بريطانيا: جدل حول مشروع قانون حقوق العمال بعد تعديله بشأن الفصل التعسفي

28 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:12 (توقيت القدس)
كير ستارمر أثناء مغادرته داونينغ ستريت، 14 أكتوبر 2025 (رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- طرح حزب العمال البريطاني مشروع قانون "حقوق العمال" الذي يهدف إلى تحسين ظروف العمل، مما أثار مخاوف قطاع الأعمال من تأثيره السلبي على الاستثمارات. استجابت الحكومة بإدخال تعديلات، منها تأجيل حماية العامل من الفصل التعسفي إلى ما بعد ستة أشهر من بدء العمل.

- يتضمن المشروع تغييرات في عقود الساعات الصفرية وتحسين حقوق الإجازة المرضية لذوي الدخل المنخفض، بهدف توفير حماية أكبر للعمال.

- رحبت نقابات العمال بالتغييرات، بينما حذرت اتحادات الأعمال من التكاليف. تسعى الحكومة لتطبيق تدريجي للقانون بدءًا من أبريل 2026 لتحقيق توازن بين حماية العمال وتشجيع التوظيف.

عندما طرح حزب العمال البريطاني مقترح قانون "حقوق العمال" الجديد في بيانه قبل الانتخابات، اعتبره كثيرون أكبر تغير سوف يشهده العمال في جيل كامل، فالمقترح اعتُبر، وحتى بالمقاييس الأوروبية، منصفا للعمال إلى حد كبير، وهو أمر أثار مخاوف قطاع الأعمال، الذي سعى للحشد ضد المسودة الأولى من القانون، محذرا من أنها ستلحق الضرر بالاستثمارات والشركات وتقلل التنافسية في السوق البريطانية.

ويبدو أن الحكومة استمعت لمخاوف أصحاب الأعمال وأدخلت بعض التعديلات في محاولة لطمأنتهم، لكنها أثارت في الوقت نفسه غضب قطاع كبير في صفوف الحزب الحاكم، الذين اعتبروا أن التراجع عن الوعود التي قطعها الحزب لناخبيه هو صورة أخرى من "الإذلال" بعد يوم واحد من إعلان الموازنة التي رأى كثيرون أنها انطوت على تراجع آخر تمثل في تجميد حد الإعفاء الضريبي. 

أهم البنود التي تراجع الحزب عنها هو حماية العامل من الفصل التعسفي منذ اليوم الأول لالتحاقه بالعمل، ليكون هذا الحق ساريا بعد ستة أشهر من بدء الوظيفة، وهي الفترة المعروفة في القانون البريطاني بفترة الاختبار، ويتماشى هذا التعديل مع معظم القوانين المعمول بها أوروبيا، كما يعد تغييرا جوهريا في القانون الراهن الذي لا يوفر تلك الحماية من الفصل التعسفي قبل عامين من الالتحاق بالعمل.

يقر وزراء الحكومة بأنها لجأت إلى "تسوية" لتعديل ذلك البند، مستبعدين تماما كلمة تراجع التي يطلقها المحافظون وبعض النواب اليساريين في الحزب الحاكم. وتقول الحكومة إنها عدّلت مشروع القانون لتجنّب أي تأخير في دخوله حيّز التنفيذ، على أن يبدأ تطبيق بعض التغييرات في إبريل/ نيسان 2026، مع تطبيق المزيد في السنوات التالية. كما تقر الحكومة بأنها أدخلت هذا التعديل لكي تجعل القانون مقبولا لدى أصحاب الأعمال، خاصة مع احتمال تعرضه للرفض من قبل مجلس اللوردات، وهو هيئة برلمانية غير منتخبة، لكنها تتمتع بحق رفض مشاريع القوانين. كما أضافت الحكومة أن الحماية من التمييز من اليوم الأول ستظل قائمة، كما ستدخل الحقوق الجديدة في الإجازة المرضية وإجازة الأبوة من اليوم الأول حيّز التنفيذ في إبريل 2026.

وكانت التعديلات تقترح أيضاً مد فترة اختبار لتصبح تسعة أشهر يمكن خلالها فصل الموظف بسهولة أكبر ومن دون اتباع الإجراءات الكاملة، لكن من المتوقع تغيير هذه المقترحات بعد المشاورات.

تغييرات جوهرية

ورغم أن الخلاف الراهن يتمحور حول حق الحماية من الفصل التعسفي منذ اليوم الأول، إلا أن ذلك لا يقلل من جذرية التغييرات الكبيرة التي يتضمنها المشروع. فبموجبه ستتغير شروط عمل أصحاب عقود الساعات الصفرية، وهي عقود لا تلزم صاحب العمل بتقديم عدد معين من الساعات للعمل، كما أنها تمنح العامل حق رفض العمل إذا طُلب منه ذلك.

التغييرات المطروحة ستلزم الشركات بتقديم عقد بساعات مضمونة للموظف الذي يعمل بعقد ساعات صفرية بناءً على عدد الساعات التي عملها خلال فترة 12 أسبوعاً. وسيُسمح للعاملين الذين يفضلون البقاء على عقود الساعات الصفرية بالاستمرار فيها إذا أرادوا ذلك، لكن الجديد أنهم سيحصلون على حق المطالبة بساعات مضمونة. وسيحصل العاملون أيضاً على إشعار مسبق معقول قبل أي تغيير في نوبات العمل، وكذلك على تعويض إذا أُلغيت نوبتهم أو انتهت مبكراً.

وسيضفي التشريع الجديد، بعد إقراره، صيغة أكثر قانونية للعمل المرن، وهي طريقة في العمل "تلائم احتياجات الموظف" حسب التعريف الحكومي، مثل ساعات متغيرة أو العمل من المنزل. ورغم أن القانون الحالي يمنح الموظف الحق في طلب "العمل المرن" منذ اليوم الأول، إلا أنه يمنح أيضا صاحب العمل رفض الطلب لأسباب تتعلق بمصلحة العمل. ومن المتوقع أن يتضمن التشريع ما يسمح لأصحاب الأعمال برفض منح "العمل المرن" لأسباب تتعلق بالتكاليف الإضافية والتأثير السلبي على جودة العمل.

كما يتضمن المشروع تحسينات جوهرية في ما يتعلق بالحق في الإجازة المرضية لذوي الدخول المنخفضة وحصولهم على إعانة المرض منذ اليوم الأول، في مقابل القانون الحالي الذي لا يحتسبها إلا بعد ثلاثة أيام. ووفقاً للخطة، سيصبح نحو 1.3 مليون عامل من ذوي الدخل المنخفض مؤهلين للحصول على 80% من رواتبهم الأسبوعية خلال الإجازة المرضية من اليوم الأول للمرض. حالياً، يجب أن يكون العامل مريضاً أكثر من ثلاثة أيام وأن يحصل على 123 جنيهاً إسترلينياً أسبوعياً على الأقل ليكون مؤهلاً.

اختلاف المصالح

يثير إعلان الحكومة اعتزامها البدء في التطبيق التدريجي للقانون اعتبارا من إبريل/ نيسان المقبل ردات فعل متباينة بين نقابات العمال وأصحاب الأعمال. حيث ترحب الأولى بالتغييرات التي طال انتظارها، فيما تحذر الأخيرة من التكاليف المصاحبة لتطبيق القانون على الشركات الصغيرة والمتوسطة. وقال بول ناواك، الأمين العام لاتحاد نقابات العمال (TUC)، إن هذه التغييرات "طال انتظارها" وإن الحقوق الجديدة يجب تطبيقها "في أقرب وقت ممكن"، كما أشار في تصريحات لإذاعة “بي بي سي"، صباح اليوم الجمعة، إلى أن نقابات العمال تؤيد التعديلات التي أدخلتها الحكومة على مشروع القانون بهدف الحفاظ على أغلبية المكاسب، وأن المشاورات تجري في جو ديمقراطي، رغم أن الحلول الوسط لن ترضي جميع الأطراف.

أما تينا ماكنزي، رئيسة السياسات في اتحاد الشركات الصغيرة (FSB، فتقول "إن الجدول الزمني يوضح متى ستبدأ موجة التغييرات المربكة في التأثير على أصحاب الأعمال الصغيرة في الأشهر المقبلة". وأضافت أن العديد من الشركات الصغيرة لا تملك فرقاً للموارد البشرية تساعدها على التعامل مع هذه التغييرات. وأضافت: "الوقت يداهمنا الآن. ومن دون الاستماع إلى مقترحات قطاع الأعمال لتحسين هذه الإصلاحات، ستضيف التغييرات المزيد من التعقيد والمخاطرة في عمليات التوظيف الجديدة والوظائف القائمة".

ويرى أليكس فيتش، مدير السياسات في غرفة التجارة البريطانية، أن هناك "مخاطر عالية لحدوث عواقب غير مقصودة قد تحدّ من فرص التوظيف والنمو الاقتصادي". وتقدّر الحكومة أن تنفيذ التدابير الواردة في مشروع القانون قد يكلّف الشركات نحو خمسة مليارات جنيه إسترليني (6.7 مليارات دولار)، وهو ما قال فيتش إنه يأتي بالإضافة إلى الزيادات الأخيرة في مساهمات التأمين الوطني التي يدفعها أصحاب العمل وكذلك الزيادة في الحد الأدنى للأجور.

لكن وزير قطاع الأعمال في الحكومة جوناثان رينولدز قال إن الحكومة ومنذ طرح التشريع "عملت مع شركات من مختلف الأحجام لضمان أن يعمل مشروع القانون لصالحها". وأضاف: "من خلال التطبيق المتدرّج، يوازن نهجنا التعاوني بين حماية العمال بصورة مجدية والواقع العملي لإدارة عمل تجاري ناجح".

ورغم اعتراض عدد من نواب الجناح اليساري في الحزب على التعديلات الأخيرة في مشروع القانون، إلا أن منظمات حقوقية مثل ريزوليوشن فاونديشن، رحبت بها. وقالت المنظمة ذات التوجه اليساري إن "إعلان الحكومة تعديل مشروع قانون حقوق العمل – وذلك بخفض فترة الاستحقاق للحماية من الفصل التعسفي من عامين إلى ستة أشهر، بدلاً من إلغائها بالكامل وإقرار حق الحماية من "اليوم الأول" – يُعد خطوة منطقية من شأنها تسريع تحسين ظروف العمل وتقليل مخاطر عزوف الشركات عن التوظيف". ووصفت المؤسسة هذا التعديل بأنه تغيير مرحّب به، لأنه يحقق التوازن الصحيح بين تعزيز حماية العمال وتشجيع أصحاب العمل على التوظيف.