الاقتصاد الأميركي يسجّل أسرع وتيرة نمو منذ عامين... توسّع قوي رغم التضخم والرسوم
استمع إلى الملخص
- ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي بنسبة 2.9%، مما يعكس الضغوط التضخمية. استمر الإنفاق الاستهلاكي في النمو رغم تراجع ثقة المستهلكين، مدعوماً بزيادة الإنفاق على الخدمات، مع تحديات مثل تباطؤ سوق العمل.
- زادت استثمارات الشركات بنسبة 2.8%، مع نمو في استثمارات الذكاء الاصطناعي. ساهم صافي الصادرات إيجابياً في النمو، وارتفعت أرباح الشركات بنسبة 4.2%، رغم التحديات المستمرة.
سجّل الاقتصاد الأميركي أداءً لافتاً في الربع الثالث من العام، محققاً أسرع وتيرة نمو له منذ عامين، في وقت تتقاطع مؤشرات القوة مع مخاوف التضخم، وتقلبات التجارة، وتأثيرات الإغلاق الحكومي. وبينما تعكس الأرقام زخماً واضحاً في إنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات، فإنها تفتح في الوقت نفسه نقاشاً واسعاً حول مسار السياسة النقدية والآفاق الاقتصادية في 2026.
وأظهرت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي (BEA)، بحسب شبكة بلومبيرغ، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، المعدّل بحسب التضخم، ارتفع بوتيرة سنوية بلغت 4.3% في الربع الثالث، وهي نسبة فاقت جميع التوقعات تقريباً في استطلاع بلومبيرغ، باستثناء توقع واحد فقط، وجاءت أعلى من نمو الربع السابق البالغ 3.8%. وكان من المفترض أن يُنشر التقدير الأولي للنمو في 30 أكتوبر/ تشرين الأول، إلا أن الإغلاق الحكومي حال دون ذلك، ما دفع المكتب إلى الاكتفاء بإصدار تقديرين فقط بدلاً من ثلاثة، في سابقة مرتبطة بأطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة.
التقرير المتأخر يعكس محافظة الاقتصاد الأميركي على زخمه خلال منتصف العام، مدفوعاً بإنفاق استهلاكي متين ونشاط ملحوظ في استثمارات الشركات، إلى جانب تراجع حدّة الرسوم الجمركية الأكثر تشدداً التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب سابقاً. ورغم أن الإغلاق الحكومي يُتوقّع أن يضغط على نمو الربع الرابع، فإن اقتصاديين يرجّحون تعافياً متواضعاً في 2026، مدفوعاً باسترداد الضرائب للأسر، واحتمال صدور حكم عن المحكمة العليا قد يُسقط الرسوم الجمركية الشاملة.
وتنسجم توقعات الاحتياطي الفيدرالي مع هذا السيناريو، إذ أشار رئيسه جيروم باول إلى أن السياسة المالية الداعمة، والاستثمارات الضخمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، واستمرار الاستهلاك الأسري، عوامل تبرر توقعات نمو أسرع في العام المقبل. في المقابل، يتوقع صناع السياسات خفضاً واحداً فقط للفائدة في 2026، بعد ثلاثة تخفيضات متتالية بنهاية هذا العام، في ظل استمرار الضغوط التضخمية.
وأظهر التقرير أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي، باستثناء الغذاء والطاقة، ارتفع بنسبة 2.9% في الربع الثالث، متجاوزاً هدف البنك المركزي البالغ 2%. وإن مكتب التحليل الاقتصادي لم يحدد بعد موعداً جديداً لنشر بيانات أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني الشهرية لهذا المؤشر.
ورغم تسجيل تراجع ثقة المستهلكين للشهر الخامس على التوالي في ديسمبر/كانون الأول، في أطول سلسلة انخفاض منذ 2008، فإن الإنفاق الاستهلاكي واصل لعب دوره كمحرّك أساسي للنمو، مسجّلاً ارتفاعاً بنسبة 3.5% على أساس سنوي في الربع الثالث. وجاء هذا الأداء مدعوماً بإنفاق قوي على الخدمات، لا سيما الرعاية الصحية والسفر الدولي، في حين تراجع الإنفاق على المركبات.
في المقابل، يواجه المستهلك الأميركي تحديات متزايدة مع تباطؤ سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما عمّق الفجوة في أنماط الإنفاق بين فئات الدخل المختلفة، وهي معادلة قد تلقي بظلالها على الأداء الاقتصادي في 2026. هذا وارتفعت استثمارات الشركات 2.8%، مدفوعة بزيادة ملحوظة في الإنفاق على معدات الحواسيب. كما سجّلت الاستثمارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مستوى قياسياً جديدًا، ما يعكس الدور المتنامي للتكنولوجيا في دعم النمو. ورغم أن طلبات معدات الأعمال تراجعت في أكتوبر بأكثر من المتوقع، فإن شحنات السلع الرأسمالية غير الدفاعية، بما فيها الطائرات، جاءت أقوى من التقديرات، مشيرة إلى زخم نسبي مع دخول الربع الرابع.
وقد أسهم صافي الصادرات بنحو 1.6 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي، بعد تقلبات حادة خلال النصف الأول من العام. في المقابل، شكّلت المخزونات والاستثمار السكني عامل ضغط على النمو خلال الربع الثالث. ونظراً لتشوه أرقام الناتج بسبب تقلبات التجارة والمخزونات، يولي الاقتصاديون اهتماماً متزايداً بمؤشر المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص، الذي ارتفع 3%، مسجلاً أعلى مستوى له في عام. كما أظهر مقياس آخر، هو الدخل المحلي الإجمالي (GDI)، نمواً بنسبة 2.4%، بعد مراجعة صعودية للربع الثاني بلغت 2.6%، ما يعكس تحسناً في الدخل المتولد من النشاط الاقتصادي.
كذلك، ارتفعت أرباح الشركات بنسبة 4.2% في الربع الثالث، وهو أعلى مستوى هذا العام، فيما بقيت هوامش أرباح الشركات غير المالية، بعد الضريبة، أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة. وفي تعليق سياسي لافت، نسب الرئيس ترامب، في منشور على منصة "تروث سوشال"، الأرقام الاقتصادية القوية إلى الرسوم الجمركية التي فرضها.
وعلى أساس سنوي، بلغ نمو الاقتصاد 2.3% فقط، متأثراً بالرسوم الجمركية ووطأة التضخم، ما يعكس صورة أكثر توازناً من أرقام الربع الواحد. ومن المقرر صدور التقدير النهائي لنمو الربع الثالث في 22 يناير/كانون الثاني، في حين لم يحدد مكتب التحليل الاقتصادي موعداً جديداً لتقديرات الربع الرابع والنمو السنوي لعام 2025، مشيراً إلى عدم توافر بيانات كافية حتى الآن.