"تسعير الخوف" يسود أسواق الغاز بعد إغلاق "رأس لفان"

05 مارس 2026   |  آخر تحديث: 06:27 (توقيت القدس)
جناح شركة قطر للطاقة في المعرض الدولي للغاز بالدوحة، 2 فبراير 2026 (نوشاد ثيكاييل/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- توقف إنتاج الغاز القطري أدى إلى "صدمة طاقية" عالمية، مع ارتفاع العقود الآجلة للغاز في أوروبا بأكثر من 50% وتضاعف تكلفة استئجار ناقلات الغاز، مما يبرز أهمية قطر في سوق الغاز العالمي.

- أوروبا وآسيا تواجهان تحديات كبيرة بسبب انخفاض المخزونات واعتمادها على الغاز القطري، مما يخلق "حرب مزايدات" على الغاز ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار، خاصة مع توقف الإمدادات عبر مضيق هرمز.

- الولايات المتحدة وأستراليا وروسيا قد تستفيد مؤقتاً من الأزمة، لكن التوترات الجيوسياسية قد تؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي وارتفاع التضخم، مما يضغط على المستهلكين في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل.

أشعل توقف "قطر للطاقة" عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال، يوم الاثنين الماضي، ما يسمّيه خبراء اقتصاد "صدمة طاقية" عالمية، دفعت الأسواق إلى تسعير الخوف والمخاطر الجيوسياسية قبل تسعير العرض نفسه.
في الثاني من مارس/آذار، أغلقت الشركة أكبر منشآت تصدير الغاز المسال في رأس لفان شمال شرق الدوحة، ما يعنى عملياً خروج أحد أهم مزوّدي العالم للغاز من المعادلة، ولو مؤقتاً.
وقفزت العقود الآجلة للغاز في أوروبا بأكثر من 50% في جلسة واحدة، لتسجل أكبر قفزة منذ أزمة 2022 المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا، مع تداول الأسعار قرب 50 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
وفي سوق الشحن، تضاعفت تكلفة استئجار ناقلات الغاز المسال في حوض الأطلسي/المتوسط بنسبة تقارب 100%، متجاوزة 200 ألف دولار يومياً للناقلة الواحدة خلال أقل من 24 ساعة.
هذه التحركات الحادة تفسّرها حقيقة أن قطر تمثل نحو 12% من صادرات الغاز المسال العالمية، وأن أي تعطل مفاجئ في إمداداتها يخلق فجوة يصعب تعويضها سريعاً.

مخزونات منخفضة وهشاشة عالية

رغم أن حصة الغاز القطري في واردات أوروبا من الغاز المسال تُقدّر بنحو 14% فقط، فإن مستوى المخزونات المنخفض لهذه الدول، (أقل من ثلث السعة في عدد من الدول) يجعل القارة شديدة الحساسية لأي اضطراب طويل. فمخزونات ألمانيا عند 27%، وهولندا دون 10%، فيما يبلغ المتوسط الأوروبي نحو 30%.
ودول مثل إيطاليا وفرنسا وبلجيكا من بين الأكثر عرضة لتأثيرات الانقطاع، بحكم اعتمادها المتزايد على الغاز المسال بعد خفض الإمدادات الروسية، في ظل هدف أوروبي للتخلص التدريجي من الغاز الروسي بحلول عام 2027.

وهذا الارتفاع الحاد يُعرف بـ"تسعير الخوف" وقت الحروب والاضطرابات، إذ يتوقع المتداولون فجوة قد تصل إلى 20% من الإمدادات الفورية قصيرة الأمد في سوق الغاز المسال، ما يضغط على سلاسل التوريد ويرفع تكاليف الطاقة الصناعية بنسبة قد تصل إلى 25% بشكل فوري.
وأي تمدد للأزمة سيفرض على أوروبا السحب من مخزونات احتياطية أعلى تكلفة، وزيادة الاعتماد على الشحنات الفورية بأسعار مرتفعة، ما يعني فواتير أكبر للكهرباء والصناعة والنقل.
وما أشار إليه الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، بشأن هشاشة أوروبا أمام توقف طويل، يتفق مع المعطيات: مخزونات منخفضة، بدائل محدودة، ووقت قصير قبل الشتاء المقبل إذا طال أمد الأزمة.

آسيا أكبر المتضررين

تُقدَّر حصة آسيا بنحو 85% من صادرات الغاز المسال القطري، مع اعتماد كبير من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على الإمدادات القادمة من الخليج.
ويدفع توقّف الإنتاج المشترين الآسيويين إلى المنافسة على أي شحنات متاحة في السوق الفوري، والمزايدة على الأسعار في مواجهة الطلب الأوروبي، ما يخلق "حرب مزايدات" على الغاز.
وتشير تقديرات محللي "غولدمان ساكس" إلى أن توقف الإمدادات عبر مضيق هرمز لمدة شهر قد يرفع أسعار الغاز في أوروبا والغاز الفوري في آسيا بما يصل إلى 130%، وهو ما نقله رائد المصري عن احتمالات القفزة السعرية إذا استمر التوقف شهراً.
هذا يعني أن دولاً آسيوية نامية، مثل الهند وبنغلادش وباكستان، قد تواجه صعوبات أكبر من الاقتصادات المتقدمة في تحمّل الأسعار المرتفعة أو تأمين بدائل.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى حصة تتراوح بين 20% و30% من تجارة الغاز المسال العالمية، فضلاً عن نحو 11% من التجارة العالمية المنقولة بحراً.
وأي تهديد بإغلاق أو تعطيل الملاحة في المضيق يعني ارتفاعاً حاداً في تكاليف الشحن والتأمين، واحتمال تأخر شحنات النفط والغاز، بما يضغط على الأسعار ويستنزف المخزونات الاستراتيجية.
وستكون بكين تحديداً من بين الأكثر تضرراً، إذ يمر عبر هرمز ما بين 40% و50% من وارداتها النفطية، ما يعزز قول الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي مراد كواشي لـ"العربي الجديد" بشأن حساسية بكين الخاصة تجاه أي توتر في هذا الممر الحيوي.
هذه المعطيات تفسر انتقال الأسواق سريعاً إلى تسعير المخاطر الجيوسياسية، لا سيما في أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين.

المستفيدون من الأزمة

وثمة مستفيدون مؤقتون من صدمة الغاز القطري؛ فالولايات المتحدة وأستراليا وروسيا من أبرز المستفيدين مبدئياً، إذ يمكنهم تسويق شحنات إضافية من الغاز المسال لسد جزء من الفراغ القطري، مع هامش لرفع الأسعار.
وتتحدث تقارير اقتصادية غربية عن مكاسب محتملة لهؤلاء المنتجين إذا استمرت الأسعار في مسار صعودي قد يصل إلى زيادات في حدود 50% لسلة من المنتجات الطاقية في حال تصاعد التوترات.

لكن هذه الاستفادة مشروطة باستقرار طرق الشحن الرئيسية، وعدم توسع رقعة الحرب بما يعرقل صادراتهم أو يرفع تكاليف الشحن إلى مستويات تلتهم جزءاً من المكاسب.
وبهذا المعنى، أشار الخبير كواشي إلى استفادة منتجين آخرين، وهو ما يتقاطع مع تقديرات دولية ترى أن الفراغ القطري يفتح نافذة مؤقتة لمنافسين، لكنه لا يلغي أخطار اضطرابات أوسع على السوق بأكمله.
وإلى جانب تضاعف أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية، يشير الخبير إلى ارتفاع الفرنك السويسري إلى أعلى مستوى له منذ سنوات، كما عزز الدولار موقعه ملاذاً آمناً. ويعكس ذلك أهمية قطر في السوق الطاقية العالمية والاقتصاد العالمي.

واعتبر كواشي أن العالم أمام صدمة طاقية كبيرة، متوقعاً أن يبلغ سعر برميل النفط 100 دولار خلال الأيام القليلة المقبلة، معتبراً أن العالم أمام حقبة مفصلية يُعاد فيها تشكيل خرائط المخاطر الجيوسياسية، وتتحرك الأسواق العالمية بلغة واحدة هي لغة الترقب والخوف، مشيراً إلى أن المستثمرين عالمياً يعيدون هيكلة استثماراتهم نحو أصول مالية آمنة بعيداً عن الأصول عالية المخاطر.

كما رأى أن ما حدث منذ الثاني من مارس دلالة على قوة قطر ومكانتها في سوق الطاقة العالمية، ودلالة أيضاً على مصداقية شركة قطر للطاقة وتحليها بالمسؤولية، إذ أبلغت جميع الأطراف ذات المصلحة (stakeholders) بتفاصيل ما جرى والإجراءات المتخذة، بما يعكس مستوى متقدماً من الحوكمة والشفافية في إدارة أزمة تمس أمن الطاقة العالمي.

أما الأثر الكلي المحتمل، كما وصفه كواشي، فيتمثل في تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع التضخم، وتضاعف تكاليف الشحن والتأمين، وضغوط إضافية على المستهلكين في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل، وهو ما يتسق مع تحذيرات مؤسسات بحثية من أن استمرار الأزمة قد يعيد سيناريوهات شبيهة بأزمة 2022 ولكن على نطاق أوسع.
ويخلص الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، إلى أن قرار شركة واحدة في دولة صغيرة نسبياً قادر على هزّ أسواق الطاقة والعملات والتضخم، ما يوضح إلى أي حد باتت قطر لاعباً مركزياً في بنية أمن الطاقة العالمي.