البنك الدولي يعود إلى السودان وسط مخاوف معيشية

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:09 (توقيت القدس)
سوق في الخرطوم، السودان، 13 يونيو 2019 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استأنف البنك الدولي نشاطه في السودان بعد تعليق منذ 2021، معلنًا عن تمويل مشروعات بقيمة 700 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات، بعد تعليق العمليات بسبب الأوضاع السياسية.
- السودان استفاد من تخفيف الديون في 2021، مما خفض ديونه إلى 28 مليار دولار، واستعاد التعامل الكامل مع البنك الدولي، مما أتاح له تمويلًا بقيمة ملياري دولار.
- الخبراء يرون أن عودة البنك الدولي خطوة مهمة للتعافي الاقتصادي، لكنهم يحذرون من الاعتماد على القروض، مشددين على أهمية خطة تنموية تعتمد على الموارد المحلية.

استأنف البنك الدولي نشاطه في السودان بعد تعليق عملياته منذ العام 2021، وأعلنت رئيسة بعثة البنك الدولي المديرة الإقليمية للبنك الدولي للسودان وإثيوبيا وإريتريا، مريم سالم، أنّ المؤسسة الدولية بصدد تمويل مشروعات بنحو 700 مليون دولار ستخصص لمشروعات جديدة سيتم تنفيذها خلال ثلاث سنوات.

وعلّقت مجموعة البنك الدولي في أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2021 صرف أي مبالغ لجميع العمليات في السودان وتوقّف التعامل مع أي عمليات جديدة، عقب إعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان حلّ مجلس السيادة والحكومة وفرض حالة الطوارئ.

وكان السودان تخلّص حديثاً من العقوبات الأميركية المشددة المفروضة عليه منذ عقود بعدما أزالته واشنطن في ديسمبر/ كانون الأول 2020 من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فمهّد ذلك الطريق أمامه للحصول على مساعدات واستثمارات مالية.

وفي يونيو/ حزيران من العام 2021 منح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي السودان تخفيفاً لأعباء الديون بموجب المبادرة المعززة المعنية بالبلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك)، فانخفضت ديون البلاد إلى النصف لتصبح نحو 28 مليار دولار، وكان السودان قد تمكن من استعادة التعامل الكامل مع البنك في مارس/ آذار من العام 2021 لأول مرة منذ ثلاثة عقود، وحصل منه على تمويل بقيمة ملياري دولار بسبب إصلاحات قامت بها الحكومة.

ويقول الاقتصادي محمد الناير لـ"العربي الجديد" إنه من واجب البنك الدولي مساعدة دول العالم للنهوض من المعيقات التي ألمّت بها خاصة تلك التي تعاني من آثار الحروب، وطالب الجهات المختصة بمتابعة التطورات ومدى التزام البنك مع أهمية وضع خطة تعتمد على استغلال الموارد المحلية تحوطاً للمستقبل، حيث ظل السودان على مدى سنوات بلا قروض المؤسسات المالية الدولية، وأضاف: "لكني أعتقد أن الخطوة جيدة يجب استغلالها في محاربة الفقر وتطوير البنى التحتية التي دمرتها الحرب".

ويرى المحلل الاقتصادي هيثم فتحي أهمية أن تضع الحكومة برنامجاً لتطوير التعاون التنموي بما يشمل خطة التعافي الاقتصادي، إضافة إلى إعداد الاحتياجات الاقتصادية ذات الأولوية في المرحلة الراهنة، مع تمهيد الطريق لعودة المراجعات السنوية للسياسات الاقتصادية في السودان، ويقول: "في تقديري عودة السودان إلى مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها البنك وصندوق النقد الدوليان، تمثل خطوة محورية في مسار التعافي الاقتصادي بعد انقطاع دام لأكثر من أربع سنوات، وعلى الحكومة أيضاً العمل على تسهيل هذه العودة، والسير نحو إعادة الاندماج الاقتصادي والمالي مع المجتمع الدولي".

ويقول إن الفترة الانتقالية السابقة عملت على تطبيق وصفات البنك الدولي بطريقة غير مدروسة وألغت الدعم وحررت أسعار المواد الأساسية خاصة المشتقات النفطية ورفعت أسعار الخبز، وعليه لا بد من مراعاة كيفية تطبيق سياسات البنك الدولي في ظل شح الموارد وامتصاص آثار الحرب التي أفقدت المواطن.

أما الخبير الاقتصادي الفاتح عثمان فيقول: "تمويل البنك الدولي ليس قرضاً لأن الحكومة السودانية لم تكمل حتى الآن خطوات التخلص من مديونيته الخارجية عبر الإعفاء أو الجدولة، ولذلك كل مشروعات التمويل التي يقدمها الآن تأتي خصماً على منحة البنك الدولي للسودان. ويقول المهتم بالشأن الاقتصادي إبراهيم شقلاوي إن عودة البنك الدولي إلى السودان تعكس بداية تحول في النظرة الأميركية نحو "اليوم التالي للحرب". فواشنطن حين تقترب، فهي تعتقد أن وقت ترتيب الأوراق قد حان، أو أن موازين القوى على الأرض اتجهت نحو مسار يمكن البناء عليه.

ومع ذلك يبقى السؤال الأصعب في الداخل: هل يحتاج السودان إلى قروض البنك الدولي أصلاً، أم أن ما يحتاجه حقاً هو نموذج تنموي مختلف؟

ويرى شقلاوي أن السودان لا يحتاج مزيداً من الديون التي جربها لعقود، وعرف كيف تتحول من دعم ناعم إلى قيد صلب يحكم السياسات ويكبّل الخيارات، فالسودان يحتاج قبل كل شيء إلى إعادة تعريف مشروعه التنموي على أسس تجعل السياسات التجارية هي قائد الاقتصاد ومحركه الأول، بينما تصبح السياسات المالية والنقدية خادمة لهذا الاتجاه لا متحكمة فيه، بل يحتاج نموذجاً داخلياً تحركه مقاصد الإنتاجية والعدالة والتكافل الاجتماعي، وتعيد فيه الدولة بناء علاقتها بالموارد وفق رؤية تجعل الإنسان مركز العملية التنموية وقائدها لا وقودها وهامشها.

ويؤكد شقلاوي أن القروض الدولية، مهما تلون خطابها، كانت دائماً حبالاً ناعمة لسيطرة خشنة، فإن التحذير واجب؛ فكل الدول التي نهضت اقتصادياً بدأت أولاً بالتحرر من ديون البنك الدولي قبل أن تبني تجربتها المستقلة، ولا تبدو زيارة الوفد بريئة من هذا السياق، فهي تأتي في لحظة يوشك فيها السودان على قلب المعادلة، وكأن المطلوب أن يدار تطويقه اقتصادياً بعد فشل محاولات تطويقه عسكرياً.

المساهمون