أكبر بكثير من أي رقم معلن أو متداول. وفي هذا السياق، يبرز قرار مصرف سورية المركزي المتعلّق بحصر استبدال العملة داخل الأراضي السورية إجراءً نقديا استثنائيا، لا من حيث مضمونه المباشر فقط، بل من حيث دلالاته الاقتصادية غير المعلنة.

فحاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر حصرية شدّد، عبر تصريح لـ"العربي الجديد"، على أنّ أي تداول أو استبدال للعملة خارج البلاد لا يقع ضمن مسؤوليته، مؤكداً أنّ "المبالغ الموجودة خارج البلاد لن يكون لها أي استبدال، وأنّ المصرف المركزي غير مسؤول عن أي تداول يتم خارج سورية"، في إشارة واضحة إلى أن الكتلة النقدية الموجودة خارج الحدود لن تتمتع بأي غطاء قانوني في عمليات الاستبدال المستقبلية.

ويرى الخبير الاقتصادي فادي عياش أن هذا التوجّه يتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً تقنياً، ليشكّل أداة رقابية غير مباشرة على الأموال المهرّبة.

ويوضح عياش أن اشتراط وجود الأموال داخل البلاد لاستبدالها يضع أصحاب الكتل النقدية الكبيرة أمام اختبار عملي: إما إدخال الأموال إلى الداخل والخضوع لإجراءات الاستبدال، ما يتيح للسلطات تكوين تقدير أقرب للواقع عن حجم السيولة الخارجة، أو الاحتفاظ بها خارج سورية مع المخاطرة بفقدانها قيمتها القانونية.

ويضيف لـ "العربي الجديد" أن هذا الأسلوب استخدمته دول أخرى واجهت ظروفاً استثنائية، ليس بهدف استعادة الأموال فوراً، بل لرسم خريطة أوضح لتوزّع الكتلة النقدية بين الداخل والخارج، وهو ما يوفّر للأجهزة الرقابية صورة أفضل عن الأموال الفعلية المتداولة خارج الدولة.

ويحذّر من أن نجاح هذا الإجراء مرتبط بعوامل أخرى لا تقل أهمية، أبرزها توفير بيئة آمنة وواضحة لإدخال الأموال، وضمان عدم تعرّضها لمخاطر قانونية أو إدارية مفاجئة، موضحاً أن غياب الثقة قد يدفع أصحاب الأموال إلى إبقائها خارج البلاد، ما يقلّل من فعالية القرار ويحول دون تحقيق أهدافه غير المعلنة.

آثار على الاقتصاد المحلي

ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الأموال المهرّبة لم تؤثر فقط في حجم السيولة في السوق المحلية، بل تركت آثاراً مباشرة في الاقتصاد اليومي للمواطنين. فغياب هذه الأموال عن السوق أدى إلى شح الاستثمارات المحلية، وزيادة أسعار السلع والخدمات، وتقليص فرص العمل، خاصة في القطاعات الصغيرة والمتوسطة. كما أن جزءاً كبيراً من الأموال المهرّبة يتحرّك ضمن اقتصاد الظل، عبر تحويلات غير رسمية أو ودائع نقدية خارج المصارف، ما يجعل تقدير حجم النزيف المالي أصعب على الجهات الرسمية.

ويرى الخبراء أن تقديم حوافز مؤقتة لإعادة هذه الأموال إلى الداخل، مثل تسهيلات قانونية وضريبية، قد يشكّل طريقاً عملياً لتقليص النزيف المالي، وتحويل جزء من الكتلة النقدية المهرّبة إلى رافد حقيقي لدعم الإنتاج والاستثمار المحلي.

من زاوية قانونية، يرى نقيب المحامين السوري علي الطويل أن التعامل مع ملف تهريب الأموال لا يمكن أن يكون انتقائياً أو ظرفياً، بل يتطلّب مساراً متكاملاً يبدأ من تحديث التشريعات المالية وينتهي بتفعيل التعاون الدولي. ويشير الطويل إلى أن تشديد الرقابة على التحويلات المالية وتحديث قوانين مكافحة غسل الأموال والتهرّب الضريبي بات أمراً ملحّاً، خصوصاً مع وجود عشرات القضايا المنظورة أمام القضاء.

ويضيف أن تسريع الفصل في هذه القضايا يبعث برسالة واضحة مفادها أن تهريب الأموال لم يعد ملفاً هامشياً أو مؤجّلاً. يؤكد الطويل لـ "العربي الجديد" أن التعاون مع الدول التي استقطبت الأموال السورية خلال السنوات السابقة يمثّل خطوة أساسية، ليس فقط لاستعادة الأموال في حال ثبوت المخالفات، بل أيضاً لتبادل المعلومات المالية وتعزيز الشفافية.

ويرى أن تقديم حوافز قانونية واقتصادية لعودة رؤوس الأموال، بالتوازي مع مكافحة اقتصاد الظل، يمكن أن يشكّل مدخلاً واقعياً للحد من النزيف المالي، شرط أن يكون ضمن إطار واضح ومستقر يعيد الثقة بالبيئة الاستثمارية المحلية. ويشير الطويل إلى أن القانون السوري رقم 3 لعام 2013 الخاص بالعقوبات الاقتصادية ينص في المادة 21 على أن من يهرّب الأموال إلى خارج البلد أو يؤخّر رجوعها يُعاقب أولاً بإعادة المبلغ، ثم بالحبس لمدة خمس سنوات ودفع غرامة تعادل الضرر الناتج من الفعل، مع نصوص صارمة لضمان تطبيق العقوبة في حال الامتناع عن الدفع.

المساهمون