بعد تصريحات ماكرون... هل تستطيع أوروبا كسر هيمنة الدولار؟
استمع إلى الملخص
- يعمل البنك المركزي الأوروبي على تسهيل الوصول إلى اليورو عبر اتفاقيات إعادة الشراء، لتعزيز استخدامه كعملة للاستثمار والإقراض والتجارة عالمياً، ضمن استراتيجية لمواجهة الولايات المتحدة والصين.
- تسعى المفوضية الأوروبية لتحويل اليورو إلى "درع سيادي" عبر خمسة مسارات استراتيجية، مع تحديات من مصالح السوق والسلطات الوطنية، ومقاومة من دول محافظة مالياً مثل ألمانيا وهولندا.
دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الثلاثاء، قادة الاتحاد الأوروبي إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى تبنّي خيار مالي أوروبي استراتيجي يقوم على توسيع الاستثمار المشترك عبر إصدار ديون أوروبية مشتركة "يوروبوند"، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل أداة ضرورية لتعزيز السيادة الاقتصادية للتكتل وتقليص الاعتماد على الدولار في النظام المالي العالمي. وقال ماكرون لصحف عدّة، منها لوموند وفاينانشال تايمز: "عندما يكون هناك عمل عدواني واضح، أعتقد أن ما يجب أن نفعله ليس الخضوع أو محاولة التوصل إلى تسوية. أعتقد أنّنا جربنا هذه الاستراتيجية على مدى أشهر. وهي ليست ناجحة". وجاء حديث ماكرون بعد نحو أربعة أيام من كشف صحيفة "بوليتيكو" الأميركية عن تفاصيل مذكرة سرية أعدتها المفوضية الأوروبية، جرى تداولها بين نواب وزراء المالية في الاتحاد، تناولت الحاجة إلى إعادة تقييم موقع اليورو في النظام النقدي العالمي في ضوء ما وصفته الوثيقة بتزايد مخاطر تسييس النظام المالي الدولي.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، ناقشت المذكرة مجموعة خيارات لتعزيز الدور الخارجي لليورو، من بينها توسيع إصدار الديون الأوروبية المشتركة لخلق أصول آمنة ذات سيولة عالية، وتشجيع انتشار أدوات مالية رقمية مقوّمة باليورو، إضافة إلى تقوية البنية التحتية للمدفوعات الأوروبية في الاتفاقات التجارية الجديدة. ويشير تزامن تداول الوثيقة السرية مع تصريحات ماكرون العلنية إلى انتقال النقاش من دوائر مغلقة إلى مستوى القيادة السياسية، مع اقتراب قمة قادة الاتحاد الأوروبي المقرر عقدها بعد غد الخميس، ويتوقع أن تبحث التنافسية والاستقلال الاستراتيجي للتكتل. وسط تساؤلات متصاعدة في الأوساط الاقتصادية والمالية حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي يمتلك الأدوات والقدرة المؤسسية الكافية لكسر هيمنة الدولار عالمياً. والجمعة الماضية، قالت وكالة رويترز إن البنك المركزي الأوروبي يعمل على خطة بشروط أكثر سخاء لاتفاقيات إعادة الشراء باليورو، التي تسمح للبنوك المركزية الأجنبية باقتراض اليورو مقابل ضمانات مقومة بالعملة الموحدة، بهدف تعزيز استخدام اليورو عملةً للاستثمار والإقراض والتجارة عالمياً.
وهذه الآلية (المعروفة باسم Eurep التي أنشئت خلال أزمة كوفيد في 2020) متاحة حالياً لثماني دول مجاورة لمنطقة اليورو فقط، منها رومانيا والمجر وألبانيا والجبل الأسود، مع قيود صارمة. وتمثل خطة البنك المركزي الأوروبي، بحسب الوكالة، أحدث عنصر في استراتيجية أوروبية ناشئة لكسب حلفاء تجاريين وسياسيين جدد وتعزيز موقع أوروبا في مواجهة الولايات المتحدة والصين. وستوفر شبكة الأمان التابعة للبنك المركزي الأوروبي للبنوك خارج منطقة اليورو إمكانية الوصول إلى تمويل طارئ باليورو في أوقات الضغوط، كما ستعزّز الحوافز لاستخدام العملة الموحدة. وبموجب الخطة، سيجري خفض سعر الفائدة، وتوحيد القواعد، وتخفيف الحدود القصوى للاقتراض. وتأتي مبادرة البنك المركزي الأوروبي ضمن جهد أوسع تقوده رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد للاستفادة مما وصفته بـ"اللحظة العالمية لليورو"، في وقت أثارت فيه السياسات الاقتصادية الأميركية المتقلبة في عهد الرئيس دونالد ترامب تساؤلات جديدة حول هيمنة الدولار طويلة الأمد.
ويرى اقتصاديون تحدثوا إلى "رويترز" أنّ تسهيل الوصول إلى سيولة باليورو يمكن أن يدعم الاستراتيجية الدولية الأوسع للاتحاد الأوروبي، عبر تكاملها مع اتفاقيات التجارة، مثل الاتفاق المبرم حديثاً مع الهند، وطمأنة المستثمرين بأن الأصول المقوّمة باليورو ستظل سائلة حتى في فترات اضطراب الأسواق. وقال لودوفيك سوبران، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة التأمين الألمانية أليانز: "إلى جانب اتفاقيات التجارة الحرة، فإنّ تقديم تسهيلات إعادة الشراء سيكون خطوة ذكية… إذا أردنا ممارسة دبلوماسية اقتصادية، فهذا يشمل ما يمكننا فعله بشأن اليورو". كما رحب الرئيس التنفيذي لبنك سوسيتيه جنرال الفرنسي، سلافومير كروبا، بالخطوة، واصفاً إياها بأنها أداة "تدعم النمو… ونفوذ منطقتنا". وقالت كيلي إيكهولد، كبيرة الاقتصاديين في ويستباك نيوزيلندا، إن توسيع Eurep قد يكون "فرصة لنيوزيلندا"، مضيفة أن الإدارة الأميركية الحالية أكثر انغلاقاً وقد تكون أقل استعداداً لتوفير سيولة عبر خطوط المقايضة.
لكن البنك المركزي الأوروبي وحكومات منطقة اليورو قد يواجهون أسئلة صعبة مشابهة لما تواجهه الولايات المتحدة منذ عقود: ماذا يحدث إذا واجه المقترضون الأجانب مشاكل في ديونهم باليورو؟ وقال سوبران: "يمكن تصوّر أن هذا سيخلق تساؤلات إضافية حول توفير السيولة لدولة يتعرض فيها بنك تجاري لضغوط". وفي 1971 قال وزير الخزانة الأميركي جون كونالي إنّ الدولار "عملتنا لكنه مشكلتكم"، في إشارة إلى أنه يدار وفق المصالح الأميركية. واليورو عملة حديثة نسبياً أُطلقت قبل 27 عاماً، ولا تدعمها خزينة واحدة أو ضمان موحد للودائع، ولا تزال تحمل ندوب أزمة ديون كادت أن تقضي عليها في أوائل العقد الماضي. وهذا يجعلها، وفق "رويترز" أكثر حساسية لأي أزمة خارجية، خصوصاً في الدول التي تبنّت اليورو من جانب واحد. وقالت ريبيكا كريستي، الباحثة في بروغل: "البنك المركزي الأوروبي محق في الحذر من 'اليوروة'؛ لأن اليورو ليس بعد عملة ناضجة… لا يمتلك جميع أدوات الفيدرالي، ولذلك عليه أن يكون أكثر حذراً بشأن سمعته".
وعلى مدى سنوات، كان الدولار العملة المهيمنة في الأسواق الدولية (الوسيلة المفضلة لدفع ثمن كل شيء من النفط إلى الديون طويلة الأجل). وقد منح ذلك الولايات المتحدة ميزة اقتصادية، فالطلب العالمي على الدولار يعني انخفاض تكاليف الاقتراض، وواردات أرخص، وعدم تحمل تكاليف تحويل العملات في التجارة الدولية، إضافة إلى القدرة على ممارسة نفوذ جيوسياسي. لكن المخاوف تتزايد من أن إدارة أميركية غير متوقعة قد تستخدم الدولار أداة إكراه لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، ولذلك وضعت المفوضية الأوروبية خطة لإزاحة الدولار عن الصدارة، بحسب "بوليتيكو".
ورغم أن تعزيز مكانة اليورو عالمياً هدف قديم لمؤسسات الاتحاد، فإن المذكرة السرية للمفوضية التي وزعت على نواب وزراء المالية الأسبوع الماضي أوضحت أن الأمر لم يعد هدفاً مرغوباً فحسب، بل أصبح مسألة دفاع. وتتمثل الخطة الأوروبية، بحسب المذكرة، في تحويل اليورو إلى "درع سيادي" عبر خمسة مسارات استراتيجية، أولها تعميق الوحدة المالية ومعالجة ندرة الأصول الآمنة عبر إصدار "سندات يورو" مشتركة لمنافسة سندات الخزينة الأمريكية. وثانيها تفعيل "دبلوماسية نقدية" من خلال شبكة الأمان (Eurep) التابعة للبنك المركزي لاستقطاب حلفاء دوليين وتوفير بديل لسيولة الدولار. وثالثاً، اقتحام حلبة العملات المشفرة عبر "اليورو الرقمي" والعملات المستقرة لكسر هيمنة واشنطن التكنولوجية بنسبة 90% على هذا القطاع. ورابعاً، تدويل العملة الموحدة بفرضها في عقود الطاقة والمواد الخام والدفاع لتقليل التبعية القانونية للولايات المتحدة. وخامساً، استغلال "اللحظة العالمية" لعدم استقرار السياسات الأميركية لتقديم أوروبا قطباً مالياً مستقراً، وصولاً إلى بناء نظام نقدي متعدد الأقطاب ينهي حقبة "الامتياز المفرط" للدولار.
وقالت "بوليتيكو" إنّ مقترحات إنشاء سوق استثمار موحّدة موجودة منذ عقد، لكن العقبات مستمرة، أبرزها مصالح اللاعبين في السوق والسلطات الوطنية. ولا يزال الاتحاد يفتقر إلى ضمان أوروبي مشترك للودائع المصرفية بسبب معارضة ألمانيا لتقاسم المخاطر، فيما تعرقل إيطاليا إنشاء شبكة سيولة لإنقاذ البنوك المتعثرة، وأكدت الصحيفة أن إصدار سندات مدعومة من الاتحاد لتشجيع استخدام اليورو يواجه مقاومة من دول محافظة مالياً مثل ألمانيا وهولندا.