الهدنة تُعيد الأمل للاقتصاد الأردني... وآثار الحرب متواصلة
- اتخذت الحكومة الأردنية إجراءات استثنائية مثل دعم القطاعات المتضررة وتوفير سيولة إضافية عبر البنك المركزي، مما ساعد في احتواء التداعيات الاقتصادية.
- رغم الهدنة وتهدئة التوتر في أسواق الطاقة، يتوقع استمرار تأثير الأزمة على الأسعار والمالية العامة، لكن عودة الإمدادات تدريجياً قد تخفف الضغط الاقتصادي.
يترقّب الأردنيون بقدر كبير من الحذر والأمل تداعيات وقف الحرب في المنطقة، وسط توقعات بأن ينعكس هذا التطور إيجاباً على الاقتصاد الأردني، الذي تأثر بصورة مباشرة بحالة عدم الاستقرار الإقليمي، وما رافقها من اضطرابات في الطاقة والتجارة والسياحة والاستثمار.
ففي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج في الطاقة والتمويل وحركة التجارة، لم يكن الأردن بعيداً عن ارتدادات الحرب، بل وجد نفسه في قلب اختبار اقتصادي صعب فرضته الجغرافيا والارتباط الوثيق باقتصادات المنطقة.
وبينما يراهن كثيرون على أن الهدنة قد تفتح نافذة انفراجة تدريجية، يحذر خبراء من أن كلفة ما جرى لن تتلاشى بمجرد توقف التصعيد، وأن آثارها ستبقى حاضرة في الأسعار، والمالية العامة، وقرارات الاستثمار، وربما في توقعات النمو نفسها.
ولا يقتصر الأثر المتوقع للهدنة على الطاقة فقط، بل يمتد بوضوح إلى قطاع السياحة، الذي تلقى ضربة قوية بفعل المخاوف الأمنية وتراجع قرارات السفر إلى المنطقة، خاصة أن هذا القطاع أحد أبرز مصادر الدخل بالعملات الأجنبية في الأردن، وبالتالي فإن تحسن المشهد الأمني من شأنه أن يعيد الثقة تدريجياً لدى السياح وشركات السفر.
كما تأثرت القدرة الشرائية للمواطنين خلال فترة التصعيد، إذ اتجهت كثير من الأسر إلى ترشيد الإنفاق، والتركيز على السلع الأساسية، خشية ارتفاعات إضافية في الأسعار، فيما اضطرت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية للتعامل مع تداعيات الأزمة، شملت تحمّل كلف إضافية مرتبطة بالطاقة، ودعم بعض القطاعات المتضررة.
وقال الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، إن الحرب لم تترك دولة في العالم بمنأى عن تداعياتها، مشيراً إلى أن الأردن كان في قلب الأحداث، بحكم موقعه الجغرافي، وارتباطه المباشر باقتصادات المنطقة.
وأوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدّر أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط كبّد الاقتصادات العربية خلال الشهر الأول فقط خسائر تقارب 198 مليار دولار، تركزت الحصة الأكبر منها في منطقة مجلس التعاون الخليجي بنحو 160 مليار دولار.
وأشار عايش إلى أن التقديرات أظهرت أيضاً أن منطقتي الخليج والمشرق قد تخسران ما بين 5.2% و8.7% من الناتج المحلي الإجمالي، كلّ بحسب درجة تعرّضه لتداعيات الحرب.
وبالنسبة للأردن، أوضح أن كلفة الطاقة كانت من أبرز أوجه الضغط على الاقتصاد الأردني، بعدما ارتفعت فاتورة المستوردات، وانعكس ذلك على أسعار المشتقات النفطية، التي زادت بنسب تراوحت بين 11% و14%، رغم أن الزيادة الفعلية، كان يمكن أن تصل إلى ما بين 25% و30% لولا تدخلات حكومية.
وأضاف أن توقف إمدادات الغاز رفع الكلفة اليومية لاستخدام الوقود الثقيل إلى ما بين 2.5 مليون دينار (3.5 ملايين دولار) و3 ملايين دينار (4.2 ملايين دولار) يومياً، فيما قدّرت الخسائر السريعة الناتجة عن هذا التوقف بما يتراوح بين 80 مليون دينار (112 مليون دولار) و100 مليون دينار أردني (140 مليون دولار).
وفي السياحة، تبدو الصورة أكثر قسوة. فحسب عايش، يبلغ متوسط الدخل السياحي الشهري في الأردن نحو 550 مليون دولار، لكن الخسائر خلال ذروة الأزمة قاربت 80% إلى 100%، ما يعني أن القطاع فقد شهرياً ما لا يقل عن 400 مليون دولار، وقد ترتفع الخسائر إلى نحو 500 مليون دولار، عند احتساب تأثير الأيام الماضية من الشهر الحالي.
ولا يتوقف الأثر، حسب عايش، عند الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى النمو الاقتصادي المتوقع، في وقت كانت الحكومة تراهن على مؤشرات مختلفة مع بداية العام وبعد إقرار الموازنة، فالحرب، أعادت تشكيل المزاج الاقتصادي العام، ورفعت منسوب الترقب، وأضعفت شهية الإنفاق، وأربكت التوقعات التي بُنيت عليها الحسابات الرسمية السابقة.
ورأى عايش أن الأردن أدار الأزمة الاقتصادية بدرجة من الهدوء والمرونة، مستفيداً من توفّر مخزونات كافية من الطاقة والغاز والغذاء، ومن سرعة التحرك الرسمي لاحتواء التداعيات.
وفي هذا السياق، يشير إلى الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي الأردني، التي أتاحت سيولة إضافية بنحو 760 مليون دينار أردني (1.07 مليار دولار) في السوق، عبر خفض الاحتياطي الإلزامي للبنوك بما يقارب 300 مليون دينار (420 مليون دولار)، وتقليص شهادات الإيداع بما حرر نحو 400 مليون دينار (560 مليون دولار)، إضافة إلى حزمة دعم بقيمة 60 مليون دينار للغذاء والبرامج السياحية.
وأضاف قائلاً: "هناك خسائر معلنة وأخرى مستترة، لن تظهر كلها دفعة واحدة، بل ستتكشف تدريجياً في مؤشرات الأسعار، وكلف الإنتاج، ومستويات التضخم، وحتى في هوامش المناورة أمام السياسة النقدية، بما في ذلك صعوبة خفض أسعار الفائدة في المدى القريب".
من جهته، قال الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي، لـ"العربي الجديد"، إن الهدنة الأخيرة ساعدت على تهدئة جزء من التوتر في أسواق الطاقة العالمية، ما دفع أسعار النفط إلى التراجع إلى ما دون 100 دولار للبرميل، لكن هذا لا يعني أن المستهلك الأردني سيلمس انعكاساً فورياً على الأسعار.
وأوضح الشوبكي أن آلية التسعير المحلية تعتمد على متوسطات زمنية شهرية، كما أن جزءاً من الارتفاع السابق لم يُمرر بالكامل بعد، ما يعني أن السوق المحلية قد تحتاج إلى عدة أشهر قبل أن تعكس أي انخفاض مستدام في الأسعار العالمية، خصوصاً إذا استمرت حالة التذبذب وعدم اليقين.
ووفق الشوبكي، فإن الأردن تحمّل خلال الأسابيع الماضية كلفة إضافية مرتفعة نتيجة انقطاع غاز الأنابيب من حقل ليفاثيان لنحو 34 يوماً، ما اضطره إلى العودة لاستخدام الوقود الثقيل والديزل في توليد الكهرباء، إلى جانب شراء شحنة غاز بعقد فوري، وهي بدائل أعلى كلفة بشكل واضح، فالكلفة اليومية لهذه البدائل تجاوزت مليوني دينار أردني يومياً (2.8 مليون دولار)، وهو ما انعكس مباشرة على الأوضاع العامة، ولم يبق محصوراً في قطاع الطاقة، بل امتد إلى الصناعة والنقل وكلف التشغيل، وضغط على هوامش الربحية في عدد من القطاعات، وترك أثراً واضحاً بالأسعار والتضخم.
ورأى خبير الطاقة أن عودة الإمدادات تدريجياً وهدوء الأسواق العالمية سيخففان حتماً من حجم الضغط، "لكن ما جرى دفعه خلال الأزمة لن يختفي ببساطة، لأن جزءاً من الكلفة أصبح واقعاً مالياً لا يمكن التراجع عنه.