جيل زد ينعش سوق العطور العالمية.. و"كوتي" و"إستي لودر" في الطليعة

07 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:48 (توقيت القدس)
جانب من تظاهرات جيل زد في الرباط، 29 سبتمبر 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- جيل الألفية زد يستخدم العطور كوسيلة للتعبير عن الهوية والمزاج، مفضلاً الرفاه البسيط على السلع الفاخرة، مما يعكس تأثير "أحمر الشفاه" في أوقات التقشف الاقتصادي.

- شركات الجمال الكبرى مثل إستي لودر ولوريال وكوتي تستثمر بكثافة في قطاع العطور، حيث أصبحت العطور محركاً رئيسياً لمبيعاتها، مستفيدة من الطلب المتزايد من جيل زد.

- العطور تحولت إلى رمز ثقافي يعبر عن الذات في زمن ما بعد الرفاه، حيث يبحث جيل الألفية زد عن بصمته في التفاصيل الصغيرة، موازناً بين الواقع القاسي والذات الحالمة.

تغزو العطور رفوف المتاجر حول العالم، ليس بوصفها ترفاً كما كانت تُصنَّف سابقاً، بل أداة تعبيرية عن الذات لدى جيل الألفية زد الذي أصبح القوة الشرائية الأسرع نمواً في الأسواق العالمية. هذا الجيل الذي يبحث عن طرق جديدة للتعبير عن الهوية والمزاج جعل من العطور جزءاً من طقوسه اليومية، في ظل واقع اقتصادي مضطرب يحدّ من قدرته على اقتناء السلع الفاخرة.

المحللون الاقتصاديون وصفوا الظاهرة بأنها النسخة الحديثة مما يُعرف بـ"تأثير أحمر الشفاه"، وهي النظرية التي تفترض أن المستهلكين يلجؤون إلى شراء كماليات صغيرة تمنحهم شعوراً بالرفاه عندما تتراجع أوضاعهم الاقتصادية. وفي زمن التقشف، تحل قارورة العطر مكان حقيبة اليد الفاخرة، ويُصبح عبير "توم فورد" أو "إيف سان لوران" رمزاً للرفاه البسيط الذي لا يُثقل الجيب.

شركات الجمال تتزاحم على الاستثمار في العطور

تتصدّر شركات الجمال العالمية الكبرى هذا التحوّل بقيادة إستي لودر، لوريال، وكوتي، المالكة علامات تجارية بارزة مثل "لو لابو"، "توم فورد"، "فالنتينو"، "إيف سان لوران"، "إمبوريو أرماني"، و"أمبر أنتيك". وأعلنت هذه الشركات خلال مكالماتها المالية الأخيرة عن نيتها ضخ مزيد من الاستثمارات في قطاع العطور الذي تحوّل إلى المحرك الأساسي لمبيعاتها، وفق ما نقلت وكالة رويترز. وفي أحدث بياناتها، قدّمت كوتي توقعات إيجابية لأدائها في الربع القادم، مستفيدة من الطلب المتصاعد على عطري "كالفن كلاين" و"هوغو بوس". وقال المدير المالي للشركة لوران ميرسييه إن العطور أصبحت وسيلة رائعة لجيل زد لدخول الفئة، إذ تتماشى تماماً مع احتياجات المستهلكين.

وبحسب شركة البيانات سيركانا، فإن نحو 38% من إجمالي الإنفاق على العطور خلال الـ26 أسبوعاً المنتهية في يوليو/تموز الماضي، جاء من أسر تضم أحد أفراد جيل زد. أما شركة إستي لودر، المالكة علامة جو مالون، فقد حققت ارتفاعاً بنسبة 14% في مبيعات العطور خلال الربع المنتهي في سبتمبر/أيلول، ما ساعدها على تعويض ضعف الطلب في قطاع مستحضرات التجميل. في المقابل، عانت شركة إي إل إف بيوتي، المعروفة بمنتجاتها التجميلية منخفضة التكلفة وتقليدها الماركات الكبرى، من نتائج أضعف من المتوقع، وأرجعت ذلك إلى الرسوم الجمركية وضعف الإنفاق الاستهلاكي. وتراجعت أسهمها بأكثر من الثلث يوم الخميس في ظل غيابها عن سوق العطور المتنامية.

إعادة هيكلة... وسباق على العلامات العطرية

ولمواكبة هذا الازدهار، تتجه شركات التجميل الكبرى إلى تعزيز محافظها من العطور عبر الاستحواذ أو إعادة هيكلة وحداتها التجارية. وفي أكتوبر/ تشرين الأول، أبرمت لوريال صفقة بقيمة 4.7 مليارات دولار لشراء علامات تجميل وعطور من كيرينغ، ما منحها تراخيص نادرة لمدة 50 عاماً تشمل غوتشي. أما كوتي، فتدرس بيع علامات مثل كوفرغيرل وريمل للتركيز على قطاع العطور الذي بات يمثل ثلاثة أرباع مبيعاتها الإجمالية. وتصف كيندال آشر، المديرة التنفيذية في إستي لودر، الظاهرة بقولها: "العطور تعيش لحظة ثقافية حالية".
وتوضح أن "ارتفاع الدخل المتاح وتوسع الطبقة المتوسطة في الصين والهند والشرق الأوسط يغذيان نمو القطاع المستدام".

هذا النمو دفع الشركة إلى افتتاح نحو 40 متجراً مستقلاً جديداً للعطور حول العالم خلال العام الجاري، من بينها فروع رئيسية في حي سوهو بنيويورك وأتولييه العطور العالمي في باريس. كما استثمرت إستي لودر في أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تترجم اللغة الحسية للمستهلكين، من خلال ربطها بعائلات عطرية محددة، إلى جانب إنتاج محتوى تفاعلي على تيك توك لجذب متسوقي جيل زد.

العطور تتفوّق على التجميل والعناية بالبشرة

بيانات سيركانا أظهرت أن مبيعات العطور الفاخرة نمت بنسبة 6% لتصل إلى 3.9 مليارات دولار في النصف الأول من عام 2025، متفوقة على مبيعات مستحضرات التجميل الفاخرة التي ارتفعت بنسبة 1% فقط، فيما تراجعت مبيعات العناية بالبشرة بنسبة 1% في الفترة نفسها. ويختصر مايكل آشلي شلمان، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة رانينغ بوينت، هذا الاتجاه بقوله إنه "قطاع يمنح المستهلكين إحساساً بالفخامة أو الجودة أو المكانة، أو حتى المتعة الشخصية، من دون أن يدفعوا ثمن السلع الفاخرة الكاملة". وبينما يسعى العالم إلى تكيّف اقتصادي جديد، يعبّر جيل الألفية زد عن نفسه من خلال العطور التي تجمع بين الترف والقدرة على الوصول. إنها ليست مجرد رائحة... بل هوية تعبّر عن طموح جيلٍ يرى في قارورة العطر مساحة شخصية صغيرة، لكنها تعبق بثقة كبيرة.

العطر رمزاً ثقافياً في زمن ما بعد الرفاه

لم يعد العطر سلعة تُقتنى لمجرّد الرائحة، بل أصبح فعلاً ثقافياً متجذراً في التحوّل الاجتماعي لجيل يعيش بين واقع اقتصادي متقلّب ورغبة في التميّز الفردي. فجيل الألفية زد لا يشتري الزجاجة فحسب، بل يشتري ما تمثّله من هوية وحرية واختيار. وفي عالمٍ تتآكل فيه الفوارق بين الحاجة والترف، تحوّل العطر إلى مساحة صغيرة للترف الممكن، إلى علامة على الذات في زمن الخوف من الغد.

وفي خلفية هذا الازدهار، تقف الشركات الكبرى التي تدرك أنّ الاستهلاك لم يعد مرتبطاً فقط بالقوة الشرائية، بل بالانتماء الرمزي والعاطفي. فالعطور اليوم لا تُباع بوصفها منتجات تجميل، بل بوصفها روايات مصغّرة تعبّر عن الذات، وتروي سيرة جيل يبحث عن بصمته في التفاصيل الصغيرة. وهكذا، بينما تتراجع الأسواق وتضطرب العملات وتضيق الخيارات، تبقى قارورة العطر، ببساطتها وأناقتها، تجسيداً لمعادلة دقيقة بين الرفاه والنجاة، بين الرغبة والقدرة، وبين ما يُفقد وما يُستعاد.

جيل زد بين الهوية والاستهلاك الذكي

ينتمي جيل الألفية زد إلى فئة وُلدت في عصر الرقمنة الكاملة، حيث تتقاطع الموضة مع التكنولوجيا، والاستهلاك مع القيم. هذا الجيل، الذي يتراوح عمره اليوم بين المراهقة وأواخر العشرينيات، لا يكتفي بشراء المنتج، بل يبحث عن القصة التي تحيط به، وعن الرسالة التي ينقلها. فالعطر بالنسبة إليه ليس مجرد رائحة عابرة، بل امتداد لهويته الرقمية والاجتماعية، يُعبّر من خلاله عن ذاته في العالمين الواقعي والافتراضي.

ويتّسم جيل زد بقدرته على المزج بين الوعي الاقتصادي والذوق الجمالي، فهو جيل يختار بعناية، ويقارن الأسعار، ويبحث عن العلامات التجارية التي تعبّر عنه فكرياً قبل أن تُرضيه مادياً. ومع انفتاحه على المنصات الرقمية مثل "تيك توك" و"إنستغرام"، بات هذا الجيل يقود اتجاهات الجمال والاستهلاك عبر توصياته وتجربته المباشرة، مؤثراً على ذوق السوق العالمية أكثر مما تأثر به. ويبدو أن العطر وجد طريقه الطبيعي إلى قلب هذا الجيل، لأنه يجمع بين الحسي والعاطفي، بين الرغبة في التميّز والحاجة إلى الراحة النفسية، ليصبح رمزاً لزمن يبحث فيه الشباب عن التوازن بين الواقع القاسي والذات الحالمة.

المساهمون