تلال الديون وغاز إسرائيل أم الدراما...أيهما أولى بالاهتمام في مصر؟

23 مارس 2025   |  آخر تحديث: 17:33 (توقيت القدس)
انتقادات حادة لأداء محمد رمضان في مسلسل "جعفر العمدة" (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه مصر تحديات اقتصادية كبيرة، مثل تزايد الديون الخارجية وارتفاع الدين العام، مما يثير تساؤلات حول أولويات الحكومة في معالجة هذه القضايا مقارنة بالاهتمام المتزايد بملف الدراما.
- الحكومة المصرية أبدت اهتماماً كبيراً بتنظيم صناعة الدراما، حيث تم تشكيل لجان متعددة لمتابعة ورصد الأعمال الدرامية، مما يثير تساؤلات حول أولوية هذا الملف مقارنة بالقضايا الاقتصادية الملحة.
- يتساءل الكثيرون عن جدوى إنفاق مليارات الجنيهات على الإنتاج الدرامي بدلاً من توجيه الموارد لتحسين الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، مما يتطلب اهتماماً أكبر لضمان استقرار اقتصادي واجتماعي مستدام.

أيهما أولى باللّجان الحكومية واهتمام كبار المسؤولين في مصر، تلال الديون الخارجية وربط قطاع الطاقة بغاز إسرائيل وأمن الدولة الاقتصادي المعرض للخطر.. أم ملف الدراما؟ ففجأة، انتفضت الدولة المصرية دعماً لقضية الدراما، ودفاعاً عمّا أسمته بقيم المجتمع وأعرافه وتقاليده. وتذكّر كبار المسؤولين فجأة أيضاً حجم الجرائم التي ترتكبها الأعمال الدرامية في شهر رمضان وغيره من الشهور، سواء مسلسلات أو أفلام وغيرها، بحق الرأي العام المصري، وأن تلك الأعمال التي أُنتجت في السنوات الأخيرة لا تعبر عن المعدن الحقيقي للمجتمع ولا الواقع، وأنه يجب وبسرعة تنظيم صناعة الفن والإعلام.

وبات الاهتمام الأكبر من قبل الحكومة والوزارات والهيئات الرسمية، بل ومؤسسات المجتمع المدني بملف الدراما وكيفية علاج التشوهات الحالية في الأعمال المعروضة التي تشوه صورة المجتمع أكثر من الاهتمام بقايا أخرى من أخطرها ارتفاع الدين الخارجي ليتجاوز 155 مليار دولار، والدين العام إلى نحو 15 تريليون جنيه أكثر من نصفه ديون قصيرة الأجل، رغم تنازل الإمارات عن 11 مليار دولار من الدين الخارجي في اطار صفقة رأس الحكمة.

وبسرعة البرق تشكلت عشرات اللجان الحكومية لوضع حلول للأزمة التي قيل إنها باتت تؤرق صانع القرار، فرئيس الوزراء مصطفى مدبولي قرّر تشكيل مجموعة عمل لوضع رؤية مستقبلية للإعلام والدراما، وضبط الأعمال الدرامية، والشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية" تشكل لجنة متخصصة للمحتوى، بالتزامن مع إعلان الهيئة الوطنية للإعلام، عن عقد مؤتمر حول مستقبل الدراما المصرية في إبريل/ نيسان المقبل. 

أما رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فأصدر قراراً بإعادة تشكيل لجنة الدراما، بهدف متابعة ودراسة ورصد الأعمال الدرامية التي تعرض في وسائل الإعلام.

أيهما أولى، الدراما أم علاج قضايا الفقر والبطالة وانهيار الطبقة الوسطى وهجرة الكوادر. إنفاق المليارات على مسلسلات تافهة المحتوى، أم تحسين رغيف الخبز، وبناء مستشفيات ومدارس؟

ودخل وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أيمن عاشور، على الخط والتريند حيق أمر بتشكيل لجنة من أساتذة الجامعات في التخصصات المعنية، بهدف تقديم خبراتها للهيئات والمؤسسات المعنية بتطوير الدراما والإعلام. والمجلس القومي لحقوق الإنسان يخرج علينا ليكشف عن أن لجنة الدراما التابعة له ستراجع تقييم الأعمال الفنية التي تعرض على الشاشات، بما يعزز من قيم حقوق الإنسان في المجتمع.

وبما أن أجهزة الدولة تضع قضية الدراما أولويةً قصوى على أجندتها فقد تحدثت عن تخصيص ما بين 20 و30 مليار جنيه من موارد الدولة، المحدودة أصلاً، لإنفاقها على الفن والإعلام لتحقيق التوازن في الصناعة وإعادتها لدورها وفق البيانات الصادرة عنها.

بموازاة تلك اللجان خرجت علينا وسائل الإعلام المختلفة لتتحدث عن ضرورة تطهير الدراما، وعن اعتزال مخرجين مشهورين الإنتاجَ والإخراج ومغادرة بعضهم البلاد، وأن الدراما لا يجب أن تكون عبئا على موازنة الدولة، بل يمكن أن تتحول إلى صناعة ضخمة تحقق للدولة أرباحاً ضخمة كما هو الحال في تركيا والهند والولايات المتحدة.

ببساطة، دولة بكامل أجهزتها تعطي أولوية قصوى لملف الدراما وهو مهم بالمناسبة، في الوقت الذي تتجاهل فيه ملفات أكثر أهمية وأكثر خطورة وأشد إلحاحاً وأولوية والتصاقاً بالأمن القومي للدولة.

فأيهما أولى بالاهتمام الحكومي واللجان الرسمية، الدراما أم البحث عن حلول لتقليص حجم المخاطر الشديدة الناتجة عن بيع ورهن مقدّرات الدولة وأصولها وإيراداتها، بل واخضاع قرارها السيادي واستقرارها الاقتصادي والمجتمعي للدائنين الدوليين، الذين بات لهم القول الفصل في توجيه مخصصات الدعم وبيع أصول الدولة من شركات وبنوك ومحطات وقود وغيرها؟ وأقصد هنا صندوق النقد والبنك الدوليين والدول التي تقف خلف المؤسستين والبرامج التقشفية العنيفة التي تُفرض على المصريين.

أيهما أولى، الدراما أم تلال الديون وملف الدين الخارجي المزمن الذي بات يستنزف الموارد العامة ويهدد بشكل مباشر الأمن القومي والاقتصادي للدولة، خاصة مع صعوده القياسي في السنوات العشر الأخيرة وضخامة الأعباء المستحقة عليه والارتهان للخارج، وتسببه في إحداث هزات اقتصادية عنيفة مثل التضخم الجامح والغلاء وتهاوي العملة وانفجار الدين العام، وأزمات اجتماعية خطرة من بطالة وفقر وعشوائيات وسرقة وتزايد حالات الطلاق؟

أيهما أولى، ملف الدراما، أم فك الارتباط بين الأمن الاقتصادي للدولة واستيراد الغاز الإسرائيلي البالغة تكلفته ما يزيد عن 21 مليار دولار تؤول إلى خزانة الاحتلال من ضرائب المصريين؟

أيهما أولى، ملف الدراما الذي يمكن للقطاع الخاص القيام به مع وضع بعض الضوابط من قبل الدولة، أم كيفية فك الارتباط بين الأمن الاقتصادي للدولة المصرية واستيراد الغاز الإسرائيلي البالغة تكلفته ما يزيد عن 21 مليار دولار تؤول إلى خزانة الاحتلال من ضرائب المصريين وقوت أولادهم ودخولهم المحدودة؟

أليس من الضروري إعطاء ملف الطاقة في مصر اهتماماً أكبر، والتوقف عن استيراد الغاز من دولة الاحتلال، والبحث عن بدائل خارجية متوافرة بالفعل بل وأرخص سعراً؟ هل يقبل صانع القرار تحكّم إسرائيل في عجلة الإنتاج المصري ودوران تروس المصانع وإضاءة المنازل وتشغيل المحال التجارية ومحطات إنتاج الكهرباء المصرية، وتوقف تلك العجلة والنشاط داخل الدولة المصرية متى شاءت دولة الاحتلال وعبر وقف تزويد مصر بالغاز والطاقة والتسبب في إحداث فوضى وعتمة في عموم البلاد كما جرى في الصيف الماضي؟

أيهما أولى، الدراما أم العمل على علاج قضايا الفقر والبطالة وانهيار الطبقة الوسطى وهجرة الكوادر من أطباء وغيرهم. إنفاق الدولة مليارات الجنيهات على إنتاج ومسلسلات تافهة المحتوى، أم تحسين رغيف الخبز والتوقف عن خطط رفع سعره، وبناء مستشفيات ودور رعاية صحية ومدارس ومواجهة الجهل ومحاربة الأمية، وسد العجز الرهيب في أعداد المعلمين بالمدارس والمعاهد الحكومية؟

أيهما أولى، تمويل دراما تحض على العنف وتشويه قيم المجتمع وتزييف الحقائق ونشر الفتن ودعم الانشقاقات وتعميق الخلافات داخل المجتمع، أم لجان تعمل على تحسين المستوى المعيشي للمواطن وتخفيف الضغوط الحياتية عنه؟

هناك أولويات أخرى عاجلة للمصريين غير قضية الدراما، فالشعب يريد أن يلتقط أنفاسه من الارتفاعات القياسية والمتواصلة في أسعار السلع والخدمات، وأن يتوقف تهاوي العملة والمدخرات المحلية، وأن يجد سريراً في مستشفى عندما يمرض، أو مقعداً لابنه في مدرسة حكومية، وأن يجد السكن الآدمي وبايجار مقبول يتفق مع دخله، يريد حياةً كريمة وعدالة اجتماعية وتحسناً في الأجور بعيداً عن الشعارات والتضخم الجامح، واستقلالاً للقرار الاقتصادي عن الدائنين، وألّا توجه أمواله وحصيلة ضرائبه لتحقيق الرفاهية للإسرائيليين.

المساهمون