استمع إلى الملخص
- البنوك المركزية العالمية زادت مشترياتها للذهب منذ 2024 بسبب المخاطر الجيوسياسية، مما يعزز النفوذ المالي للصين بعيدًا عن المراكز الغربية.
- تسعى الصين لتقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز دورها في سوق السبائك العالمية، من خلال خطوات مثل إطلاق عقود في هونغ كونغ وتخفيف قيود واردات الذهب.
رفع بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) في شهر نوفمبر/ تشرين الأول الماضي وللشهر الثالث عشر، حيازته من الذهب إلى نحو 74.12 مليون أونصة تقدر قيمتها بنحو 312 مليار دولار. كما ارتفع إجمالي احتياطي الصين من العملات الأجنبية إلى 3.34 تريليونات دولار بزيادة 3 مليارات دولار عن الشهر السابق. وعزت الهيئة الوطنية الصينية للنقد الأجنبي هذه الزيادة إلى التأثير المشترك لتحويل العملات والتغيرات في أسعار الأصول.
ووفقاً لبيانات المركزي الصيني التي نشرتها وكالة بلومبيرغ اليوم الأحد، فقد اشترى البنك سبائك من الذهب تقدر بنحو 30 ألف أونصة (أوقية) في نوفمبر الماضي تقدر قيمتها بنحو 126.3 مليون دولار، وفقاً لسعر الذهب في نهاية تعاملات الأسبوع أول من أمس الجمعة، والذي وصل في المعاملات الفورية إلى 4212.16 دولاراً للأوقية (الأونصة). بينما بلغت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم فبراير/ شباط نحو 4243 دولاراً.
وتوقع أليكس إبكريان، مدير العمليات في شركة أليجيانس غولد، في تصريحات نشرتها وكالة رويترز الجمعة، أن يراوح سعر الذهب بين 4200 دولار و4500 دولار هذا العام، وبين 4500 دولار و5000 دولار في العام المقبل، اعتماداً على قرارات مجلس الاحتياطي الاتحادي. بينما تتوقع مجموعة غولدمان ساكس أن يصل سعر الذهب إلى 5000 دولار إذا تحولت نسبة 1% فقط من حيازات سندات الخزانة الأميركية الخاصة إلى الذهب.
ووفقاً للوكالة ذاتها، فإن التوقعات المتزايدة بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي) سيخفض أسعار الفائدة في اجتماعه يومي 9 و10 ديسمبر/كانون الأول الجاري، تدعم سعر المعدن، بينما يتوقع السوق أيضاً أن يتبنى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي القادم نهجًا أكثر تيسيرًا في السياسة النقدية. ورغم أن الذهب لا يدر عوائد، يزداد جاذبيةً عادةً في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، إذ تنخفض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به مقارنةً بالأصول المُدرّة للفائدة.
وارتفعت مشتريات البنوك المركزية حول العالم منذ بداية 2024، حيث اشترت البنوك المركزية أكثر من 1000 طن من السبائك للعام الثالث على التوالي، وفقًا لمجلس الذهب العالمي، وتمتلك هذه البنوك حوالي خُمس إجمالي الذهب الذي تم استخراجه على الإطلاق. كانت البنوك المركزية من المشترين الصافين للذهب على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، لكن سرعة مشترياتها تضاعفت في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. ومع قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتجميد أموال البنك المركزي الروسي المودعة في بلدانهم، فقد أبرز ذلك مدى تأثر أصول العملات الأجنبية بالعقوبات.
الصين تعزز نفوذها المالي بعيداً عن المراكز الغربية التقليدية
كما بدأت عمليات شراء القطاع الرسمي، التي تتيح للدول التحوّط من مخاطر الدولار. ويسعى بنك الشعب الصيني وفقاً لبلومبيرغ، لتعزيز نفوذه المالي ومكانته في سوق السبائك العالمية، عبر استقطاب البنوك المركزية الأجنبية بعروض لتخزين ذهبها في الصين. وقد استقطب حتى الآن عددًا قليلًا من الجهات، بما في ذلك كمبوديا.
ودأبت البنوك المركزية حول العالم على بناء احتياطياتها من الذهب لمواجهة المخاطر الجيوسياسية المتزايدة، مما ساهم في رفع سعر المعدن النفيس خلال العام الجاري بنحو 60% والعام الماضي بنحو 40%. كما شجعت أعباء الديون الثقيلة في الاقتصادات الكبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان والرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وغياب الإرادة السياسية لحلها، بعض المستثمرين على تخزين الأصول البديلة مثل الذهب والفضة هذا العام، في تراجع أوسع نطاقاً عن السندات الحكومية والعملات، وهو ما يُعرف بتجارة تخفيض القيمة.
كما تسعى الصين إلى إنشاء نظام مالي عالمي أقل اعتمادًا على الدولار والمراكز الغربية، وأن تُصبح في سبيل ذلك مخزنًا لذهب دول أخرى بدلًا من المراكز التقليدية في الغرب مثل بريطانيا وسويسرا والولايات المتحدة الأميركية. وفي حين تُمثل خطوة الصين خطوةً أخرى نحو تعزيز دورها في تجارة السبائك العالمية، لا تزال بعيدةً بعض الشيء عن منافسة مراكز عريقة مثل المملكة المتحدة.
ووفقاً لتقرير سابق لوكالة بلومبيرغ الأربعاء الماضي، فإن قيمة الذهب المخزنة في لندن تبلغ نحو 1.2 تريليون دولار، بينما تبلغ قيمة الفضة المخزنة ما يقارب 50 مليار دولار. وأما الذهب، فيعتمد سوق لندن على حوالي 700 مليار دولار من السبائك، معظمها لدى البنوك المركزية العالمية في خزائن بنك إنكلترا، مما يرسخ دور لندن سوقاً رائدة للمعدن النفيس. وتُعدّ خدمات الحفظ، التي تحمي الأصول نيابةً عن العملاء، أساسية لمركز الذهب، إذ تُسهم في تعزيز المصداقية وجذب المزيد من التداول.
وتحتل الصين المرتبة الخامسة عالميًّا في قائمة حاملي الذهب لدى البنوك المركزية، وفقًا لمجلس الذهب العالمي. ومع ذلك، تبقى السوق المحلية الصينية للذهب، سواء محلي أو سبائك وعملات معدنية للاستثمار، هي الأكبر في العالم. ومن شأن تعزيز التداول المحلي بشكل أكبر أن يُساعد بكين على تسريع حملتها لتقليل الاعتماد على الدولار وتدويل اليوان.
واتخذت الصين بالفعل عددًا من الخطوات لفتح سوق الذهب لديها. فقد أطلقت مجموعة غولدمان ساكس أول خزانة خارجية وعقود لها في هونغ كونغ هذا العام، وهي خطوة تهدف إلى زيادة حجم المعاملات باليوان. كما خفف بنك الشعب الصيني مؤخرًا القيود المفروضة على واردات الذهب. وأما ما يخص العملاء المحتملين، فقد تُمثل الخزائن الصينية خيارًا جذابًا لبناء احتياطيات، والمساعدة على تجنب خطر الانقطاع عن الأسواق المالية العالمية.