الجنسية البريطانية: من هوية إلى مورد مالي

03 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 07:27 (توقيت القدس)
مركز التأشيرات والهجرة، ليفربول، 9 أكتوبر 2023 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تحوّلت الجنسية البريطانية إلى ورقة مالية مهمة مع خطط حزب "الإصلاح" لتشديد شروط الحصول عليها، حيث يشكّل التجنّس موردًا ماليًّا مباشرًا للخزانة البريطانية مع ارتفاع الطلب على الجنسية والإقامة الدائمة.

- تُظهر إحصاءات وزارة الداخلية ارتفاعًا مستمرًا في عدد الجنسيات الممنوحة، مما يعكس الطلب الكبير على تثبيت الوضع القانوني. تُعد رسوم الجنسية مصدرًا ماليًا مهمًا، لكن وزارة الداخلية تواجه ضغوطًا إدارية متزايدة.

- أثارت خطة فاراج لإلغاء الإقامة الدائمة جدلاً، حيث يشكك خبراء الاقتصاد في الأرقام المالية المقدمة، محذرين من تأثيرها السلبي على الخدمات الصحية واستقرار الأسر، مؤكدين أن المكاسب الاجتماعية والاقتصادية تفوق الأثر المالي المباشر.

لم تعد الجنسية البريطانية مجرد وضع قانوني يحدد علاقة المقيم بالدولة، بل تحوّلت في خضم النقاشات السياسية الأخيرة إلى ورقة مالية ذات ثقل اقتصادي. فمع تصاعد الجدل حول خطط حزب "الإصلاح" لإلغاء الإقامة الدائمة وتشديد شروط الحصول على الجنسية، يبرز بُعد اقتصادي غالبًا ما يُغفل في النقاشات السياسية.

بينما يَعِد نايغل فاراج، زعيم الحزب، بخفض الإنفاق العام عبر هذه الإجراءات، تكشف الأرقام الرسمية وآراء الخبراء أن الواقع مختلف: التجنّس بات يشكّل موردًا ماليًّا مباشرًا للخزانة البريطانية والطلب عليه في ارتفاع مستمر، ما قد يدفع مئات الآلاف من المقيمين إلى الإسراع في تقديم طلباتهم قبل فرض أي تغييرات محتملة.

تُظهر أحدث إحصاءات وزارة الداخلية البريطانية (21 آب/أغسطس 2025) أنّ 257 ألف جنسية مُنحت في السنة المنتهية في يونيو/حزيران 2025، بزيادة 4% عن العام السابق، إضافة إلى 163 ألف إقامة دائمة في الفترة نفسها. هذه الأرقام تكشف أنّ الطلب على تثبيت الوضع القانوني مرتفع أصلاً، ما يعني أنّ أي صدمة سياسية مثل خطة فاراج لإلغاء الإقامة الدائمة قد تفتح الباب أمام موجة إضافية من طلبات التجنّس.

رسوم الجنسية البريطانية

وتبرز الرسوم المفروضة على طلب الجنسية حجم العوائد المباشرة؛ إذ تبلغ 1,735 جنيهاً إسترلينياً للبالغ، غير قابلة للاسترداد حتى في حال رفض الطلب، في حين تشير بيانات برلمانية إلى أنّ كلفة الخدمة لا تتجاوز 575 جنيهاً فقط. الفارق يُستخدم لتمويل أجزاء أخرى من منظومة الهجرة، ما يجعل كل طلب مصدراً مالياً صافياً للخزانة. بيد أنّ هذه العوائد ترافقها ضغوط إدارية متزايدة، إذ تقول وزارة الداخلية إن القرارات تُتخذ عادةً خلال ستة أشهر لكن تستغرق بعض الطلبات وقتًا أطول، خصوصًا إذا ارتفع حجم المتقدّمين فجأة.

ورأى البروفسور توم بروكس، أستاذ القانون والحكومة في جامعة دورهام ورئيس كلية كولينغوود، في حديث مع "العربي الجديد" أنّ احتمال ارتفاع عدد المتقدمين من حاملي الإقامة الدائمة للحصول على الجنسية "يبدو وارداً جداً" إذا جرى تشديد شروط الأهلية أو تمديد فترات الانتظار.

وأوضح أنّ معظم حاملي الإقامة الدائمة مضى على وضعهم أكثر من عام، ومن ثم من المرجّح أن يسعوا إلى تثبيت إقامتهم عبر التجنّس، خصوصاً أنّهم يكونون قد استوفوا بالفعل معظم الشروط، بما في ذلك اجتياز اختبار "الحياة في بريطانيا"، ما لم تكن هناك إشكالات تتعلق بالسجل الجنائي أو شرط حسن السيرة.

وأشار بروكس، إلى أنّ أقرب مثال تاريخي يمكن الاستناد إليه هو التعديلات التي جرت قبل نحو عقدين من الزمن، حين جرى تبسيط مسارات الاستقرار والتجنّس، ما جعل النظام أوضح وأكثر شفافية آنذاك. وهو يرى أنّ مثل هذه اللحظات السياسية، حين تتغير القواعد أو تتعقد، عادةً ما تدفع المقيمين المؤهلين إلى الإسراع في تقديم طلباتهم، خشية أن يجدوا أنفسهم لاحقاً أمام شروط أشد صرامة أو أفق قانوني ضبابي.

أما على المستوى المالي، فشدّد على أنّ "إيرادات الرسوم تفوق بكثير التكاليف الإدارية"، ما يعني أنّ الدولة ستستفيد على المدى القصير من أي موجة طلبات تجنّس جديدة، بيد أنّه لفت إلى أنّ الأثر لا يقتصر على الجانب المالي المباشر؛ إذ إنّ للتجنّس فوائد أخرى تتجاوز الحسابات الضريبية، أبرزها تعزيز شعور الأفراد بالانتماء والارتباط بالمجتمع البريطاني بوصفهم "مواطنين كاملين"، لافتاً إلى أنّ هذه كانت تجربته الشخصية عند حصوله على الجنسية البريطانية.

من زاوية اقتصادية أوسع، قد يوفّر اندفاعُ آلاف المقيمين نحو التجنّس للخزانة مواردَ سريعةً من الرسوم، بيد أنّه يفرض أيضاً ضغطاً على الجهاز الإداري للهجرة. ومع ذلك، يرى بروكس، أنّ المكاسب الاجتماعية سواء في اندماج المقيمين أو في استقرار سوق العمل، تجعل هذا المسار أكثر نفعاً للاقتصاد البريطاني على المدى الطويل.

خطة فاراج

أثار فاراج في 22 سبتمبر/أيلول 2025 جدلاً واسعاً بإعلانه خطة لإلغاء الإقامة الدائمة وإجبار المقيمين على إعادة التقديم كل خمس سنوات بشروط أكثر صرامة تشمل رفع الحد الأدنى للرواتب وحرمانهم من المزايا الاجتماعية. وروّجَ هذه الخطوةَ باعتبارها وسيلة لتوفير 230 مليار جنيه إسترليني للخزانة عبر تقليص نفقات الهجرة والرعاية.

غير أنّ خبراء الاقتصاد سارعوا إلى التشكيك في هذه الأرقام؛ فـ"مركز دراسات السياسات" الذي استند إليه فاراج أعلن أنّ الأرقام المالية الواردة في تقريره "موضع نزاع"، بينما أكّد البروفيسور جوناثان بورتس، أستاذ السياسات العامة في كلية كينغز كوليدج لندن، أنّ القراءة الدقيقة لبيانات مكتب المسؤولية عن الميزانية لا تشير إلا إلى مكاسب مالية محدودة، بحسب ما أوردت صحيفة الغارديان في 22 سبتمبر/أيلول 2025. وفي 24 سبتمبر/أيلول 2025، نشرت صحيفة إنترناشونال بيزنس تايمز تقريراً أبرزت فيه أن فاراج ادعى أن نصف الحاصلين على الإقامة الدائمة "لا يعملون"، لكن هذه التقديرات استندت إلى أرقام موضع نزاع.

ونقل التقرير تحذيرات سياسيين وخبراء، بينهم رئيسة النقابة الملكية للتمريض وزعيم حزب الأحرار الديمقراطيين من أن تطبيق الخطة قد يشلّ الخدمات الصحية ويزيد الأعباء البيروقراطية. كما أشار إلى أن رسوم الإقامة الدائمة ارتفعت إلى 3,029 جنيهاً للفرد، ما يجعل إعادة التقديم عبئاً ثقيلاً على الأفراد والنظام الإداري.

وفي اليوم السابق، أي 23 سبتمبر/أيلول 2025، أكدت صحيفة الإندبندنت أن تقديرات فاراج المالية غير موثوقة، محذّرة من أن خطته ستؤدي إلى نقص حاد في اليد العاملة وتهدد استقرار مئات آلاف الأسر المستقرة في بريطانيا، مع أثر محدود جداً على خفض المزايا الاجتماعية.