استمع إلى الملخص
- أكدت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، على استمرار هيمنة الدولار في الأسواق العالمية بفضل عمق وسيولة أسواق رأس المال الأمريكية، حيث يشكل الدولار أكثر من 50% من المدفوعات العالمية.
- في آسيا، تتجه السياسات نحو تقليل الاعتماد على الدولار، مع توسع استخدام اليوان الإلكتروني في الصين، لكن الدولار يظل مهيمنًا في النظام المالي العالمي، واستبداله سيكون مكلفًا ومعقدًا.
تعطي سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب زخماً لمحاولات الابتعاد عن الدولار بما هو عملة رئيسية في التعاملات الدولية. إذ إن التوتر الحاد ما بين ترامب ودول الاتحاد الأوروبي إثر مساعيه للسيطرة على غرينلاند وقبلها الرسوم الجمركية وحرب التجارة، رفعت صوت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليعلن في مقابلات صحافية نشرت أمس الثلاثاء في عدد من الصحف الأوروبية أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي استحداث وسيلة للاقتراض المشترك، من خلال سندات باليورو على سبيل المثال، لأن ذلك سيساعد في تحدي هيمنة الدولار.
وقال ماكرون لصحف من بينها لوموند وفاينانشال تايمز وغيرها إن أوروبا يجب أن تستعد لمزيد من الصدامات مع الولايات المتحدة وأن تتعامل مع مسألة غرينلاند على أنها جرس إنذار لدفع الإصلاحات الاقتصادية المتأخرة وتعزيز القوة العالمية للتكتل. وقال ماكرون "عندما يكون هناك عمل عدواني واضح، أعتقد أن ما يجب أن نفعله ليس الخضوع أو محاولة التوصل إلى تسوية. أعتقد أننا جربنا هذه الاستراتيجية على مدى أشهر. وهي ليست ناجحة".
وتابع أن أوروبا تتعامل الآن مع إدارة ترامب التي "تعتبر معادية لأوروبا بشكل علني"، و"تظهر ازدراءً" للاتحاد الأوروبي، و"ترغب في تفكيكه". وأضاف "نواجه تسونامي صينيا على الجبهة التجارية، ونواجه عدم استقرار لحظة بلحظة على الجانب الأميركي. هاتان الأزمتان تشكلان صدمة عميقة للأوروبيين".
وحثّ ماكرون نظراءه في الاتحاد الأوروبي على تبني سياسة "المنتجات الأوروبية أولاً" لتفضيل شركات التكتل وتقنياته في القطاعات الاستراتيجية مثل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والمواد الكيميائية. ودعا ماكرون مرة أخرى الاتحاد الأوروبي إلى جمع ديون مشتركة جديدة ضخمة للاستثمار بشكل مشترك في ثلاث "معارك" ابتكارية - الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، وانتقال الطاقة والدفاع حتى يتمكن التكتل من أن يصبح قوة اقتصادية عالمية.
ويواجه الدولار تراجعاً منذ العام الماضي، فقد انخفض مؤشر بلومبيرغ للدولار الفوري، الذي يقيس قيمة الدولار مقابل سلة من عشر عملات رئيسية، بنسبة 8.1% العام الماضي، وهو أكبر انخفاض منذ عام 2017. وخسرت العملة الأميركية 1.3% أخرى في عام 2026. وفي أواخر يناير، انخفض مؤشر بلومبيرغ للدولار إلى أدنى مستوى له منذ مارس 2022.
إلا أنه "لا ينبغي المبالغة في أهمية انخفاض قيمة الدولار خلال العام الماضي، إذ من المرجح أن تحتفظ العملة الأميركية بمكانتها المهيمنة عالمياً"، وفقاً لما صرحت به كريستالينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولي الاثنين. وفي يناير/كانون الثاني، انخفضت قيمة الدولار إلى أدنى مستوى لها منذ ما يقرب من أربع سنوات، لكنها تعافت جزئياً خلال ما يُعرف بـ"الانهيار الناعم" - وهو موجة بيع أسهم شركات التكنولوجيا في أوائل فبراير/شباط.
وقالت جورجيفا، في مقابلة مع تلفزيون بلومبيرغ إنها لا ترى أي تهديد لدور الدولار في النظام العالمي "ينبغي أن ندرس عن كثب سبب الدور المحوري الذي يلعبه الدولار في النظام النقدي الدولي". وأضافت أن هذا الدور مضمون بفضل "عمق أسواق رأس المال وسيولتها في الولايات المتحدة، وحجم اقتصادها".
وإن كان ترامب أثار موجة عداء أوروبية تجاه الدولار، إلا أن الجبهة الآسيوية تبدو أكثر رسوخاً. ووفق "بلومبيرغ" فإن صناع السياسات الآسيويين يستمدون إشاراتهم من تقلبات الأسواق ويخططون لما يبدو أنه تمرد على الدولار. حيث سيظل التخلي عن الدولار خفياً في إضافات وتعديلات على البنية المالية. وستستغرق الآثار التراكمية وقتاً لتظهر. ومن دون ضجة كبيرة، تحوّلت العملة الرقمية الرسمية الصينية، اليوان الإلكتروني (e-CNY)، من كونها عملة نقدية بدون فوائد إلى منتج مُدرّ للدخل لدى البنوك التجارية.
ولن تُؤثر هذه المناورة على هيمنة الدولار الحالية: فالدولار هو العملة المفضلة للمدفوعات العالمية بحصة تتجاوز 50%، أي أكثر من ضعف حصة اليورو، ومتفوقاً بكثير على اليوان الذي تبلغ حصته 3%. لكن استخدام اليوان الإلكتروني على نطاق أوسع داخل الصين يُقلل من خطر زيادة استخدام الدولار في حال تحوّل المدخرين المحليين إلى العملات المستقرة الدولارية، وهي نسخ طبق الأصل من العملة الأميركية يتم تداولها على تقنية البلوك تشين.
لكن تحليلاً للكاتب بول بلوستين في فاينانشال تايمز، أشار إلى أن العملة الأميركية ليست راسخة في النظام المالي العالمي فحسب، بل إن عمق هذا الرسوخ أكبر مما يُعتقد عادةً. إذ يتكون ما يزيد عن نصف احتياطيات العملات الأجنبية التي تحتفظ بها البنوك المركزية في العالم (56% وفقاً لآخر إحصاء) من سندات الخزانة الأميركية وغيرها من الأصول الدولارية.
ويشكل الدولار نسبة مماثلة في التجارة عبر الحدود، والقروض المصرفية الدولية، وإصدار السندات. علاوة على ذلك، تُستخدم الدولارات في أسواق الصرف الأجنبي في نحو 90% من المعاملات. فيما حجم عقود المقايضة القائمة حالياً يتجاوز 100 تريليون دولار، وفقاً لبيانات بنك التسويات الدولية. وتشمل نحو 90% منها الدولار، مما يعكس تعدد استخداماته.
وسيكون إلغاء كل هذه المعاملات واستبدالها بعملة أخرى مكلفاً للغاية وصعباً. هذا من شأنه، وفق بلوستين، أن يدحض الادعاءات بأن الدولار مُعرّض لخطر فقدان مكانته في قمة هرم العملات. ومهما بلغ استياء العالم من الولايات المتحدة، فإن جهود التخلص من الدولار ستواجه عقبات كبيرة.