الذهب يبتلع الدولار... الصين تواصل الشراء رغم صعود الأسعار

08 يناير 2026   |  آخر تحديث: 02:42 (توقيت القدس)
سبائك الذهب في الصين، آنهوي في 23 يناير 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواصل بنك الشعب الصيني زيادة احتياطياته من الذهب للشهر الرابع عشر على التوالي، حيث بلغت مشترياته منذ نوفمبر 2024 حوالي 1.35 مليون أوقية، مما يعزز دور الذهب كتحوط ضد الدولار في ظل تقلبات الأسعار والمخاطر الجيوسياسية.

- تشير التقديرات إلى أن مشتريات الصين من الذهب قد تتجاوز الأرقام الرسمية، مما يعكس أهمية الطلب الرسمي في تسعير الذهب عالمياً، خاصة مع مشتريات البنوك المركزية من الأسواق الناشئة.

- توقعات 2026 تشير إلى ارتفاع أسعار الذهب، حيث يتوقع بنك "مورغان ستانلي" وصول السعر إلى 4800 دولار للأوقية، مدفوعاً بتغيرات السياسة النقدية الأميركية والمخاطر الجيوسياسية.

كشفت بيانات صادرة عن بنك الشعب الصيني " البنك المركزي"، أمس الأربعاء، مواصلة إضافة مزيد من أطنان الذهب إلى احتياطياته الأجنبية للشهر الرابع عشر على التوالي، في إشارة إلى استمرار الطلب الرسمي على المعدن النفيس بالتزامن مع موجة صعود حادة دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية. وبحسب البيانات الرسمية، ارتفعت حيازة بنك الشعب الصيني من الذهب بنحو 30 ألف أوقية خلال الشهر الماضي، ليرتفع إجمالي ما اشترته الصين منذ بدء دورة الشراء الحالية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إلى نحو 1.35 مليون أوقية (قرابة 42 طناً). 

وجاء هذا الارتفاع في وقت شهد فيه الذهب تقلبات ملحوظة خلال الشهر الأخير من عام 2025، إذ قفز إلى مستويات غير مسبوقة قبل أن يتراجع عن جزء من مكاسبه، لكنه أنهى العام مسجلاً أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979، مدفوعاً بمشتريات البنوك المركزية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، إلى جانب توجه المستثمرين إلى البحث عن مخازن بديلة للقيمة بعيداً عن السندات السيادية والعملات، بحسب وكالة "بلومبيرغ" الأميركية. ووفق دراسة نشرها مجلس الذهب العالمي، فإن مشتريات البنوك المركزية خلال أواخر عام 2025 قاربت حجم المشتريات المسجلة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، ما يعكس تنامي دور الطلب الرسمي بوصفه عاملاً رئيسياً في دعم أسعار الذهب مع دخول العام الجاري، في ظل استمرار الدول في استخدام المعدن النفيس أداةَ تحوطٍ في مواجهة الدولار.

رسالة مزدوجة

وفي المقابل، لا يزال الحجم الحقيقي لمشتريات بنك الشعب الصيني محل تقديرات متباينة، إذ تشير عدة تقديرات إلى أن الكميات الفعلية قد تتجاوز الأرقام المعلنة رسمياً. وقدرت مجموعة "غولدمان ساكس" المصرفية الأميركية أن الصين أضافت نحو 15 طناً من الذهب إلى احتياطياتها خلال سبتمبر/أيلول الماضي، مقارنة بنحو طن واحد فقط أُعلِنَ رسمياً في ذلك الشهر. ورغم محدودية الكمية المضافة شهرياً، تمثل رسالة مزدوجة، بحسب "بلومبيرغ": الأولى أن بكين لا تزال ترى الذهب تأميناً سيادياً في مواجهة التقلبات المالية، والثانية أن الطلب الرسمي بات عنصراً حاسماً في معادلة التسعير العالمية، بعدما تحول الذهب في 2025 إلى أحد أبرز أصول التحوط أداء. 

وتضاف سلسلة الشراء المتواصلة للصين إلى سياق أوسع، يتمثل في ارتفاع تكلفة المخاطر عالمياً، وتنامي حساسية الأسواق لأي تغير في أسعار الفائدة الأميركية، فضلاً عن اتساع مساحة التوترات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، يصبح الذهب ــ من وجهة نظر البنوك المركزية ــ أداة لتقليل الاعتماد على أصول مرتبطة بمخاطر الطرف المقابل، وتحسين متانة الاحتياطيات في السيناريوهات الصعبة. ورغم أن بكين لا تعلن دوماً تفاصيل دقيقة عن استراتيجية إدارة الاحتياطي، إلا أن انتظام الإضافة الشهرية يبعث بإشارة استمرارية، حتى في بيئة أسعار مرتفعة قياسياً.

وعلى الصعيد العالمي، لا تتحرك الصين منفردة. فقد أظهر أحدث تحديث لبيانات مجلس الذهب العالمي أن مشتريات البنوك المركزية ظلت قوية في نوفمبر الماضي، مع صافي مشتريات بلغ 45 طناً، لترتفع المشتريات المعلنة منذ بداية عام 2025 إلى 297 طناً. ويشير المجلس إلى أن زخم الشراء تواصل بقيادة بنوك مركزية من الأسواق الناشئة، بما يعكس اتساع نطاق الطلب الرسمي على الذهب في العام الماضي، حتى مع اختلاف نسب الذهب داخل الاحتياطيات بين دولة وأخرى. وتكشف بيانات المجلس أن الطلب الرسمي لم يعد هامشياً مقارنة بالتدفقات الاستثمارية أو الطلب الاستهلاكي، بل بات ركيزة تسعيرية تقرأ جنباً إلى جنب مع قرارات الفائدة الأميركية وحركة الدولار. كما أنها تُظهر أن ما بدأته بعض البنوك المركزية قبل أعوام ــ تنويع الاحتياطيات بزيادة الذهب ــ أصبح في 2025 اتجاهاً واسعاً ومترابطاً بين عدة قارات.

توقعات 2026

على خط التوقعات، برزت تقديرات مرتفعة في مطلع 2026. وتوقع بنك "مورغان ستانلي" وصول الذهب إلى 4800 دولار للأوقية بحلول الربع الرابع من 2026، متجاوزاً المستويات القياسية التي سجلها المعدن الأصفر في 2025. وعزا البنك الأميركي هذه التوقعات إلى انخفاض الفائدة والتغيير المرتقب في رئاسة البنك الاحتياطي الفيدرالي، وعمليات الشراء من قبل البنوك المركزية والصناديق الاستثمارية. كما يرى "مورغان ستانلي" أن الأحداث التي شهدتها فنزويلا في عطلة نهاية الأسبوع الماضي قد تجذب المشترين إلى المعدن الأصفر بوصفه ملاذاً آمناً. وذلك بعدما سجل الذهب مكاسب بلغت 64% في 2025، في أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979، مع تزايد الإقبال على المعدن الأصفر وسط عدم اليقين الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية.

من جهة أخرى، كشف استطلاع أجرته فاينانشال تايمز وشمل 11 محللاً وخبيراً في أسواق السلع والمعادن النفيسة عن انقسام واضح في الرؤى بشأن المسار السعري للذهب خلال عام 2026، رغم اتفاق غالبية المشاركين على بقاء المعدن الأصفر عند مستويات مرتفعة تاريخياً مقارنة بمتوسطات العقد الماضي. وخلص الاستطلاع إلى أن متوسط التوقعات يشير إلى وصول سعر الأوقية إلى نحو 4610 دولارات بنهاية 2026، أي بارتفاع يقارب 7% عن المستويات المسجلة مطلع العام، ما يعكس قناعة عامة بأن العوامل الداعمة للذهب لم تفقد زخمها بالكامل.

غير أن التفاصيل الدقيقة للاستطلاع تكشف تبايناً حاداً في السيناريوهات. فالفريق الأكثر تفاؤلاً، والذي رجح وصول الأسعار إلى حدود 5400 دولار للأوقية، استند في توقعاته إلى فرضية استمرار التوترات الجيوسياسية عند مستويات مرتفعة، وتباطؤ النمو العالمي، إلى جانب تسارع وتيرة خفض أسعار الفائدة الأميركية، ما يعني تراجع العوائد الحقيقية واستمرار الضغوط على الدولار. ويرى هؤلاء أن مشتريات البنوك المركزية، خصوصاً من الاقتصادات الناشئة، ستظل عنصر دعم هيكلي يمنع أي تصحيح حاد في الأسعار.

في المقابل، قدّم الفريق الأكثر تشاؤماً سيناريو هبوط يصل بالذهب إلى نحو 3500 دولار للأوقية، وهو تقدير لا ينطلق من انهيار الطلب بقدر ما يعكس احتمال انحسار بعض عوامل الخطر التي غذت موجة الصعود في 2024 و2025. ويفترض هذا السيناريو أن تشهد الأسواق تهدئة نسبية على الصعيد الجيوسياسي، مع نجاح البنوك المركزية الكبرى في كبح التضخم من دون الدخول في ركود عميق، إضافة إلى احتمال تباطؤ وتيرة خفض الفائدة أو توقفها مؤقتاً، ما قد يعيد جزءاً من الجاذبية إلى السندات والأصول ذات العائد.

ويشير الاستطلاع كذلك إلى أن نقطة الخلاف الرئيسية بين المحللين لا تتعلق بقيمة الذهب ملاذاً آمناً، بل بتوقيت وقوة العوامل المؤثرة في الطلب. فبينما يتفق المشاركون على أن الذهب سيظل أصلاً استراتيجياً في محافظ المستثمرين والبنوك المركزية، يختلفون حول ما إذا كان عام 2026 سيشهد استمراراً لمناخ عدم اليقين الذي يدفع الأسعار إلى قمم جديدة، أم انتقالاً تدريجياً إلى مرحلة استقرار تقل فيها شهية التحوط لصالح إعادة التوازن نحو الأصول التقليدية.

وتعكس نتائج الاستطلاع، في مجملها، أن سردية الذهب في 2026 ليست أحادية الاتجاه، بل محكومة بتفاعل معقد بين السياسة النقدية الأميركية، وسلوك الدولار، ووتيرة مشتريات البنوك المركزية، ومستوى المخاطر الجيوسياسية. وهو ما يجعل سوق الذهب مرشحة للبقاء في نطاق مرتفع ومتقلب في آن واحد، بدل العودة السريعة إلى مستويات ما قبل موجة الصعود الأخيرة. أما بنك "يو بي إس" السويسري العملاق فذهب في مذكرة بحثية إلى أن الذهب مرشح لتحقيق مكاسب إضافية مدفوعاً بشراء البنوك المركزية والعجوزات المالية وانخفاض العوائد الحقيقية في الولايات المتحدة واستمرار المخاطر الجيوسياسية.

المساهمون