المخاطر الجيوسياسية تعيد خلط أوراق النفط والدولار حول العالم
استمع إلى الملخص
- رغم ارتفاع الأسعار، لا تزال هناك وفرة في المعروض العالمي، مع زيادة المخزونات المتوقعة، وتواجه الإمدادات من إيران وروسيا وفنزويلا تحديات بسبب العقوبات.
- تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل نفوذ روسيا والصين في أمريكا اللاتينية، حيث تعزز الصين وجودها الاقتصادي، بينما تحاول إدارة ترامب تعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة.
أدّت المخاطر والتوترات الجيوسياسية المتزامنة في فنزويلا وإيران ومنطقة البحر الأسود إلى دفع أسعار النفط نحو أعلى مستوياتها في ثلاثة أشهر، ما زاد من تعقيد المشهد أمام المستثمرين، رغم استمرار فائض المعروض العالمي. فقد بدأ خام برنت العام عند حدود 61 دولاراً للبرميل، قبل أن يتراجع إلى ما دون 60 دولاراً، إثر الصدمة التي أحدثها إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب
إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.وعكس هذا التراجع رهانات سادت الأسواق على تحرك أميركي سريع لإعادة تشغيل إنتاج النفط وصادراته في دولة تمتلك أكبر احتياطيات مؤكدة في العالم. إلا أن غياب تفاصيل واضحة حول الخطط الأميركية، ومع تسرّب معلومات متفرقة لاحقاً، دفع المتعاملين إلى التخفيف من حدة تشاؤمهم، بحسب ما نقلته وكالة رويترز. وسرعان ما تحوّل المسار مع اندلاع احتجاجات في إيران وتهديدات ترامب بالتدخل دعماً للمتظاهرين، ما أسهم في ارتفاع أسعار النفط بنحو 9% خلال أسبوع واحد، لتتجاوز 66 دولاراً للبرميل.
وتفاقمت المخاوف مع هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت ناقلتي نفط في البحر الأسود، إحداهما مستأجرة من شركة شيفرون الأميركية، في أثناء توجههما إلى محطة ساحلية روسية تُعد منفذاً رئيسياً لصادرات الخام الكازاخستاني.
ولم تُعرف بعد الجهات المسؤولة عن الهجمات، التي جاءت عقب مصادرة الولايات المتحدة سفينة روسية في المحيط الأطلسي، ما زاد من احتمالات اتساع دائرة الصراع لتشمل إمدادات إضافية من النفط. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الصادرات المشتركة من فنزويلا وإيران ومنطقة البحر الأسود، والتي بلغت نحو 4.6 ملايين برميل يومياً في عام 2025، أي ما يقارب 4.5% من الإمدادات العالمية.
هرمز في صدارة المخاطر
تبقى إيران العامل الأكثر حساسية في هذا المشهد، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية تهديد حركة النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله قرابة 20% من شحنات النفط والغاز العالمية. ومع ذلك، يُستبعد أن تلجأ طهران إلى إغلاق المضيق، نظراً إلى ما قد يسببه ذلك من توقف صادراتها النفطية واستفزاز رد عسكري سريع من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وهو ما يبدو أنه كان جزءاً من حسابات طهران خلال حربها القصيرة مع إسرائيل العام الماضي.
غير أن إيران تملك بدائل أخرى، من بينها استهداف مصالح واشنطن في المنطقة أو حلفائها. ففي حين لم يكن للهجوم الإيراني على قاعدة أميركية في قطر في يونيو/ حزيران أثر يُذكر على الأسعار آنذاك، قد يفضي تكرار مثل هذا الحدث في الظروف الحالية إلى رد فعل مختلف تماماً في الأسواق. ويستحضر المتعاملون في هذا السياق هجوم عام 2019 على منشأة بقيق السعودية، الذي عطّل نحو 5% من الإمدادات العالمية لأسابيع وأشعل قفزة حادة في الأسعار.
فائض معروض رغم التوترات
وعلى الرغم من الارتفاع السريع في الأسعار خلال فترة وجيزة، لا تزال أسعار النفط تتحرك ضمن نطاق محدود نسبياً مقارنة بالسنوات الماضية. ويعود ذلك إلى أن موجة التوترات الجيوسياسية في عام 2026 تتزامن مع مؤشرات قوية على نمو المعروض العالمي بوتيرة قد تتجاوز الطلب في المرحلة المقبلة. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى احتمال ارتفاع المخزونات العالمية بمعدل 2.8 ملايين برميل يومياً خلال عام 2026. كما أظهرت بيانات حديثة ارتفاع كميات النفط المنقولة بحراً إلى نحو 1.3 مليار برميل، وهو أعلى مستوى منذ منتصف عام 2020، حين تراجع الاستهلاك العالمي بشدة بسبب تداعيات جائحة كورونا، وفقاً لشركة كبلر المتخصصة في تحليلات الشحن والطاقة.
ويعود نحو ربع هذه الكميات إلى إيران وروسيا وفنزويلا، وهي إمدادات تخضع للعقوبات وتحتاج إلى وقت أطول لإيجاد مشترين. ومع ذلك، تبقى المستويات مرتفعة، وسط مؤشرات أولية على تنامي المخزونات البرية من النفط الخام والمنتجات المكررة. ويزيد المشهد تعقيداً أن منحنيات الأسعار لا تعكس توقعات بتراكم كبير في المخزونات، إذ تحولت أسعار خام برنت الفورية إلى نمط "التراجع السعري" (Backwardation)، حيث تفوق أسعار التسليم القريب نظيرتها الآجلة. وعلى النقيض من ذلك، يتطلب التخزين المجدي حالة "الكونتانغو"، حين تكون الأسعار الآجلة أعلى من الفورية.
ويعكس هذا التناقض استمرار الضبابية المرتبطة بما يُعرف بـ"أسطول الظل" الذي ينقل النفط الخاضع للعقوبات، إضافة إلى محدودية الشفافية في بيانات التخزين الصينية. وفي ظل تشابك هذه العوامل مع تطورات سياسية متسارعة في ثلاث مناطق رئيسية مصدّرة للنفط، يرجّح أن تبقى الأسعار محصورة ضمن نطاق محدد إلى أن تتضح الاتجاهات الكبرى للأسواق.
أميركا اللاتينية في قلب الصراع الجيو-اقتصادي
في موازاة ذلك، قد تشكّل إطاحة نيكولاس مادورو نقطة انطلاق لمحاولة أميركية أوسع لإعادة رسم المشهد الجيو-اقتصادي في أميركا اللاتينية، بما يحد من قدرة روسيا والصين على استخدام المنطقة ورقةَ ضغطٍ في أسواق السلع العالمية. وفي هذا الإطار، تبرز أميركا الوسطى مرشحاً محتملاً ليكون الحلقة التالية في هذا التحول. وتتمتع المنطقة بأهمية استراتيجية بالغة، كونها ممراً رئيسياً للتجارة القانونية وغير القانونية، بفضل قربها من طرق الشحن العالمية ومراكز العبور الحيوية، وعلى رأسها قناة بنما، التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الحاويات الأميركية والتجارة العالمية، إضافة إلى طرق البحر الكاريبي وموانئ الساحل الغربي في المكسيك وغواتيمالا وكوستاريكا، المستخدمة في حركة الشحن نحو آسيا.
وتستفيد روسيا من هذه الجغرافيا عبر تشغيل أسطول ظل يضم سفناً متقادمة ذات ملكية غير شفافة تعمل خارج منظومة التأمين الغربية، ما يسمح بنقل النفط والمنتجات المكررة الخاضعة للعقوبات عبر الكاريبي وقناة بنما وصولاً إلى خليج المكسيك، وهو ما يضعف الجهود الغربية الرامية إلى تقييد تمويل موسكو لحربها في أوكرانيا. وتشير تقديرات مركز دراسة الديمقراطية إلى أن شركات واجهة مسجلة هناك تسيطر على أصول روسية تقدر بنحو 70 مليار دولار.
في المقابل، تواصل الصين تعزيز موقعها قوةً اقتصاديةً مهيمنة في أميركا اللاتينية، مستفيدة من استثمارات الحزام والطريق ونقل التكنولوجيا والتمويل، التي تفوق بكثير الاستثمارات الروسية، بل تنافس الأميركية أيضاً. وقد عززت بكين حضورها عبر اتفاقات تجارية وقطاعية، ما جعلها مورداً رئيسياً للتكنولوجيا والمعدات الصناعية ووسائل النقل والسلع الاستهلاكية.
ورغم أن الاستثمارات الأميركية المباشرة في المنطقة لا تزال الأعلى، بقيمة تقارب 1.4 تريليون دولار، قلّصت الاتفاقات الاستراتيجية التي عقدتها دول المنطقة مع موسكو وبكين فرصَ دخولِ الشركات الغربية إلى قطاعات يُتوقع أن تشكل مستقبل التنمية الاقتصادية في نصف الكرة الغربي. وتسعى إدارة ترامب، عبر ما يُعرف بـ"مبدأ دونرو"، إلى قلب هذا الواقع.
تحولات سوق النفط الإقليمي
لطالما استخدمت فنزويلا ثروتها النفطية لدعم حلفائها الإقليميين، من كوبا إلى نيكاراغوا، بدعم روسي مباشر، إذ تغطي فنزويلا وروسيا أكثر من 60% من احتياجات كوبا النفطية بكلفة منخفضة، ما حوّل الطاقة إلى أداة ضغط جيوسياسي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الكوبي نقصاً مزمناً في الكهرباء والوقود. وعلى مستوى أسواق السلع، يُتوقع أن يكون أثر الانخراط الأميركي المتزايد في المنطقة غير مباشر في المدى القصير، من خلال تشديد الرقابة على الشحن والتأمين وإعادة تسجيل السفن، وهو ما يرفع تكاليف التداول ويقيد تدفقات النفط الخاضع للعقوبات، وفقاً لـ"رويترز".
وفي المقابل، قد يزداد الاعتماد على مصافي ساحل الخليج الأميركي لتعويض أي نقص في الإمدادات. كما أن إعادة إدماج فنزويلا في سوق النفط العالمية تحت إشراف أميركي قد تؤدي إلى تراجع حصص دول مصدّرة مثل المكسيك والإكوادور وكولومبيا، التي استفادت خلال العقد الماضي من تدهور الإنتاج الفنزويلي.