المصارف البريطانية يعتريها القلق مع توجّه الحكومة لفرض ضريبة جديدة عليها

31 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 18:12 (توقيت القدس)
الحي المالي في لندن، إنكلترا، 6 سبتمبر 2025 (ألكسندر سباتاري/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد المصارف البريطانية قلقًا متزايدًا مع اقتراب موعد الموازنة العامة، وسط توقعات برفع الضرائب على المصارف الكبرى لسد العجز المالي الذي قد يتجاوز 20 مليار جنيه إسترليني.
- الحكومة تبحث عن مصادر تمويل جديدة دون المساس بضرائب الدخل أو ضريبة القيمة المضافة، مع احتمالية رفع الضريبة على أرباح المصارف الكبرى بشكل طفيف ولمدة محدودة.
- تواجه حكومة العمال تحديًا بين الحاجة إلى موارد مالية جديدة والحفاظ على جاذبية لندن كمركز مالي عالمي، وسط ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة.

تشهد أوساط المصارف البريطانية في لندن حالة غير مسبوقة من القلق مع اقتراب موعد الموازنة العامة البريطانية في 26 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وسط تزايد التوقعات بأن تتجه حكومة حزب العمال برئاسة وزيرة المال رايتشل ريفز نحو رفع الضرائب المفروضة على المصارف الكبرى، في محاولة لسدّ العجز المتنامي في المالية العامة. وبحسب تقرير نشرته بلومبيرغ اليوم الجمعة، فإنّ كبار التنفيذيين في المصارف البريطانية، إلى جانب ممثلي المصارف الأميركية العاملة في العاصمة البريطانية، أصبحوا أكثر اقتناعاً بأن الحكومة تستعد لإعادة النظر في ما يُعرف بـ"الضريبة الإضافية على أرباح المصارف" (Bank Surcharge)، التي خفّضتها حكومة المحافظين قبل عامين من 8% إلى 3%.

وعلى الرغم من تأكيدات حكومة العمال المتكرّرة بأن الضرائب على القطاع المالي لن ترتفع، فإن الشكوك تتزايد في أوساط المصارف الكبرى مثل باركليز وإتش إس بي سي ولويدز ونات ويست، حيث يتوقّع كثيرون أن تضطر الحكومة إلى تعديل سياساتها الضريبية تحت ضغط الواقع المالي. وتشير مصادر مطلعة تحدّثت لـبلومبيرغ إلى أنّ بعض المسؤولين الحكوميين يرون في المصارف "هدفاً سهلاً" لزيادة الإيرادات، نظراً لتراجع شعبيتها لدى الرأي العام البريطاني منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ويأتي هذا التوجّه في وقت تواجه فيه الحكومة عجزاً مالياً متزايداً قد يتجاوز 20 مليار جنيه إسترليني، وفق تقديرات مكتب المسؤولية المالية البريطاني. وتشير تقارير إلى أنّ العودة إلى نسبة الـ8% السابقة في الضريبة المصرفية يمكن أن تؤمّن للخزانة العامة نحو 8 مليارات جنيه خلال أربع سنوات. (الجنيه الإسترليني= 1.33 دولار أميركي).

المصارف البريطانية بين الأرباح وشبح الاستهداف

المفارقة أنّ المصارف البريطانية، التي خضعت لسنوات من التشديد التنظيمي بعد أزمة 2008، تعيش اليوم واحدة من أكثر مراحلها ربحية منذ عقد ونصف. فقد استفادت من ارتفاع أسعار الفائدة عبر ما يُعرف بـ"التحوّط الهيكلي" (Structural Hedge)، وهو نظام يتيح تقليل تأثير تقلبات أسعار الفائدة على العوائد. لكن هذه الأرباح القياسية نفسها جعلت المصارف هدفاً سياسياً مغرياً لحكومة تبحث عن مصادر تمويل جديدة دون أن تمسّ ضرائب الدخل أو ضريبة القيمة المضافة، التي سبق لرئيس الوزراء كير ستارمر أن وعد بعدم رفعها خلال حملته الانتخابية.

وتشير بعض التسريبات إلى أنّ ريفز قد تعتمد حلاً وسطاً يقوم على رفع الضريبة بنسبة طفيفة (نحو نقطتين مئويتين) ولمدة محدودة، تستهدف فقط المصارف الكبرى، مع إعفاء المصارف المتوسطة والمتخصّصة التي تساهم في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة. وقد يشمل ذلك رفع العتبة الخاضعة للضريبة من 100 مليون إلى 300 مليون جنيه من الأرباح السنوية. ولا يقتصر القلق على المصارف فحسب، بل يمتد إلى المستثمرين ومديري الصناديق الذين يرون أن عدم وضوح السياسة الضريبية يضعف جاذبية القطاع المالي البريطاني مقارنة بمراكز أخرى في أوروبا.

وفي هذا الصدد، قالت مديرة الصناديق في مجموعة راثبونز، ألكسندرا جاكسون، في حديث لبلومبيرغ إنها فضّلت الامتناع عن المشاركة في الطرح الأولي الأخير لمصرف شوبروك المتخصّص، بانتظار اتّضاح الموقف من الموازنة والضرائب على البنوك.

وفي الاتجاه ذاته، حذّر المدير المالي لمصرف لويدز، وليام تشالمرز، من أنّ أي تغييرات غير متوقعة في النظام الضريبي قد تزعزع الاستقرار وتؤثر سلبًا في مساهمة القطاع المصرفي في دعم الاقتصاد الوطني. وقال خلال مؤتمر إعلان الأرباح في 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري: "نحن من كبار المساهمين في الإيرادات الضريبية للدولة، ونعتبر أنّ استقرار النظام الضريبي وتنافسيته شرط أساسي لازدهار الخدمات المالية في المملكة المتحدة، وبالتالي لازدهار الاقتصاد كله".

خيارات محدودة أمام الحكومة البريطانية

هذا ويرى محللون أنّ حكومة العمال تجد نفسها أمام معادلة معقّدة. فمن جهة، الحاجة إلى موارد مالية جديدة لتغطية الإنفاق العام المتزايد، ومن جهة أخرى، رغبتها في الحفاظ على جاذبية لندن مركزا ماليا عالميا. وقد بذلت ريفز منذ تولّيها وزارة المالية جهوداً لتأكيد دعمها لمدينة لندن، من خلال ما عُرف بـ"إصلاحات ليدز" التي هدفت إلى تقليص البيروقراطية وتشجيع الاستثمار. غير أنّ الضغوط الاقتصادية والسياسية قد تدفعها لاتخاذ قرارات لا تحظى بترحيب القطاع المالي.

في المقابل، يرى البعض أنّ الحكومة الجديدة قد لا تملك رفاهية الوقت، إذ يتوقّع أن يصدر مكتب المسؤولية المالية في مراجعته المقبلة توقعات أقل تفاؤلاً بشأن الإنتاجية والنمو، ما يعني تقلّص هامش المناورة أمام ريفز واضطرارها للبحث عن موارد سريعة. وإلى جانب الضغوط المالية، تواجه حكومة العمال منافسة سياسية متصاعدة من حزب الإصلاح البريطاني (Reform UK) بزعامة نايجل فاراج ونائبه ريتشارد تايس، اللذين يسعيان إلى توطيد علاقاتهما بالقطاع المالي عبر اجتماعات متكرّرة مع رجال الأعمال.

وفي هذا السياق، تستعد جمعية الاستثمار البريطانية لعقد لقاء مع تايس الشهر المقبل، في محاولة لقياس توجّهات الحزب الذي يتقدّم في بعض استطلاعات الرأي، رغم امتناع كبار مديري شركات إدارة الأصول الكبرى مثل بلاك روك وشرودرز و"إم أند جي" (M&G) عن الحضور لأسباب تنظيمية. ويرى الرئيس التنفيذي للجمعية كريس كامينغز أنّ الحلّ لا يكمن في زيادة الضرائب بل في تحفيز النمو، قائلاً في تصريحات لراديو بلومبيرغ: "على المملكة المتحدة أن تنمو لتصل إلى ازدهار أكبر. المزيد من الضرائب لن يحقق ذلك، بل سيزيد الضغط على الاستثمار وفرص العمل".

المساهمون