اللامساواة العالمية بوصفها إرثًا ومظهرًا لاستمرار الاستعمار

21 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 07:33 (توقيت القدس)
العاصمة الأميركية واشنطن، 14 سبتمبر 2024(Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشير النص إلى تفاقم اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية عالميًا، حيث يستحوذ أغنى 10% من السكان على نسبة كبيرة من الدخل القومي، بينما يعاني النصف الأفقر من حصة صغيرة، مع تباين في العدالة بين المناطق.

- يتناول تقرير "أوكسفام" تأثير الاستعمار والإرث الاستعماري على توزيع الثروة، حيث تتدفق الثروات من دول الجنوب الفقيرة إلى دول الشمال الغنية، مع استمرار تأثير الاستعمار الجديد.

- يبرز النص تأثير السياسات الاقتصادية على اللامساواة، حيث تتبنى الدول سياسات تزيد الفجوة، مما يؤخر جهود إنهاء الفقر، مع استمرار الهيمنة الاستعمارية في النظام العالمي.

لا يكاد يمر يوم من دون حديث متزايد عن تفاقم اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية، على المستويين المحلي والعالمي على السواء، بما تتضمّنه من مظالم وآلام تتشعّب آثارها عبر كل أرجاء الحياة الإنسانية وأبعادها، وبما تنذر به من مخاطر وتهديدات للاستقرار والسلم السياسي والاجتماعي، خصوصًا عندما لا تكون وراءها فوارق كفاءة أو جهد حقيقية تبرّرها، بل أساسًا أنظمة هيمنة استبدادية الجوهر مع ميراث طويل وعميق من المظالم التاريخية.

وبحسب تقرير اللامساواة العالمي، في آخر إصداراته عام 2022، يستحوذ أغنى 10% من سكان العالم على ما يرواح ما بين 35-60% من الدخول القومية للبلدان المختلفة، بينما يحظى أقل 50% منهم بما يراوح ما بين 10-20% فقط من تلك الدخول، وتتصدّر دول أوروبا العالم بوصفها أكثر مناطقه عدالة في التوزيع بنسبة 18% من الدخل القومي للنصف الأفقر من السكان و35% للعُشر الأغنى منهم، بينما تتصدّر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقل مناطقه عدالة بنسبة 9% من الدخل القومي للنصف الأفقر من السكان و58% للعُشر الأغنى منهم.

كما رصد عالم الاقتصاد الأميركيّ، جوزيف ستيغلتز، حائز نوبل الاقتصاد عام 2001، خمسة ملامح رئيسية وسمت اتجاهات اللامساواة خلال نصف القرن الأخير، أولها ارتفاع تفاوت الدخل والثروة معًا، وثانيها ميل تفاوت الثروة إلى أن يكون أكثر حدّة من تفاوت الدخل (وبما يصل إلى الضعف وفقًا لمؤشر جيني)، وثالثها ركود متوسط الأجور رغم ارتفاع الإنتاجية؛ بما يعنيه من زيادة حصة رأس المال على حساب العمل في الدخل القومي، فيما رابعها الزيادة الكبيرة في نسبة الثروة إلى الدخل، وأخيرًا خامسها عدم انخفاض العائد على رأس المال رغم الارتفاع المذكور في نسبة الثروة إلى الدخل؛ بسبب التعويض على حساب الأجور كما ذكرنا آنفًا.

في هذا الإطار، يأتي تقرير منظمة "أوكسفام" الجديد الصادر أوائل العام الجاري 2025، بعنوان "ناهبون لا صانعون: الفقر الظالم والثروة غير المُكتسَبة الناتجين عن الاستعمار"، الذي يكاد يُضاهي عنوانه قولة الإمام علي الشهيرة "ما اغتنى غني إلا بفقر فقير"، على ما في قطعية القول ذاته من قدر من التحفّظ، ويتناول التقرير الترابط بين الظاهرتين غير المُستحقتين عالميًّا، من فقر ظالم نتاج الرزوح تحت الهيمنة الموروثة عن الاستعمار (الذي لا يزال يدافع عن مواقعه بالباع والذراع كما نراه بأكثر وجوهه فجاجة في فلسطين المُحتلة)، مقابل الثروة غير المُكتسَبة بإنتاج قيمة، بل أساسًا بتسنّم قمة النظام الاقتصادي والسياسي العالمي بالقوة والمؤسسات والتاريخ.

يتكوّن التقرير من خمسة فصول، يناقش أوّلها إرث الاستعمار بوجهيه المذكورين من فقر ظالم وثروة غير مُكتسبة، ويعرض الثاني للعلاقة بين ثروة أصحاب الثراء الفاحش والماضي الاستعماري، فيما يوضّح الثالث بعنوانه "ثمار الشجرة المسمومة" الأثر المستمر للاستعمار حتى يومنا، ويفصّل الرابع دعائم وروافد النهب الاستعماري للدول الطَّرفية الفقيرة بالجنوب العالمي، ليختم الفصل الخامس بدعوة إلى تحرير الاقتصاد العالمي من رواسب الاستعمار وتقليص الأرستقراطية فاحشة الثراء كميًّا وكيفيًّا.

ويبدأ التقرير بالإشارة إلى تفاقم اللامساواة تاريخيًّا وتضخّم قوة أوليغارشية أصحاب المليارات، فمن كل دولار من الدخل العالمي اليوم، يحصل أفقر 50% من البشر على ثمانية سنتات، بينما يحصل أغنى 1% منهم على 20 سنتًا، وبحسب اتجاه تاريخي أعمق، نجد أنه بينما بلغ دخل أغنى 10% من سكان العالم 18 ضعفًا دخل الـ 50% الأفقر عام 1820، فإنه يبلغ اليوم أكثر من 38 ضعفًا، مُنخفضًا من ذروته التاريخية عند 53 ضعفًا عام 1980؛ ما حدث بفضل التحسّنات الكبيرة والسريعة في الصين، حيث كان يعيش أكبر عدد من فقراء العالم.

لكن لا توحي الاتجاهات باستمرار ذلك التراجع، بل تشير البيانات الأحدث إلى عودة فجوة التوزيع للتوسّع مُجددًا منذ جائحة كورونا، فقد نمت ثرواث المليارديرات، كما ينقل التقرير عن مؤسسة فوربس، في عام 2023-2024 ثلاث مرات أسرع من مما فعلت في عام 2022-2023؛ ما انعكس في زيادة إجمالي ثرواتهم بمقدار تريليونيْ دولار، وظهور 204 مليارديرات جدد بمتوسط أربعة أسبوعيًّا.

كما أنه على مستوى اتجاهات سياسات الدول، يعيش 8% فقط من البشر في دول بمعدلات لامساواة منخفضة، ويكشف مؤشر الالتزام بالحدّ من اللامساواة CRI (المُكوّن بوصفه متوسطًا من ثلاثة مؤشرات فرعية مركبة تتعلّق بالإنفاق على الخدمات العامة وتصاعدية الضرائب وحقوق العمل والأجر)، عن اتجاهات سلبية حادة تميل ضمنها تسعة بلاد من كل عشرة لتبنّي سياسات تَزيد اللامساواة بدلاً من خفضها، فبحسب موقع مؤشر اللامساواة (inequalityindex.org) أواخر يناير الجاري، خفض 84% من بلاد العالم إنفاقه على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وتراجع -أو خفض- 81% منها عن أنظمة الضرائب التصاعدية، كما قلّل 90% منها من ضمانات حقوق العمل ونوعية الوظائف وعدالة توزيع الأجور... إلخ.

ويشير التقرير ضمنًا إلى أن الإشكالية ليست مجرد قضية جمالية تتعلّق بعدالة التوزيع هدفًا مهمًّا بحد ذاته، بل تتعلّق بتأخير معدلات اللامساواة الحالية جهود إنهاء الفقر لأكثر من قرن من الزمان، ولا أدل على ذلك من أنه رغم كل ما تحقّق من نمو عبر العقود الأخيرة، لا يزال عدد من يعيشون تحت خط الفقر الدولي اليوم (البالغ 6.85 دولارات وفقًا لمؤشر القوى الشرائية) هو نفسه عددهم البالغ 3.6 مليارات شخص (يمثّلون 44% من البشرية اليوم) عام 1990، بينما تزيد معالجة اللامساواة من سرعة جني ثمار هذه الجهود ثلاث مرات، فيقدّر البنك الدولي أن خفض اللامساواة بنسبة 2% فقط سنويًّا كفيل بتقليص وقت القضاء على الفقر المُدقع من 60 إلى 20 عامًا فقط.

وعن مصادر ثروات الأرستقراطية العالمية الحالية، يشير التقرير إلى أن حوالي 60% من ثروات المليارديرات يأتي من الميراث أو المحسوبية أو الاحتكار، فقد شهد عام 2024 لأول مرة تجاوز عدد المليارديرات بالوراثة عددهم بريادة الأعمال، ويُقدّر أنه خلال الثلاثة عقود القادمة سينتقل إجمالي تركات بمقدار 5.2 تريليونات دولار لألف ملياردير حالي.

وإجمالًا تقدّر المنظمة أن حوالي 36% من ثروة المليارديرات تأتي بالميراث، فيما حقّق 6% من منهم ثرواتهم بالمحسوبيات الصريحة، وصنع 18% منهم ثرواتهم بالاحتكارات المباشرة، وأهمية إيراد نعوت "الصريحة" و"المباشرة" هنا رغم عدم ذكرها حرفًا في التقرير، معرفتنا جميعًا بتداخل كل هذه العوامل بدرجاتها اللونية المختلفة في بيئة الأعمال الفعلية، حتى في أكثر اقتصادات العالم الحر شفافيةً ونزاهة.

ويربط التقرير بين ثروة الأرستقراطية العالمية والإرث الاستعماري، حيث يعيش أغلب المليارديرات في الشمال العالمي الذي يمثّل خُمس سكان العالم فقط، الأمر الذي يرتبط بالتأثيرات المستمرة لما وصفه التقرير بالاستعمار الجديد، الذي يشمل بحسب تعبيره كل "الطرائق غير الرسمية التي تواصل من خلالها البلدان الغنية في الشمال العالمي في الغالب ممارسة السلطة والسيطرة على دول الجنوب العالمي؛ بما يديم آثار الاستعمار الرسمي والممارسات والأفكار الكامنة وراءه"؛ بشكل يجعل الثروة تتدفق من الفقراء بالجنوب العالمي إلى أكثر سكان الشمال العالمي ثراءً.

ويرصد التقرير عيّنات بسيطة من النهب الاستعماري، بآثاره الكمّية المباشرة التي انعكست في ثراء الشمال على حساب الجنوب من جهة، وآثاره الكيفية التي لا تزال مستمرة باعتبارها عوائق لتحرّر الجنوب وازدهاره، بل بقائه في ربقة التبعية، من جهة أخرى.

فيذكر التقرير، بوصفها نماذج من الماضي، تحويلَ حوالي 65 تريليون دولار من الهند إلى المملكة المتحدة، منها 34 تريليون تقريبًا ذهبت إلى أغنى 10% من سكان الأخيرة، خلال الفترة 1765-1900، واستخراج هولندا ما يعادل اليوم 5.1 تريليونات دولار من إندونيسيا خلال فترة استعمارها 1878-1941، واستيلاء ليوبولد الثاني ملك بلجيكا على 1.1 مليار دولار بوصفه ثروة شخصية من الكونغو خلال فترة حكمه التي أُبيد خلالها عشرة ملايين كونغولي، واضطرار هايتي إلى اقتراض 150 مليون فرنك من فرنسا، تُعادل 21 مليار دولار اليوم، لتعويض مالكي العبيد (كذا!)؛ ما تزال تدفع ثمنها اليوم بحلقة خبيثة من المديونية والفقر.

ولا يتوقّف الأمر على التاريخ؛ بالنظر إلى الاستغلال المستمر حتى اليوم، كتحويل النظام المالي العالمي تريليون دولار سنويًّا من الجنوب إلى الشمال؛ سببها فقط الاختلال النقدي الناتج عن هيمنة عملات الشمال، وكدفع حكومات الجنوب العالمي 3.3 تريليونات دولار فوائد للدائنين في الشمال العالمي خلال الفترة 1970-2023؛ ما انعكس في المتوسط بتوجيه الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 48% من إيرادات موازناتها العامة إلى سداد الديون التي تذهب في أغلبها لأثرياء القطاع المالي في عواصم أميركا وبريطانيا، وبما يتجاوز الإنفاق على كلٍِ من تعليم وصحة الشعوب الفقيرة.

وعلى مستوى استغلال قوة العمل، فبحسب بحث جاسون هيكل وزملائه عن "التبادل اللامتكافئ للعمل في الاقتصاد العالمي"، المنشور في مجلة Nature Communications في يوليو/تموز 2024، تنخفض متوسطات الأجور في الجنوب عن نظيرتها في الشمال بنسب تراوح ما بين 87 و95% عن العمل نفسه والمستوى المهاري نفسه؛ ما يمثّل قناةً مُستمرة لنزح وتدفّق فائض القيمة من الأول إلى الثاني؛ إذ بينما يُقدّم عمال الجنوب 90% من قوة العمل التي تحرّك الاقتصاد العالمي، يحصلون فقط على 21% من الدخل العالمي، ما كان صافيه التقديري استئثار الشمال بحوالي 310 تريليونات يورو من إجمالي قيمة عمل الجنوب خلال الفترة 1995-2021.

وقدّرت الدراسة ذاتها فوارق الأجور الحقيقية بين الشمال والجنوب، مُنعكسة في فوارق الاستهلاك بين الشمال والجنوب، حيث يستهلك الأوّلون أضعاف الأخيرين، بما يراوح ما بين ثمانية أضعاف (لفئات العمالة مرتفعة المهارة) و14 ضعفًا (للفئات متوسطة المهارة) و19 ضعفًا (للفئات منخفضة المهارة)، بل الأدهى، تنخفض أجور العمالة مرتفعة المهارة في الجنوب عن نظيرتها للعمالة منخفضة المهارة في الشمال بنسبة 68%. هذه الفوارق في الاستهلاك، بمعناه العام، تنعكس على كل وجوه الحياة ونوعيتها، لتتجلّى في مُحصّلتها الأخيرة في فارق كبير في متوسطات العمر المُتوقع ما بين الشمال والجنوب، لتبلغ في أوروبا 77 عامًا مقابل 61.7 عامًا فقط في أفريقيا.

ولا تنفصل هذه الفوارق الصارخة عن دور الاستعمار في تشويه ديمغرافيا الجنوب وأسواق عمله؛ ومساهمته في تفاقم اللامساواة فيه، بما تجاوز حتى حالتها في مراكزه؛ لذلك يحصل أغنى 1% من السكان في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط اليوم على 20% من إجمالي الدخل، بما يقرب من ضعف حصة نظرائهم في أوروبا.

وينعكس، ويتعزّز، استمرار هذا الإرث الاستعماري على كل وجوه النظام العالمي القائم، كهيمنة الشمال الغني على أغلب مؤسسات النظام الدولي، حيث تهيمن مجموعة السبع الصناعية على حوالي 41% من الأصوات في صندوق النقد والبنك الدولي رغم أنها تمثّل أقل من 10% من سكان العالم. كما تبلغ القوة التصويتية للمواطن البلجيكي العادي مئة وثمانين مرة القوة التصويتية لنظيره الإثيوبي في البنك الدولي للإنشاء والتعمير. وتسيطر دول الشمال في أوروبا وأميركا بالأساس على 47% من إجمالي مقاعد مجلس الأمن، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 17% من سكان العالم.

وتتجلّى هذه الهيمنة في انحيازات هذه المنظمات وميلها بأيديولوجيتها النيوليبرالية إلى تقديم مصالح رأس المال، الغربي بالأساس، على حساب شعوب ودول الجنوب، وتشير التقديرات إلى أنه مقابل كل دولار اقتراض حصلت عليه الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، طلب منها صندوق النقد خفض الإنفاق الاجتماعي بأربعة أضعافه ضمن برامجه التقشفيّة، في ممارسة تذكّرنا بسياسات صندوق الدين الإنكليزي-الفرنسي ثم الاحتلال البريطاني لمصر أواخر القرن التاسع عشر، عندما فرض تقليص الإنفاق العام على التعليم والصحة مُوجّهًا معظم الموارد العامة إلى خدمة الدائنين بالأساس، بما أصّل تاريخيًّا لممارسة استعمارية مستمرّة جوهرًا ومضمونًا، وإن تجدّدت مظهرًا وشكلًا، بالتسربل بأردية منظمات عالمية تزعم النزاهة التكنوقراطية والحياد الكوزموبوليتاني.

المساهمون