انهيار مالي صامت يضرب ألمانيا.. كيف دفع ميرز البلديات نحو الإفلاس؟

25 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:33 (توقيت القدس)
ميرز خلال المناظرة الأخيرة في برلين، 19 فبراير 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه ألمانيا أزمة مالية حادة تهدد البلديات بالإفلاس التقني بسبب سياسة التقشف الحكومية، مما يعكس خللاً هيكلياً في إدارة المالية العامة وسط ارتفاع تكاليف الرفاه الاجتماعي وتباطؤ الصناعة.

- حذر اتحاد المدن والبلديات من عجز مالي تجاوز 30 مليار يورو، حيث تنفذ البلديات 70% من مهام الدولة محلياً لكنها تحصل فقط على 15% من الإيرادات، مما يهدد استقلالها وقدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.

- تؤثر الأزمة المالية للبلديات على الاقتصاد الألماني، حيث يعيق تراجع الاستثمار في البنية التحتية التحول الطاقي والرقمي، مما يؤدي إلى تباطؤ النمو الألماني ويؤثر على المناخ السياسي داخل الاتحاد الأوروبي.

تواجه ألمانيا أزمة مالية غير مسبوقة تضرب أساس بنيتها الإدارية، بعدما كشفت بيانات جديدة أن معظم البلديات الألمانية أصبحت تقنياً في حالة إفلاس، في وقت تواصل فيه الحكومة الفيدرالية بقيادة المستشار فريدريش ميرز تبني سياسة تقشفية قاسية تحمّل الإدارات المحلية أعباءً متزايدة دون توفير الموارد اللازمة. ولا تعكس الأزمة التي تتسع يوماً بعد يوم تراجع النموذج الألماني الذي لطالما قدم كقدوة أوروبية فقط، بل تظهر أيضاً خللاً هيكلياً عميقاً في إدارة المالية العامة، وسط انفجار تكاليف الرفاه الاجتماعي، وتداعيات أزمة الهجرة، وتباطؤ الصناعة، وتقلص القاعدة الضريبية التي تعتمد عليها المدن في تمويل خدماتها.

وحذر اتحاد المدن والبلديات الألمانية (DStGB) في بيان رسمي صدر في 11 نوفمبر الجاري من أن البلديات الألمانية أصبحت على حافة الانهيار المالي، وأن قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية تتراجع بوتيرة خطيرة، مؤكداً أن مبدأ من يفرض مهمة يدفع تكلفتها لم يعد يطبق، وأن الحكومات الفيدرالية والولائية تحمل البلديات أعباءً مالية جديدة دون توفير تمويل موازٍ. وقال رئيس الاتحاد رالف شبيغلر والأمين العام أندريه بيرغهيغر، خلال عرضهما تقريراً قانونياً جديداً في مؤتمر صحافي ببرلين، إن الحماية الدستورية المفترضة للبلديات لا تحترم، وإن البلديات تكاد تدفع نحو الانهيار بسبب تكاليف مفروضة خارجياً دون تعويض مالي.

حفرة مالية

وتشير البيانات إلى أن البلديات سجلت في العام الحالي 2025 عجزاً تجاوز 30 مليار يورو، مقارنة بـ24 مليار يورو في العام السابق، بينما يؤكد اتحاد البلديات أن 70% من مهام الدولة تنفذ محلياً، فيما لا تحصل البلديات إلا على 15% فقط من مجموع الإيرادات العامة، وهو ما وصفه الاتحاد بأنه اختلال دستوري صريح يهدد استقلال المدن وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية، لافتاً إلى أن النفقات الاجتماعية خلال 20 عاماً تصل إلى 80 مليار يورو سنوياً. وقال موقع "شيناري إكونوميشي" الإيطالي إن هذه الأرقام تمثل حفرة مالية تتسع يوماً بعد يوم، بينما تتراجع الصناعة وتتآكل الإيرادات الضريبية، في إشارة إلى نزع التصنيع وتباطؤ النمو الذي يضرب البلاد منذ عامين على الأقل.

ونقلت صحيفة "تسايت" الألمانية عن باحثين في المالية العامة قولهم إن الأزمة لم تعد ظرفية أو إدارية، بل هي انهيار هيكلي سببه اجتماع ثلاثة عوامل قاتلة، أولها تراجع القوة الضريبية، وثانيها انسحاب الحكومة المركزية وحكومات الولايات من تمويل المهام المقررة قانوناً على البلديات، وثالثها انفجار النفقات الاجتماعية خلال العامين الأخيرين بمقدار يزيد على 16 مليار يورو. وأوضح الباحثون أن بلديات الشرق الألماني تعيش وضعاً أكثر قسوة من بلديات الغرب، إذ تملك البلدية الغربية قوة ضريبية تفوق نظيرتها الشرقية بقرابة النصف، ما يخلق مجتمعاً بلدياً من درجتين، وفق تعبير الباحث ماريو هسه، الذي أكد أن البلديات الشرقية تحاول إدارة واقعها بموارد أقل، وبيروقراطية أعلى، واعتماد شبه كامل على المنح الخارجية، الأمر الذي يجعلها عاجزة عن الاستثمار ويزيد حالة التدهور في الخدمات الأساسية.

البلديات تدفع الثمن

وأشار الباحثون إلى أن البلديات دفعت ثمن قرارات مركزية لم تشارك في صياغتها، لكنها مطالبة بتنفيذها بموارد غير كافية، ما أدى إلى فجوة مالية مستمرة بين الإيرادات والالتزامات، لافتين إلى أن البلديات الشرقية تعتمد على المنح الخارجية لتمويل ثلثي مشروعاتها تقريباً، بينما تستطيع البلديات الغربية تمويل ما يصل إلى ثلث مشروعاتها من دون أي منح. ويؤدي هذا الاعتماد البنيوي إلى شلل إداري، فكل مشروع يحتاج إلى طلبات وأدلة وإجراءات تحقق طويلة تستهلك وقت البلديات ومواردها، وتعرقل قدرتها على اتخاذ قرارات سريعة أو تنفيذ مشاريع عاجلة. وهذه الشبكة من التكاليف الإلزامية، وانهيار الإيرادات، وبنية التمويل المختلة، هي ما قاد إلى الانهيار الحالي، وفق الباحثين.

وتعدّ النفقات الاجتماعية المحرك الأول للعجز، وقال الاتحاد إن البلديات تُلزَم قانونياً بتقديم خدمات الرعاية، والإيواء، والدعم الأسري، والتعليم المبكر، دون أن تحصل على التمويل الكافي من حكومات الولايات أو الحكومة الاتحادية، ما يجعل هذه الخدمات تبتلع الجزء الأكبر من الميزانيات المحلية. ويشير تقرير الموقع الإيطالي إلى أن البلديات الكبرى باتت تخصص معظم ميزانياتها لسداد الرواتب وتقديم الحد الأدنى من الرعاية الاجتماعية، بينما تتوقف مشروعات الصيانة، وتجمد الاستثمارات، ويعطل تطوير المرافق العامة. 

ويؤكد التقرير أن هذا التقشف المفروض لا يمكن أن يستمر دون تأثير مباشر بالحياة اليومية للمواطنين. كذلك أدى إلى التراجع الحاد في الإيرادات الناتجة من الضرائب المرتبطة بالأنشطة الإنتاجية والخدمات، فيما أشارت "تسايت" إلى أن عدداً من مناطق الشرق الألماني تعتمد على صناعات غير مستقرة ومرتبطة بمراكزها الرئيسية في الغرب، ما يجعلها أول من يتعرض لخفض العمالة أو تحويل الاستثمارات عند أول أزمة اقتصادية. وتضيف الصحيفة الألمانية أن هذه المناطق تعاني من ضعف في الدخل الفردي مقارنة بالغرب، ما يؤدي إلى حصيلة أقل من الضرائب على الدخل، وهو ما يضاعف العجز المالي. ومع كل هذا، تظل البلديات ملزمة بالإنفاق على الخدمات الأساسية دون قدرة على رفع الضرائب أو خفض الالتزامات القانونية، ما يجعل الأزمة تتفاقم مع كل دورة اقتصادية.

تداعيات الأزمة

وأشار "شيناري إكونوميشي"، إلى أن انهيار البلديات يعني انهيار الطبقة الأولى من البنية الإدارية التي يقوم عليها الاقتصاد الألماني، إذ تعتمد الصناعة وسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية على البلديات في إدارة الطرق، والإنارة، والتراخيص، والبنية التحتية الأساسية. وعندما تصبح البلديات عاجزة عن الاستثمار أو الصيانة -كما يحدث الآن- ينخفض مستوى الخدمات وينعكس ذلك مباشرة على الشركات والمستثمرين، موضحاً أن هذا الانكماش المحلي المتقاطع يخنق النمو الألماني من جذوره، وفي اقتصاد بحجم ألمانيا يعني ذلك تباطؤاً عاماً يجرّ دول الاتحاد الأوروبي خلفه، بحكم الترابط الشديد داخل السوق الموحدة.

وبحسب "تسايت"، فإن استمرار التراجع المالي للبلديات سيؤدي إلى تراجع القدرة الألمانية على الاستثمار في البنية التحتية الأساسية التي تعد محوراً لاستراتيجية التحول الطاقي والرقمي الأوروبية. فغياب الاستثمارات في الطرق، والاتصالات، والتحول البيئي، سيجعل ألمانيا أقل قدرة على القيام بدورها بكونها محركاً رئيسياً لتخفيض الانبعاثات وتعزيز التنمية الصناعية الخضراء، وهي عناصر تعتمد عليها خطة أوروبا للحياد المناخي. وأشارت الصحيفة إلى أن الفجوة المتسعة بين شرق ألمانيا وغربها قد تتحول إلى أزمة سياسية داخلية تعوق اتخاذ قرارات اقتصادية كبرى على المستوى الاتحادي، ما ينعكس على السياسة الاقتصادية الأوروبية بأكملها. ومع ضعف البلديات، يتراجع الإنفاق على الثقافة، والخدمات الاجتماعية، ودعم الشباب، وهو ما قد يعزز موجات الرفض الشعبي في مناطق واسعة ويؤثر بالمناخ السياسي داخل الاتحاد، خصوصاً في ظل صعود الأحزاب الاحتجاجية.

ويواجه الاقتصاد الألماني في السنوات الأخيرة حالة تباطؤ هي الأكبر منذ الأزمة المالية العالمية، مع تراجع واضح في قطاعات كانت تمثل تاريخياً أعمدة النمو في البلاد. فقد أدى انكماش الصناعة التحويلية، وتراجع الصادرات، وارتفاع تكاليف الطاقة بعد الاضطرابات الجيوسياسية، إلى تقويض قدرة ألمانيا على الحفاظ على نموذجها القائم على الإنتاج الكثيف والتصدير. وتشير البيانات الصادرة عن مراكز أبحاث ألمانية إلى انخفاض الاستثمار الصناعي وارتفاع معدلات إغلاق المصانع الصغيرة والمتوسطة، بينما سجلت البلاد أدنى معدلات نمو في منطقة العملة الموحدة خلال العامين الماضيين. كذلك أدى التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة وسياسات دعم التصنيع داخل دول أخرى إلى منافسة شديدة على الشركات والمواهب، ما دفع العديد من الشركات الكبرى إلى تحويل خطوط إنتاج أو إرجاء توسعات مخططة. وترافقت هذه التطورات مع ارتفاع غير مسبوق في الإنفاق الاجتماعي، وشيخوخة سكانية تضغط على سوق العمل، وتوترات سياسية داخلية تعوق تنفيذ إصلاحات هيكلية.