استهداف السفن السعودية... هجمات الحوثيين تشعل البحر الأحمر
- التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية: باب المندب ممر حيوي للتجارة العالمية، والتصعيد يؤثر على سلاسل الإمداد والاقتصاديات الإقليمية، مع استخدام إيران للحوثيين كورقة ضغط.
- ردود الفعل الإقليمية والدولية: ارتفعت أسعار النفط، وقد تتدخل السعودية والإمارات لدعم الشرعية في اليمن، بينما تسعى القوى الدولية للضغط على إيران لاحتواء الأزمة.
تشهد حركة الملاحة في باب المندب تطورات متسارعة منذ إعلان المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع عن تنفيذ عملية عسكرية وصفها بالنوعية استهدفت سفينتي نفط سعوديتين، قال إنهما خالفتا قرار الحظر الصادر عن القوات المسلحة في البحر الأحمر، إحداهما تحمل اسمَ "إنسيليا" (ENCELIA) والأخرى اسم "ليلة" (LAYLA) في إطار محاولة فرض ما تسميه الجماعة معادلة "الحصار بالحصار" التي تستهدف فرض حظر على الملاحة السعودية في باب المندب. كما أجبرت عملية الحظر التي تفرضها الجماعة ما يقارب عشر سفن على التراجع والعودة، فيما أكدت وزارة النقل السعودية تعرض سفينة (ENCELIA) التابعة لإحدى الشركات السعودية لاستهداف أثناء إبحارها في البحر الأحمر، نتج عنه حريق في مقدمة السفينة، ولم يصب أي من أفراد طاقمها بأذى، وجرى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمينها وحماية البيئة البحرية.
وتوضح بيانات تتبّع حركة السفن تراجع حركة الملاحة البحرية عبر باب المندب، بسبب تهديدات الحوثيين، واستهدافهم السفن السعودية، حيث تظهر البيانات الملاحية أن خمس ناقلات نفط غيّرت مسارها في البحر الأحمر لتجنب مضيق باب المندب يوم الأربعاء الماضي، فيما عادت ثلاث ناقلات محملة بالنفط متجهة إلى الصين والهند أدراجها من باب المندب قبل ذلك بيوم. وفي المقابل، واصلت ناقلتان صينيتان عملاقتان تحملان نحو أربعة ملايين برميل من النفط السعودي الإبحار باتجاه باب المندب، رغم استهداف ناقلة سعودية في المنطقة، وتشير بيانات الشحن إلى أنهما أبحرتا قبل إعلان الحوثيين فرض حظر على الملاحة السعودية.
ارتباك في خطوط الشحن
وفي آخر تحديثات الشحن من الصين إلى اليمن، يفيد المتخصص في الشحن التجاري، سامي شمسان، "العربي الجديد"، بأن هناك اضطراباً وتراجعاً ملحوظاً بسبب ما يحصل، مع ارتفاع تكاليف الشحن إلى أكثر من 10 آلاف دولار. كما يكشف عن إلغاء شركة "إس أل جي" (SLG) الرحلة المقررة بتاريخ 27 يوليو/ تموز الحالي 2026 (الاثنين المقبل)، إلى ميناء عدن لتدمجها مع رحلة 3 أغسطس/ آب، وذلك بسبب قيام الشركة بتعديل وجهات سفنها في موانئ المنطقة، وتقليص الموانئ التي تصل إليها في منطقة البحر الأحمر. في المقابل، نقلت وكالة رويترز أنّ بيانات مجموعة بورصات لندن وشركة كبلر لتحليل البيانات تظهر أن حركة الشحن عبر مضيق باب المندب تراجعت بسبب الصراع في الشرق الأوسط، وظلت الحركة عبر مضيق هرمز ضعيفة أول من أمس الأربعاء.
ووفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن، عبرت 27 سفينة -من بينها خمس ناقلات نفط وناقلة غاز بترول مسال- مضيق باب المندب أول من أمس الأربعاء، بانخفاض عن 38 سفينة في اليوم السابق. وأشارت بيانات كبلر إلى أن ثلاث سفن عبرت مضيق هرمز أول من أمس الأربعاء، بانخفاض عن أربع سفن في اليوم السابق. وأظهرت بيانات كبلر أيضاً أن سفينتين دخلتا مضيق هرمز قادمتين من خليج عمان، بما في ذلك ناقلة تحمل منتجات نفطية غير نقية أبحرت عبر المياه الإيرانية، وسفينة شحن جاف تعمل في "الوضع المظلم"، الذي يعني إيقاف تشغيل إشارة التتبع الخاصة بها. ووفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن بلغ عدد الناقلات المحملة في الخليج، حتى 20 يوليو، 253 ناقلة، منها 102 ناقلة نفط، و64 ناقلة غاز طبيعي مسال، و66 ناقلة غاز بترول مسال.
إلى ذلك، يرى خبراء اقتصاد ومختصون في الملاحة البحرية أن البحر الأحمر وباب المندب يشهد تصعيداً غير مسبوق، وقد يكون الأخطر منذ عام 2023، إذ يعتبر باب المندب مفصلاً رئيسياً في سلاسل الإمداد العالمية، إذ يربط بين قناة السويس والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية، ما يجعله ممراً حاسماً لتدفق البضائع والطاقة بين آسيا وأوروبا، ويعد أحد أهم الأصول الاستراتيجية لليمن، حيث تمرّ عملياً أي سفينة بين الصين وأوروبا منه، وهذا ما يجعله مؤثراً في نحو 12 - 15% من التجارة العالمية.
حسابات التصعيد في البحر الأحمر
يقول الخبير الاقتصادي اليمني، محمد علي قحطان، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنه خلال الفترة الماضية كان أمام إيران مجال للمناورة، إلا أن هذا المجال ضاق مع عودة الأميركيين لحصار إيران والضرب العسكري المستمر، بالإضافة إلى أن السعودية وبعض دول الخليج استطاعوا إيجاد طرق جديدة لتسويق النفط عبر مياه البحر الأحمر لدول أوروبا من خلال قناة السويس، ولدول شرق آسيا عبر مضيق باب المندب. كل ذلك استدعى أن تحرك إيران ورقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب باستخدام الحوثيين. ويوضح قحطان، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، أنه في حال نجحت إيران بغلق مضيق باب المندب وخلق اضطراب في منطقة البحر الأحمر ومياه الخليج العربي، سيكون لذلك بالغ الأثر في الاقتصاد العالمي، فضلاً عن إلحاق أضرار بالغة باقتصاديات دول المنطقة ومنها اليمن، الذي يعيش أوضاعاً إنسانية غاية في السوء واقتصاده في حالة انهيار. كما يرى أن الأميركيين، ومعهم الأوروبيون، سوف يجبرون الإيرانيين على التراجع وإلا سيُضربون حتى يفقدوا قوتهم العسكرية.
وبالنسبة لليمن يقول قحطان إن أي تحرك منه مرهون بتحرك جاد للقوى التابعة للشرعية، فيما القوى التابعة للشرعية مرهونة لإرادة السعودية، وتأثير الإمارات. وبرأيه فإن السعودية والإمارات في حالة استمرار الحوثيين بتهديد مياه البحر الأحمر ومضيق باب المندب والخليج العربي ستكونان مجبرتين على دعم قوى الشرعية للتحرك بمسار عسكري ينهي تهديد الحوثيين، وبالتالي إفقاد إيران ورقة الحوثيين، وتغيير الوضع نحو استعادة الدولة اليمنية، ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني.
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي، محمد الكسادي، لـ"العربي الجديد"، أن المشهد السياسي والإقليمي تغير بمقدار 180 درجة منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير/ شباط 2026، والهدنات التي أعقبتها وعملية نقضها. ويعتبر الكسادي أن الحوثيين أصبحوا ورقة أمر واقع تعجز دول الخليج والمنطقة حتى الآن عن التعامل معها، مشيراً إلى أن تهديدات الحرس الثوري الإيراني بإغلاق باب المندب تعكس أن هناك قوة على الأرض تستطيع تنفيذ مثل هذا القرار، وهو ما نلاحظه الآن في استهداف ومنع السفن من العبور.
وعكست أسواق النفط تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات البحرية، إذ ارتفعت الأسعار، أمس الخميس، إلى أعلى مستوياتها في أكثر من ستة أسابيع. وصعد خام برنت بأكثر من 2% إلى 96 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 1.7% إلى 88.27 دولاراً، مع تنامي القلق بشأن أمن الإمدادات من المنطقة. وزادت حدة المخاوف بعد إعلان الحوثيين استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، وتهديدهم بفرض حصار بحري على صادرات المملكة عبر البحر الأحمر، في وقت تحدث فيه الحرس الثوري الإيراني عن مخاطر تهدد الملاحة قرب مضيق هرمز.