الصناديق السيادية الخليجية قوة استثمارية تمتص صدمات الاضطرابات

06 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:33 (توقيت القدس)
دول الخليج ركزت على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، 12 يناير 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أظهرت الصناديق السيادية الخليجية مرونة في مواجهة التوترات الجيوسياسية، مستندة إلى استراتيجيات استثمارية طويلة الأجل، حيث استثمرت 53.9 مليار دولار في النصف الأول من العام الجاري، مما ساعد في تحصين اقتصادات الخليج.

- تواصل الصناديق تعزيز وجودها في الأسواق الغربية، مع التركيز على الولايات المتحدة وقطاعات التكنولوجيا، وتوسيع الأدوات الادخارية الوطنية مثل برنامج الصكوك الإماراتي، وتعزيز أمن القطاعات الاستراتيجية المحلية.

- رغم التوترات، تظل الصناديق قادرة على امتصاص الصدمات بفضل أصولها الضخمة، مع التركيز على تنويع الاستثمارات وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز النفوذ الدبلوماسي الاقتصادي عبر الاستثمارات الخارجية.

تظهر الصناديق السيادية الخليجية مرونة استثمارية استثنائية في مواجهة التوترات الجيوسياسية الممتدة والضربات العسكرية المتسارعة في المنطقة، لتصبح صمام أمان ووسادة مالية قوية قادرة على امتصاص الصدمات وتحصين الاقتصادات الوطنية في مواجهة المخاطر الجيوسياسية، ما سلط الضوء على العوامل التي تقف وراء هذه المرونة، والدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الصناديق في حماية اقتصادات الخليج وقت الاضطرابات والخريطة الاستثمارية للقطاعات والدول التي تضخ فيها هذه الصناديق رؤوس أموالها.
وتعتمد الصناديق السيادية في الخليج على تفويضات استثمارية طويلة الأجل تتجاوز تقلبات الأسواق اللحظية، وتعمل على توفير السيولة وتدعيم الميزانيات الحكومية وتأمين القطاعات غير النفطية، واستثمرت في النصف الأول من العام الجاري 53.9 مليار دولار عبر 108 صفقات، بحسب تقرير نشرته منصة سيمافور (Semafor) في 2 يوليو/ تموز الماضي.
وشكلت هذه المرونة الاستثنائية صمام أمان لاقتصادات دول الخليج، إذ عملت حائطَ صدٍّ مالياً لتغطية وتحوط الخسائر الناجمة عن اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وقيود التصدير، والتي تكبد فيها قطاع الهيدروكربونات خسائر تجاوزت 50 مليار دولار، ما سمح لدول مجلس التعاون الخليجي بصياغة سياسات اقتصادية مستقلة ومتحررة من التذبذبات الحادة لأسواق الطاقة الإقليمية، بحسب ما أورد تقدير نشرته منصة "مودرن دبلوماسي" في 14 يوليو الماضي.
وبحسب تقرير النصف الأول الصادر عن مؤسسة غلوبال إس دبليو إف Global SWF، المتخصصة في متابعة نشاط صناديق الثروة السيادية، فإن الصناديق السيادية التابعة لدول مجلس التعاون، تدير أصولاً إجمالية تقدر بنحو 5.7 تريليونات دولار، مشيراً إلى أن استثمارات هذه الصناديق في النصف الأول من العام الجاري بلغ أعلى حجم استثمارات يتم تسجيله في تاريخها خلال نصف عام، في حين تقدر مؤسسات أخرى حجم الأصول التي تديرها تلك الصناديق بنحو 6 تريليونات دولار.
 

الخريطة الاستثمارية وتوزيع الأصول

وعلى صعيد الخريطة الاستثمارية وتوزيع الأصول، تواصل الصناديق الخليجية ترسيخ حضورها في الأسواق الغربية الاستراتيجية، مع بقاء الولايات المتحدة الوجهة الدولية الأولى لهذه التدفّقات، والتركيز القطاعي على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، للاستفادة من عمق الأسواق المالية الدولية وتوفير شراكات نوعية تدعم التحول الاقتصادي المحلي وتضمن نقل المعرفة والتكنولوجيا، بحسب ما أورد تقرير نشرته منصة معهد الصناديق السيادية (Sovereign Wealth Fund Institute - SWFI)، المتخصصة في تحليل واستثمارات المؤسسات المالية السيادية، في 24 يوليو الماضي.

غير أن التطورات الجيوسياسية دفعت الصناديق السيادية الخليجية إلى توسيع نطاق الأدوات الادخارية والتمويلية الوطنية لتعزيز الاستقرار الداخلي وحماية الأسواق المحلية من التقلبات الخارجية، وتشمل هذه التحركات إتاحة منتجات ادخارية سيادية توفر ملاذاً آمناً للمستثمرين والأفراد وتدعم شمولية النظام المالي المحلي. وفي إطار هذه المبادرات الاستثمارية الوطنية، أعلنت وزارة المالية في الإمارات إطلاق أول برنامج للصكوك الوطنية السيادية للأفراد، وهو أداة ادخارية حكومية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية ومتاحة للمواطنين والمقيمين، بحسب ما أورد تقرير نشرته "بلومبيرغ" في 22 يوليو الماضي.
كما تعمل الصناديق الخليجية على تعزيز أمن قطاعاتها الاستراتيجية المحلية عبر استثمارات مشتركة ومباشرة، مثل تأسيس الشركة السعودية البحرينية للاستثمار التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي لضخ ما يصل إلى 5 مليارات دولار في القطاعات الحيوية البحرينية، بحسب تقرير نشرته منصة المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum - WEF)، في 23 يونيو/ حزيران الماضي.

مواجهة الصدمات الاقتصادية

في هذا الإطار، يشير عضو الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، فاتح بييكلي، لـ"العربي الجديد"، إلى أن عائدات النفط لم تعد تمثل سياسة التأمين الحقيقية لدول الخليج في مواجهة الأزمات، لأن صناديق الثروة السيادية هي التي تلعب هذا الدور المحوري حالياً، حيث تواصل هذه الصناديق نشر رؤوس الأموال في الأسواق العالمية رغم عدم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يعكس مرونة غير مستغربة نظراً إلى أن صناديق مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجهاز أبوظبي للاستثمار، ومبادلة، وهيئة قطر للاستثمار، قد أُنشئت أساساً لتحويل الثروة الهيدروكربونية المتقلبة إلى أصول متنوعة وطويلة الأجل.
وقد تغيّر دور هذه الصناديق من كونها مجرد محافظ استثمارية إلى أن أصبحت "ممتصات للصدمات الاقتصادية"، بحسب توصيف بييكلي، الذي ينبّه إلى أن الخريطة العالمية لاستثمارات هذه المحافظ تفسر هذا التحول، حيث تبقى الولايات المتحدة وأوروبا وجهات حاسمة لما توفره من أسواق رأسمالية عميقة وتقنيات وخدمات مالية وبنى تحتية عالية الجودة، بينما تزداد أهمية آسيا لما تقدمه من نمو، خاصة في الصين والهند اللتين توفران التعرض لقطاعات التصنيع والتكنولوجيا وتحول الطاقة والأسواق الاستهلاكية سريعة التوسع.

ويعد التنويع القطاعي بالأهمية نفسها لدول الخليج، بحسب بييكلي، إذ أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية واللوجستيات والطاقة المتجددة والرعاية الصحية والخدمات المالية إلى جوار استثمارات العقار التقليدية، معتبراً أن ذلك ليس مجرد بحث عن العوائد المالية، بل هو استراتيجية لجلب المعرفة والتكنولوجيا والنفوذ الاقتصادي إلى دول الخليج.
غير أن عدم الاستقرار الجيوسياسي من شأنه أن يغير هذه المعادلة، بحسب ما يرى بييكلي، لأن استمراره يرجح أن تصبح الصناديق الخليجية أكثر انتقائية دولياً مع توجيه قدر أكبر من رأس المال محلياً، لافتاً إلى أن السعودية تمثل بالفعل نموذجاً لكيفية استخدام الثروة السيادية لتمويل التحول الوطني وخلق صناعات جديدة وتقليل الاعتماد على النفط، وهو نموذج قد تحذو حذوه اقتصادات خليجية أخرى بشكل متزايد.

فخ العزلة... وأصول تريليونية

لكن هناك توازناً دقيقاً يجب الحفاظ عليه، وفق بييكلي، فتحويل صناديق الثروة السيادية إلى آليات إنقاذ دائمة سيكون خطيراً، بحسب تقديره، إذ إن قوتها تنبع من التنويع خارج الحدود المحلية، وقد يؤدي الإفراط في التوطين إلى تركيز المخاطر نفسها التي أُنشئت هذه الصناديق للهروب منها.
ولذا يرى بييكلي أن الاستراتيجية الأكثر ذكاء لدول الخليج لا تتمثل في الانسحاب من الأسواق العالمية، بل في اعتماد "الثنائية الاستراتيجية": الاستثمار عالمياً للحفاظ على الثروة والاستثمار محلياً لتعزيز المرونة.
ويخلص بييكلي إلى أن عائدات النفط منحت دول الخليج القوة المالية، لكن صناديق الثروة السيادية تمنحها ميزة أكثر قيمة تتمثل في "الوقت"، وفي ظل شرق أوسط يتسم بقدر متزايد من عدم القدرة على التنبؤ، قد يكون الوقت هو الأصل الاقتصادي الأهم للمنطقة، بحسب تقديره للقيمة الاستراتيجية الحقيقية للثروة السيادية في زمن الاضطرابات.

امتصاص الصدمات الإقليمية

وجهة نظر أخرى ينقلها إلينا المستشار في المفوضية الأوروبية لشؤون الحوكمة، محيي الدين الشحيمي، الذي يؤكد من جانبه، لـ"العربي الجديد"، أنّ مواصلة صناديق الثروة السيادية الخليجية لنموها وقدرتها الفائقة على امتصاص الصدمات الإقليمية يستند بالأساس إلى أصول ضخمة تراوح قيمتها بين 4 إلى 6 تريليونات دولار، وهو ما يمثل نحو 40% من إجمالي أصول الصناديق السيادية العالمية.

وتعود عوامل نمو الصناديق إلى عدة ركائز أساسية، بحسب الشحيمي، أبرزها المنعة المالية الناتجة عن سيولة قوية ومراكز مالية مدعومة بعوائد الطاقة التاريخية والاحتياطيات الضخمة، بالإضافة إلى استراتيجية تخفيف المخاطر عبر تنويع الاستثمارات محلياً وعالمياً لتقليل الاعتماد المفرط على قطاع النفط.
ويضيف الشحيمي أن الإنفاق الاستراتيجي المستمر على مشروعات البنية التحتية والتحول الرقمي وإنشاء ممرات تجارية بديلة يلعب دوراً محورياً، حيث دفعت التوترات الإقليمية الصناديق السيادية الخليجية نحو تعزيز الاستثمار في مسارات لوجستية وموانئ خارج نقاط الاختناق البحرية التقليدية، ما يعكس قدرة عالية على إعادة التموضع الاستراتيجي والبحث عن بدائل تضمن استمرارية التدفقات التجارية.
وتتمتع هذه الصناديق بجاذبية دولية كبيرة، حيث شهدت مؤتمرات المستثمرين الخليجيين في العواصم العالمية إقبالاً مؤسسياً ضخماً يعكس ثقة الأسواق الدولية بمتانتها، بحسب الشحيمي، مشيراً إلى أن آليات الحماية الأساسية بالصناديق تعتمد على فصل الثروة عن المخاطر الإقليمية عبر توجيه أجزاء كبرى من الفوائض نحو أسواق أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا، لعزل رأس المال الوطني عن صدمات المنطقة وتوليد تدفقات بديلة تعوض أي تباطؤ في إيرادات الطاقة المحلية.
كما يساهم تعزيز النفوذ الدبلوماسي الاقتصادي في استخدام الاستثمارات الخارجية أداةَ قوةٍ ناعمة لبناء شراكات استراتيجية تحيد الضغوط السياسية عن دول الخليج، بحسب الشحيمي، الذي يخلص إلى أن الشهية الاستثمارية للصناديق السيادية تبقى نشطة وتحافظ على زخم الاستحواذات العالمية رغم التحديات التي تفرضها التوترات الإقليمية وتقلبات أسواق النفط.