استمع إلى الملخص
- الأزمة السياسية والاقتصادية: الإغلاق هو الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، مع خسائر مالية تقدر بـ 15 مليار دولار أسبوعيًا، نتيجة الانقسام السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين حول تمويل الحكومة.
- التداعيات الإنسانية والاجتماعية: الإغلاق أثر اقتصاديًا على ولايات مثل كاليفورنيا وتكساس، مع زيادة البطالة، وانتقادات للرئيس ترامب بسبب "ساعة الإغلاق الحكومي".
تُخيِّم غيوم الإغلاق الحكومي الذي بدأ في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على المطارات الأميركية، مهدِّدةً بتحويل موسم السفر والسياحة الأكثر ازدحاماً إلى كابوس يفسد خطط عطلات الملايين حول العالم، سواء من السياح الأجانب أو السياحة الداخلية.
تجلى ذلك بوضوح في إعلان الحكومة الأميركية يوم الأربعاء أنّها ستطلب من شركات الطيران إلغاء رحلات اعتباراً من اليوم الجمعة "لتخفيف الضغط" على مراقبة الحركة الجوية التي تواجه غياباً متزايداً لموظفيها بسبب "الإغلاق". بل خرج علينا وزير النقل الأميركي، شون دافي، قائلاً: "سنعمل على خفض عدد الرحلات الجوية بنسبة 10% في 40 من أكثر المطارات ازدحاماً اعتباراً من صباح الجمعة، في خطوة استباقية تهدف إلى التعامل مع تداعيات الإغلاق الحكومي.
والسبب أن هناك نقصاً بنحو 2000 مراقب جوي". ومع استمرار أزمة الإغلاق الحكومي الذي دخل يومه الـ37، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجّل خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، يعمل أكثر من ستين ألف مراقب جوِّيّ وموظّف أمني دون أجر، فيما تحذِّر الإدارة الأميركية والكونغرس من أنّ موجة الغياب المتصاعدة قد تشعل الفوضى في المطارات وصالات السفر. تأتي هذه التحذيرات في توقيت بالغ الحساسية؛ فالأمّة على أعتاب ذروة موسم السفر الذي يجمع بين العطلات العائلية وحماسة منافسات كرة القدم، حيث ينتقل مئات الآلاف لمشاهدة فرقهم المفضَّلة.
لكن شبح التأخيرات والاضطرابات يلوح في الأفق، ما يهدِّد بحرمان الأميركيين لحظات التواصل التي ينتظرونها. وهنا يطفو سؤال مصيري: هل سيكرِّر التاريخ نفسه؟ ففي عام 2019، كانت احتجاجات عمّال الطيران، من خلال الإجازات المرضية التي أوقفت الحركة، هي المسمار الأخير في نعش أطول إغلاق حكومي شهدته البلاد. فهل ستكون الفوضى الجوِّية القادمة المفتاح الذي يُعيد فتح أبواب الحكومة المغلقة؟
دخل الإغلاق الحكومي في الولايات المتّحدة أسبوعه السادس، محقِّقاً بذلك مرتبة تاريخية بكونه أطول إغلاق حكومي في تاريخ البلاد (37 يوماً حتى الآن)، في مشهدٍ يكرِّس انقساماً سياسياً عميقاً ويُرجئ أي بصيص أملٍ للحلّ في الأفق القريب. وتنجم عنه خسائر مالية قدّرتها إدارة ترامب بنحو 15 مليار دولار أسبوعياً، كذلك بدأت تداعيات الإغلاق تتجاوز حدود الشلل داخل الإدارات الفيدرالية، لتتحول إلى أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة، يصاحبها إجبار مئات آلاف الموظفين على مواصلة عملهم دون تقاضي أجر إلى حين انتهاء الأزمة.
وبسجلٍّ نادر، بات الرئيس ترامب يحتفظ بلقب صاحب أطول إغلاقين في التاريخ الأميركي، حيث سبق أن استمرّ الإغلاق الأسبق، الذي انطلق خلال ولايته الأولى، وتحديداً في ديسمبر/ كانون الأول 2018، لـ35 يوماً، شُلَّت خلالها مؤسّسات الدولة، وتمثَّلت شرارته الأولى برفض تمويل الجدار الحدودي المثير للجدل، وهو المطلب الذي حوَّله ترامب إلى شرطٍ غير قابل للمساومة.
لكن لم تفلح مبادرات ترامب اللاحقة، التي حاول فيها مقايضة حماية بعض المهاجرين غير الشرعيين من الترحيل بالحصول على تمويل الجدار، وقُوبلت مقترحاته برفضٍ قاطع من زعيمة الديمقراطيين ورئيسة مجلس النواب آنذاك نانسي بيلوسي، التي وصفتها بـ"غير المقبولة" و"غير القابلة للتنفيذ"، مُشدِّدة على أولوية توفير مسارٍ للجنسية.
غير أنّ رياح التغيير هبَّت من حيث لم يحتسب ترامب، فبفعل الضغط الشعبي والسياسي المتعاظم جرّاء الإضراب غير المسبوق في قطاع الطيران الحيويّ احتجاجاً على عدم صرف الرواتب، اضطرّ البيت الأبيض إلى التراجع، ووافق في 25 يناير/ كانون الثاني 2019 على فتح الحكومة مؤقَّتاً لمدّة ثلاثة أسابيع، لتنتهي الأزمة دون أن يحصل الرئيس على مبتغاه، تاركاً وراءه سؤالاً عن إمكانية تكرار هذا السيناريو من جديد.
بينما نتج الإغلاق الحالي من رفض الديمقراطيين في مجلس الشيوخ التصويت على مشروع قانون تمويل حكومي قصير الأجل برعاية الجمهوريين، مشترطين ربطه بتمديد الإعانات الضريبية الموسَّعة لشراء التأمين الصحي، وهي خطوة قد تضيف نحو 1.5 تريليون دولار إلى الإنفاق العام خلال العقد المقبل.
في المقابل، يرفض الجمهوريون هذه المعادلة جملة وتفصيلاً، معتبرين أنّ نظام "أوباما كير" المعروف بـ (Affordable Care Act) يعاني من مشاكل هيكلية تستوجب إصلاحاً جوهرياً وليس مجرّد تمويل مؤقَّت. في خضمّ هذا الصراع، يدفع أكثر من 500 ألف موظّف فيدرالي ثمناً باهظاً لعدم حصولهم على رواتبهم كاملة في 24 أكتوبر.
كذلك تلوح في الأفق تبعات أقسى، مع تحذير عدّة ولايات من تعليق استحقاقات برنامج المساعدة الغذائية التكميلية (SNAP) اعتباراً من 1 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، في صورة تعكس بوضوح كيف تتحوَّل المعارك السياسية فوق الكابيتول هيل إلى أزماتٍ إنسانية في الشارع الأميركي.
في تطوُّر جديد يُعمِّق أزمة الإغلاق الحكومي، فشل مجلس الشيوخ الأميركي للمرّة الثانية عشرة في إقرار مشروع القانون المؤقَّت الذي كان من شأنه إعادة فتح الحكومة واستئناف التمويل بمستوياته الحالية حتى 21 نوفمبر/ تشرين الثاني، وذلك بعد تصويتٍ جاء بنتيجة 54 صوتاً مقابل 46 على أسس حزبية، ما يعني عدم تخطِّيه حاجز الـ60 صوتاً اللازمة لإقرار المشروع.
في إطار تبادل الاتِهامات، حمَّل الجمهوريون الديمقراطيين مسؤولية احتجاز الحكومة "رهينة" لمطالبهم الخاصّة بقضايا الرعاية الصحية. فيما سبق أن عرقل الديمقراطيون بدورهم مشروعاً جمهورياً لصرف رواتب العاملين الأساسيين خلال فترة الإغلاق، مؤكِّدين ضرورة إدراج الموظّفين الفيدراليين المُسرَّحين أيضاً.
في مناورةٍ تكتيكيةٍ بائسة، يُحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب تلميع صورته وغسل يديه الملطّختين بأزمة الإغلاق الحكومي التي أوقعت ملايين الأميركيين في دوامة من عدم اليقين المالي؛ إذ أطلق البيت الأبيض "ساعة الإغلاق الحكومي" على موقعه الرسمي "Government Shutdown Clock"، محوِّلاً بذلك مأساة الشعب إلى لوحة إحصائية باردة تعلن الخسائر الأسبوعية في الناتج المحلي لكل ولاية وتأثيرها في العمالة الفيدرالية.
ففي ولاية كاليفورنيا، ينهار الناتج المحلي بمقدار 2.1 مليار دولار أسبوعياً، بينما يُلقَى 5100 عامل في بحر البطالة، كذلك تتسرَّب 1.4 مليار دولار من اقتصاد تكساس كل أسبوع، ويضاف 4100 عاطل إلى قوائم الانتظار فيها. وتشهد نيويورك أيضاً انكماشاً قيمته 1.2 مليار دولار أسبوعياً مع ذهاب 2600 وظيفة إلى غير رجعة. فلوريدا بدورها لم تنجُ من بركان الأزمة، فخسائرها تصل إلى 911 مليون دولار أسبوعياً وعدد العاطلين فيها يزداد بـ2900 فرد؛ حتى واشنطن، قلب السلطة، لم تسلم من العاصفة، فاقتصادها يخسر 445 مليون دولار أسبوعياً، ويضيف 1000 حالة جديدة إلى رصيد البطالة الكارثي.
من خلال ساعة الإغلاق الحكومي الرقمية التي لم يخجل البيت الأبيض من تفعيلها، يحوِّل ترامب الأزمة الخانقة إلى حملة دعائية مخزية، كاشفاً بذلك مرّة أخرى عن الفجوة الهائلة بين الخطاب السياسي والواقع الملموس للشعب الأميركي.
خلاصة القول، هذه الوظائف التي تتبخَّر أسبوعياً ليست مجرَّد أرقام عابرة، بل هي قصص إنسانية محفورة على جدران العجز السياسي، وشهادات حيّة على فشل ترامب في لحظات الاختبار الحقيقية. إنّها الثمن الذي يدفعه المواطنون الأميركيون، من صحّتهم وقوت يومهم، في معركة سياسية عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.