أوروبا تراهن على تنشيط الصناعة وكبح البطالة عبر "العسكرة"
استمع إلى الملخص
- ارتفعت نفقات التسلح في الاتحاد الأوروبي، حيث بلغت ميزانيات الدفاع 343 مليار يورو في 2024، مع توقعات بزيادة إلى 392 مليار يورو في 2025، مما يعزز فرص شركات التصنيع العسكري لزيادة عائداتها.
- تواجه أوروبا تحديات مثل زيادة الاستدانة وتقليص مخصصات الرفاه الاجتماعي، بجانب المنافسة مع قوى كبرى، مما يثير تساؤلات حول تحقيق أهدافها الاقتصادية والأمنية.
لا يمر أسبوع من دون أن تعلن الدول الأوروبية مبادرة جديدة لتفعيل صناعاتها العسكرية، وهو ما يترجم فعلياً لمكاسب وارتفاعات متلاحقة لشركات تصنيع الأسلحة وأسهمها في الأسواق المالية. \
فقد سجلت أسهم الدفاع والطيران الأوروبية ارتفاعاً قوياً في الأسواق منذ بداية العام الجاري، وقفز مؤشر ستوكس (STOXX) لأسهم الدفاع والطيران الأوروبية بنسبة 2% في تعاملات أمس الخميس، وهو ما يعني صعوده بنسبة 13% منذ بداية 2026.
لم تكن هذه الزيادة بمعزل عن الهواجس الأمنية وتحديات الجيوستراتيجيا في أوروبا، فقد سجلت أسهم شركات الأسلحة ارتفاعاً زاد عن 260% منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، كما اكتسب التصنيع العسكري في أوروبا مزيداً من الزخم مع ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شركائه في الناتو لزيادة مخصصات الإنفاق العسكري، بعد عقود من خفضه عقب نهاية الحرب الباردة.
ويقارن محللو الأسواق قوة أسهم شركات التصنيع العسكري، رغم إحجام كثيرين عن الاستثمار فيها لأسباب أخلاقية، بالصعود المماثل لشركات التكنولوجيا في الأسواق الأميركية. لكنهم يطرحون أسئلة عن قدرة صناعات أوروبا العسكرية على خلق فرص عمل وتفعيل النمو الاقتصادي الذي يمكن أن يولده الاقتصاد الصناعي المدني.
ويرصد تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، التغيرات الكبيرة في نفقات التسلح الأوروبية، ففي عام 2021، بلغ مجموع ميزانيات الدفاع للدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد نحو 218 مليار يورو (اليورو يساوي 1.16 دولار) . وبحلول عام 2024، وصل الإنفاق الدفاعي في الاتحاد الأوروبي إلى 343 مليار يورو، أي ما يعادل 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي.
وتشير التوقعات إلى أن الإنفاق قد يصل في 2025 إلى 392 مليار يورو بأسعار السوق الحالية، أي ما يعادل 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في يونيو 2025 في لاهاي، وافقت الدول الأعضاء على التزام استثماري جديد في الدفاع بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. ومن المؤكد أن شركات التصنيع العسكري القائمة ستكون أول الرابحين من هذه المخصصات وفق مراقبين، إذ من المتوقع أن تنمو عائدات شركات الدفاع الأوروبية من العملاء المحليين بمعدل سنوي مركب يراوح بين 10.5% و11.5% على مدى العقد المقبل.
ووفقًا لتقرير صادر عن شركة الأبحاث المالية Rothschild & Co. Redburn أدى رفع الميزانيات العسكرية بالفعل إلى زيادة كبيرة في حجم الطلبات المتراكمة لدى شركات صناعة الأسلحة، والتي لم تنعكس بعد بالكامل على النتائج المالية وتوقعات الأرباح. وبناءً على افتراض أن أوروبا ستنفق نحو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول 2035، مع تخصيص 35–40% من هذا الإنفاق للمعدات، سيصل الإنفاق على المعدات الدفاعية إلى 1.2–1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف مستويات اليوم، مما يعني أن أوروبا ستتفوق على الولايات المتحدة التي تخطط للحفاظ على نسبة إنفاق ثابتة عند نحو 1% من الناتج المحلي.
وتروج حكومات القارة الأوروبية، مثل بريطانيا وبلجيكا وألمانيا، أن إحياء الصناعات العسكرية، من شأنه أن يحقق هدفين بحجر واحد، فمن ناحية سينشط القطاع الصناعي الذي تراجع وأدى إلى تزايد البطالة مع اعتماد أوروبا المتزايد على مصانع الصين، ومن ناحية أخرى سيؤدي إلى توفير ضمانات أمنية لدول القارة في مواجهة التهديد الروسي والابتزاز الأميركي.
عسكرة أوروبا
لكن المنتقدين يرون أن ثمة مخاوف من عدم تحقق أي من الهدفين، فالصناعات العسكرية الأوروبية العائدة من سبات عميق بعد نهاية الحرب الباردة لن تستطيع منافسة قوى متفوقة مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، تتمتع بصناعات عسكرية عملاقة، كما أن إنجاز هدف كهذا سيكون بعيد المدى بينما ستنعكس العوامل السلبية على المدى القريب.
فبينما ستربح شركات الأسلحة من "عسكرة أوروبا" سيأتي ذلك على حساب تزايد معدلات الاستدانة، وهو ما فعلته ألمانيا بالفعل العام الماضي من تخفيف قيود نسبة الدين في الميزانية، كما أنه سيأتي على حساب مخصصات الرفاه وبرامج الإنفاق الاجتماعي، وبرامج المساعدة الدولية، كما فعلت الحكومة البريطانية.
أوروبا تراهن على تنشيط الصناعة وكبح البطالة عبر "العسكرة"وبعيداً عن أسعار الأسهم والأسواق، لن تقتصر "العسكرة" على التصنيع، بل سيضمن السباق بحثاً عن أسواق جديدة لضمان استمرار تلك الصناعات، فأوروبا وحتى اللحظة لا يشغلها سوى الصراع الأوكراني، وحين يتوقف سيتدفق فائض صناعاتها العسكرية على الخارج والصراعات الأخرى ومعظمها في العالم الثالث.