إمبراطورية ترامب النفطية... واشنطن تغير قواعد اللعبة في أسواق الطاقة

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
تظاهرة في سيول ضد ترامب، 5 يناير 2026 (جونغ ييون ـ جي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصبحت الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب لاعباً رئيسياً في منظومة نفطية تمتد من كندا إلى فنزويلا، مما منحها نفوذاً كبيراً على نحو 40% من إنتاج النفط العالمي، مع التركيز على تقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط.

- فنزويلا، رغم إنتاجها المتواضع حالياً، تُعتبر هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة بسبب احتياطياتها النفطية الضخمة، لكن زيادة الإنتاج تتطلب استثمارات وجهوداً كبيرة.

- تواجه أوبك+ تحديات في التأثير على أسعار النفط بسبب مرونة الإنتاج الأميركي، مما يضعها أمام معادلة صعبة بين خفض الإنتاج أو الحفاظ على الحصة السوقية، مع دور محوري للشركات الأميركية في دمج فنزويلا في الإنتاج العالمي.

لم تعد الولايات المتحدة مجرد أحد كبار منتجي النفط في العالم، بل تحولت عملياً، في واية الرئيس دونالد ترامب الثانية، إلى قائد مسيطر لمنظومة نفطية عابرة للحدود تمتد من كندا شمالاً، مروراً بأميركا اللاتينية، وصولاً إلى فنزويلا، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة عالمياً. واعتبر خافيير بلاس؛ الخبير في شؤون الطاقة والسلع، والمؤلّف المشارك لكتاب "العالم للبيع: المال والسلطة وتجار موارد الأرض"، أن هذا التحول لا يعبّر فقط عن زيادة في الإنتاج، بل عن إعادة تشكيل جذرية لميزان القوة في سوق الطاقة الدولية، بما يمنح واشنطن نفوذاً مباشراً وغير مباشر على ما يقارب 40% من إنتاج النفط العالمي.

وبحسب المراجعة الإحصائية العالمية للطاقة لعام 2025 الصادرة عن معهد الطاقة، فإن دول الأميركتين (الولايات المتحدة وكندا وأميركا اللاتينية) تمثل مجتمعةً نحو 40% من إنتاج النفط العالمي، ونحو 20% من الاحتياطيات المؤكدة، مع تركز النسبة الكبرى من هذه الاحتياطيات في فنزويلا وكندا. ويرى مراقبون أن هذا الحجم يمنح واشنطن قدرةً غير مسبوقة على إعادة توجيه الإمدادات داخل نصف الكرة الغربي، وتقليص اعتمادها الاستراتيجي على نفط الشرق الأوسط، وهو ما يغير طبيعة التوازنات التقليدية في سوق الطاقة.

وقال بلاس، في مقال له في وكالة بلومبيرغ الاقتصادية الأميركية، أمس الاثنين: "جمع إنتاج الولايات المتحدة وكندا مع فنزويلا ودول أميركا اللاتينية، من المكسيك إلى الأرجنتين، يعني أن هذه المنطقة بأكملها تعيش عملياً تحت ما يمكن تسميته بـ(مبدأ دونرو)؛ أي نسخة حديثة وأكثر عدوانية من مبدأ مونرو، تُخضع موارد الطاقة في الأميركتين لنفوذ واشنطن.
"الأمر لا يتعلّق باحتياطيات مستقبلية تحتاج إلى سنوات للتطوير، بل ببراميل نفط تتدفق فعلياً إلى السوق الآن"، وفق خافيير بلاس الذي أشار إلى أن هذا الواقع يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب رافعة اقتصادية وجيوسياسية لم يمتلكها أي رئيس أميركي منذ عهد فرانكلين روزفلت في أربعينيات القرن الماضي. وأشار إلى أن تداعيات الوصول غير المقيد إلى احتياطيات فنزويلا، الكبرى في العالم، كانت واضحة فوراً لخصوم واشنطن، لافتاً إلى أن شخصيات روسية بارزة رأت أن هذا التطور يمنح الولايات المتحدة القدرة على إبقاء أسعار النفط قرب 50 دولاراً للبرميل، وبالتالي امتلاك يد رابحة ضد أي طرف يحاول رفع الأسعار عبر خفض الإمدادات.

فنزويلا… الجائزة الكبرى

ويرى بلاس أن فنزويلا تمثل الجائزة الكبرى في الاستراتيجية الأميركية الجديدة، ليس بسبب إنتاجها الحالي البالغ نحو مليون برميل يومياً، بل بسبب قدرتها الكامنة على العودة إلى مستويات إنتاج تاريخية تجاوزت 3.7 ملايين برميل يومياً في ذروة السبعينيات. وأوضح أن الجيولوجيا موجودة، وكل ما تحتاج إليه فنزويلا هو رأس المال والوقت والجهد، مشيراً إلى أن خططاً سابقة كانت تستهدف رفع الإنتاج إلى 5 ثم 6.5 ملايين برميل يومياً، قبل أن يجهضها وصول هوغو تشافيز ثم نيكولاس مادورو إلى السلطة. لكنّه شدد في الوقت نفسه على أن تحقيق هذه المستويات لن يكون قريباً، ولا مرجّحاً خلال خمس سنوات، مضيفاً: "العالم لا يحتاج إلى النفط الفنزويلي اليوم أو غداً، بل سيحتاج إليه في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي".

وخلال تداولات أمس الاثنين، تذبذبت أسعار النفط مع موازنة المتداولين لتداعيات اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على إمدادات الخام العالمية، وتأثير ذلك على قطاع الطاقة في البلاد على نطاق أوسع. وتراجع خام برنت بما يصل إلى 1.2% عند الافتتاح قبل أن يقلّص خسائره ليُتداول قرب 61 دولاراً للبرميل، فيما استقر خام غرب تكساس الوسيط قرب 57 دولاراً. وعلى الرغم من الاضطرابات التي شهدتها فنزويلا خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإن الدولة العضو في "أوبك" لا تمثل سوى جزء ضئيل من الإمدادات العالمية، بينما يواجه السوق بالفعل فائضاً متزايداً في المعروض، وفق "بلومبيرغ".

وقال كبير الاقتصاديين في شركة "كابيتال إيكونوميكس"، نيل شيرينغ، إن سوق النفط أصبحت أقل تأثراً بأي اضطراب محدود في الإمدادات، موضحاً أن أي انقطاع قصير الأجل في الإنتاج يمكن تعويضه بسهولة من خلال زيادة الإنتاج في مناطق أخرى، ولا سيما في الأميركتين. وأوضح شيرينغ أن فائض المعروض العالمي، إلى جانب المرونة العالية للإنتاج الأميركي، يفرضان سقفاً واقعياً على أسعار النفط، متوقعاً أن تبقّى الأسعار خلال الفترات المقبلة قريبة من مستوى 50 دولاراً للبرميل، ما لم تطرأ صدمات كبيرة وممتدة في جانب العرض. وأول من أمس الأحد، تمسك تحالف "أوبك+" النفطي بخططه لتعليق زيادات الإمدادات خلال الربع الأول من العام الجاري. ووفقاً لمندوبين، لم يناقش التحالف (الذي يقوده السعودية وروسيا) فنزويلا خلال مؤتمر الفيديو الذي استغرق 10 دقائق فقط، مضيفين أنه من المبكر تقييم كيفية الاستجابة للتطورات الجارية.

هل يفقد تحالف أوبك+ أداة التأثير التقليدية؟

يرى الزميل البارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كلايتون سيغل، أن قدرة تحالف أوبك+ على التأثير في الأسعار من خلال خفض الإنتاج تراجعت بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية، موضحاً أن أي قرار بخفض الإمدادات لا يؤدي بالضرورة إلى دعم مستدام للأسعار كما كان يحدث سابقاً. ويعزو سيغل ذلك إلى التحولات الهيكلية في سوق النفط العالمية، وفي مقدمتها المرونة العالية للإنتاج الأميركي، الذي بات قادراً على الاستجابة السريعة لأي ارتفاع في الأسعار عبر زيادة الإنتاج خلال فترات زمنية قصيرة.

ويؤكد سيغل أن كل خفض تنفذه دول أوبك+ يفتح عملياً المجال أمام المنتجين الأميركيين لزيادة حصصهم السوقية بسرعة، مستفيدين من البنية التحتية المتطورة، وسهولة التمويل، والتكنولوجيا المتقدمة في استخراج النفط. وبهذا المعنى، لم يعد خفض الإنتاج أداة ضغط فعالة بالقدر نفسه، بل تحول في كثير من الأحيان إلى فرصة لمنافسين خارج التحالف لتعزيز حضورهم في السوق العالمية، ما يقلص الأثر الصافي لأي قرار جماعي تتخذه دول أوبك+، وفق سيغل.

ويضع هذا الواقع دول التحالف أمام معادلة شديدة التعقيد، تتمثل في الاختيار بين خيارين أحلاهما مر: إما الدفاع عن الأسعار عبر خفض الإنتاج، مع المخاطرة بفقدان مزيد من الحصص السوقية لصالح المنتجين الأكثر مرونة، أو الحفاظ على مستويات الإنتاج لحماية الحصة السوقية، ولو كان ذلك على حساب بقاء الأسعار تحت الضغط. وفي الحالتين، يبدو أوبك+ أمام مرحلة جديدة تتطلب أدوات مختلفة للتأثير، في سوق لم تعد تدار فقط عبر قرارات الخفض، بل عبر موازين قوة إنتاجية واستثمارية تتجاوز حدود التحالف نفسه. وبالنسبة لروسيا، التي تحتاج إلى أسعار نفط مرتفعة لتمويل موازنتها وكلفة الحرب على أوكرانيا، فإن بقاء الأسعار تحت الضغط يقلّص هامش المناورة المالية. وقد أقر كيريل دميترييف؛ المبعوث الروسي لشؤون الاستثمار، بأن السيطرة الأميركية على موارد نصف الكرة الغربي تمنح واشنطن نفوذاً واسعاً على سوق الطاقة العالمي.

دور الشركات الأميركية

وتلعب شركات النفط الأميركية دوراً محورياً في التحول الجاري داخل قطاع الطاقة الفنزويلي، بوصفها أداة اقتصادية رئيسية لإعادة دمج البلاد تدريجياً في منظومة الإنتاج والأسواق العالمية. ووفق تصريحات وبيانات رسمية صادرة عن مسؤولين تنفيذيين، تواصل شركة شيفرون العمل داخل فنزويلا بموجب تراخيص خاصة تتيح لها الاستمرار رغم القيود المفروضة، وتسهم حالياً بنحو ربع الإنتاج النفطي المحلي، ما يجعلها الفاعل الخارجي الأبرز في القطاع خلال المرحلة الراهنة. ويعكس هذا الحضور وزن الشركة ليس فقط كمستثمر، بل كطرف قادر على الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الإنتاج والبنية التشغيلية في بيئة شديدة التعقيد.

في المقابل، تشير إفصاحات سابقة لكل من إكسون موبيل وكونوكو فيليبس إلى أن الشركتين لا تستبعدان العودة إلى الاستثمار في فنزويلا مستقبلاً، لكن ذلك يبقى مشروطاً بتوافر بيئة سياسية مستقرة وإطار قانوني واضح يضمن حماية الاستثمارات وحقوق الشركات. وتكشف هذه المواقف، بحسب خبراء، عن تحوّل واضح في مقاربة الشركات الأميركية تجاه فنزويلا، من مرحلة الصدام المباشر والتأميم القسري التي سادت خلال العقدين الماضيين إلى نموذج أكثر براغماتية يقوم على إدارة الموارد عبر شراكات محكومة باعتبارات أمنية واقتصادية، تتقاطع فيها مصالح الشركات مع الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من الهجمات الأميركية يوم السبت الماضي، فإن البنية التحتية النفطية الفنزويلية (بما في ذلك ميناء خوسيه ومصفاة أمواي والمناطق الرئيسية لإنتاج النفط في حزام أورينوكو) لم تتأثر، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر. وبحسب تقديرات مدير برنامج سياسة الطاقة في أميركا اللاتينية بمعهد بيكر للسياسات العامة في جامعة رايس، فرانسيسكو مونالدي، فإن إعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي تتطلب استثمارات لا تقل عن عشرة مليارات دولار سنوياً لمدة عشر سنوات.