إيجارات إدلب تعيد النازحين السوريين إلى الخيام
استمع إلى الملخص
- تعاني العائلات مثل عائلة أحلام الحسن من ضغوط مالية هائلة بسبب ارتفاع الإيجارات دون تحسين في الخدمات، مما يجعل السكن عبئاً ثقيلاً.
- يساهم غياب الضبط القانوني وتدهور الليرة السورية في تفاقم الأزمة، حيث يستغل أصحاب العقارات الطلب المرتفع، مما يخلق حالة من الفوضى ويجعل الأزمة مأساة إنسانية.
تشهد محافظة إدلب، شمال غرب سورية، أزمة متفاقمة في قطاع السكن، وسط ارتفاع غير مسبوق في أسعار إيجارات المنازل، مما فاقم معاناة آلاف العائلات النازحة والمقيمة. حيث تحولت البيوت من ملاذ آمن إلى عبء ثقيل، في ظل غياب الضوابط القانونية والرقابة الرسمية، ما يفاقم الصعوبات المعيشية للكثيرين وسط تدهور الوضع الاقتصادي.
ويجد كثيرون أنفسهم اليوم بين الإيجارات المرتفعة والنزوح المستمر، ويضطر البعض إلى تقاسم المنزل مع أكثر من عائلة، بينما يعود آخرون إلى الخيام أو مساكن مدمرة، فقط لأنهم لم يعودوا قادرين على دفع تكاليف السكن، وفي مدينة تمزج فيها البيوت بين البقاء المؤقت والقلق الدائم، تسكن آلاف العائلات على حافة الانهيار النفسي والمعيشي.
"أعيش في غرفة وأحمل على ظهري سقفاً من الديون".. هكذا تصف أحلام الحسن ظروفها في حديث لـ"العربي الجديد"، حيث تعيش في منزل صغير بأحد أحياء إدلب الشرقية. تقول أحلام بينما تجلس على كرسي بلاستيكي متهالك، وتقلب دفتر ديونها: "أحاول منذ خمس سنوات أن أصنع حياة جديدة بعد تهجيرنا من معرة النعمان، لكن صعوبة العيش تتواصل، وما لم نستطع احتماله اليوم هو ورقة صغيرة ألصقها صاحب المنزل على بابنا مفادها الدفع الجديد 200 دولار أو الإخلاء". وتتساءل أحلام "ما الذي تغير، الكهرباء لا تأتي، الماء نشتريه بالدولار، والحائط فيه تشققات، هل زاد الإيجار لأننا لا نملك مكاناً نذهب إليه، منزلي في المعرة مهدم ولا أستطيع العودة".
تعيش أحلام، كغيرها من آلاف العائلات النازحة، في شقة متواضعة لا تتجاوز 60 متراً مربعاً، دفعت عنها بداية العام 100 دولار شهرياً. وقبل أيام، قرر المؤجر رفع السعر إلى الضعف، دون سابق إنذار أو تحسين في الأجور أو الخدمات.
في السوق العقاري في مدينة إدلب، باتت أسعار الإيجارات خيالية مقارنة بالوضع المعيشي المتدهور. حيث شهدت الإيجارات ارتفاعاً تدريجياً منذ بداية العام، لتتضاعف في بعض الأحياء الراقية أو القريبة من مراكز الخدمات.
عامر الحلبي، وهو أب لثلاثة أطفال ويعمل في مهنة النجارة، تنقل في أربعة منازل خلال عام واحد بسبب الإيجارات المتزايدة، يقول لـ"العربي الجديد": "المالكون يطلبون منا أن ندفع كما لو أننا نقيم في باريس. نحن نبحث فقط عن جدران تؤوينا". ويشير إلى منازل تفتقر إلى أدنى معايير السكن، بلا شبابيك (نوافذ) أو صرف صحي، لكنها تعرض للإيجار بـ150 إلى 200 دولار شهرياً.
من جهته يقر خلدون بدلة، سمسار عقاري وسط إدلب، بأن هناك موجة من المضاربات في سوق الإيجارات، ويقول لـ"العربي الجديد": "الطلب على السكن مرتفع جداً، خصوصاً بعد عودة آلاف المهجرين من تركيا ومناطق أخرى وأصحاب العقارات استغلوا ذلك". ويضيف: "بعض المالكين يرفضون تأجير السوريين المقيمين ويحتفظون بالشقق للوافدين من الخارج، لأنهم يدفعون بالدولار مباشرة، وهذا رفع الأسعار أكثر".
ويرى الخبير الاقتصادي، ياسر الحسين، أن المشكلة أعمق من مجرد عرض وطلب، ويقول "غياب الضبط القانوني، وتدهور الليرة السورية، وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار كلها عوامل ساهمت في ارتفاع الأسعار، لكن ما زاد الطين بلة هو غياب التشريعات التي توازن بين حقوق المؤجر والمستأجر".
ويؤكد لـ"العربي الجديد" أنه "لا توجد عقود موحدة، ولا تسعيرة محددة، ولا جهة رقابية فعالة، السوق يعمل على قاعدة الفوضى، ومن يملك المنزل يملك السلطة". ويضيف أن "أزمة الإيجارات في إدلب ليست مجرد صراع اقتصادي، بل مأساة إنسانية تمس العائلة والأمان والكرامة، وبين تعنت المالكين، وعجز المنظمات، وصمت السلطات، يبدو أن آلاف العائلات سوف تواصل التنقل بين مساكن مؤقتة وأحلام دائمة بالاستقرار".