سلطنة عمان تبني ريادة إقليمية في "هيدروجين النفايات"
استمع إلى الملخص
- تعزز هذه المبادرات الاقتصاد العماني بفتح آفاق استثمارية جديدة وتوفير فرص عمل، وتمنح عمان موقعاً تنافسياً كمصدر للهيدروجين الأخضر، مستهدفة أسواقاً مثل أوروبا، وتدعم النقل المستدام وتشغيل المركبات بالهيدروجين.
- تعكس تجربة عمان نموذجاً حضارياً يوازن بين التنمية والاستدامة، مع استراتيجية متكاملة للطاقة المتجددة، مما يعيد تشكيل ثقافة الإنتاج والاستهلاك ويضع الاقتصاد العماني على مسار يواكب التحولات العالمية.
تسير سلطنة عُمان بخطى متسارعة نحو تبني تقنيات تحويل النفايات إلى هيدروجين، ضمن جهودها للتحول إلى اقتصاد دائري وتحقيق أهداف رؤية 2040 البيئية، بالتزامن مع تزايد الاهتمام العالمي بتوليد الهيدروجين الحيوي من النفايات. ويأتي ذلك في ظل اعتماد الدول تقنيات كيميائية حرارية وحيوية لإزالة الكربون من أنظمة الطاقة وتخفيف أعباء مكبات النفايات، ما يسلط الضوء على انعكاسات هذه التحولات على اقتصاد السلطنة وعادات مواطنيها.
ترتكز التقنية المستخدمة على عمليات التحويل الحراري الكيميائي، حيث تُجمع النفايات الصلبة وتخضع لتكسير حراري عالي الحرارة، ما ينتج غازاً غنياً بالهيدروجين، يُعالَج ويُخزَّن ليصبح وقوداً نظيفاً عديم الانبعاثات، وفق تقرير نشرته منصة "Hydrogen Technology Expo".
ومن أبرز المشروعات، الاتفاق الموقع بين شركة "H2 Industries" الألمانية و"مدائن" العمانية لبناء منشأة تحوّل ما يصل إلى مليون طن من النفايات سنوياً لإنتاج 67 ألف طن من الهيدروجين وتصديرها، بتمويل يبلغ 1.4 مليار دولار. يعتمد المشروع على منشآت طاقة شمسية بسعة 300 ميغاواط، إلى جانب أنظمة تخزين البطاريات.
ولا تحتاج هذه التقنية في مراحلها الأولى إلى فرز المواطنين للنفايات من المصدر، إذ يسمح نظام التحويل الكيميائي بمعالجة النفايات المختلطة دون الحاجة إلى بنية تحتية واسعة للفرز، بحسب منصة "Zawya"، لكن مع التوسع المستقبلي، من المتوقع أن تحفز الجهات الحكومية وشركات إدارة النفايات مثل "بيئة" المواطنين على تقليل النفايات وزيادة الوعي بالفصل المنزلي، مع تحديد أهداف وطنية لخفض متوسط النفايات اليومية للفرد من 1.2 كلغ إلى أقل من 1 كلغ بحلول 2030.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
تفتح مصانع تحويل النفايات آفاقاً جديدة للاستثمار وتوفير فرص عمل في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة، ما يمنح عمان موقعاً تنافسياً بكونه مصدراً للهيدروجين الأخضر يستهدف أسواقاً مثل أوروبا، بقيمة تصديرية سنوية تُقدر بمئات الملايين من الدولارات، وفق تقرير أوردته منصة "Energy & Utilities". كذلك توفر مشاريع مثل "ماناه هيدروجين" فوائد محلية عبر دعم النقل المستدام وتشغيل المركبات بالهيدروجين، وتزويد قطاعات السياحة بوقود نظيف.
أما على المستوى البيئي، فتسهم هذه التقنيات في تقليص حجم النفايات المرسلة إلى المدافن، وخفض انبعاثات الميثان، والتقاط غاز ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى وقود اصطناعي أو مواد صناعية أخرى، وفق "Zawya"، ومع توسع المشروعات ونضجها، من المتوقع أن ترتفع جودة الحياة في المناطق المجاورة مع انخفاض الروائح والتلوث، شرط تعزيز الوعي المجتمعي وتبسيط أنظمة الجمع والنقل، ودعم الشركات المحلية عبر حاضنات الابتكار والتشريعات.
وبذلك تقدم سلطنة عمان نموذجاً إقليمياً في تحول النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي وطاقة متجددة، ما يرسخ تطلعات السلطنة في قيادة سوق الهيدروجين الأخضر إقليمياً وعالمياً، مستندة إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص وريادة الشركات الناشئة في الابتكار البيئي، بحسب إفادتي خبيرين لـ"العربي الجديد".
نموذج حضاري
وفي هذا الإطار، يقول رجب يورولماز، رئيس الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، لـ"العربي الجديد"، إن سلطنة عمان تعيد تعريف مفهوم النفايات لتكون مصدراً استراتيجياً للطاقة، ضمن إطار رؤية 2040. ويرى أن هذا التوجه يضع عُمان في صدارة المنطقة نموذجاً يوازن بين التنمية والاستدامة، مقدماً درساً قابلاً للتطبيق لدول أخرى.
ويشير إلى أن التكنولوجيا المستخدمة (التغويز والتحلل الحراري) قادرة على معالجة النفايات غير المصنفة، مستشهداً بتجارب "ماناه هيدروجين" في مسقط التي أنتجت 140 كلغ من الهيدروجين لكل طن من النفايات يومياً.
ويلفت يورولماز إلى أن تجربة عُمان تختلف عن ممارسات دول متقدمة، مثل ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة، التي تصدر كميات ضخمة من نفاياتها (نقلها بغرض معالجتها أو تدويرها مقابل المال)، وفي عام 2022 صدر الاتحاد الأوروبي أكثر من 32.7 مليون طن من النفايات، منها 12.4 مليون طن إلى تركيا وحدها (45% من إجمالي الصادرات)، بينما استقبلت الهند 3.5 ملايين طن، وجنوب شرق آسيا كميات كبيرة أيضاً.
وحتى بعد البريكست، أصبحت المملكة المتحدة واحدة من أكبر مصدري البلاستيك، حيث ذهب أكثر من 60% من نفاياتها إلى تركيا وماليزيا وفيتنام. ويرى يورولماز أن هذه الأرقام تكشف أن تصدير النفايات لا يحل المشكلة، بل ينقلها فقط. لذا، فمن الضروري أن تنظر عمان إلى نفاياتها على أنها ثروة داخلية، لا عبء يجب التخلص منه.
ويرى أيضاً أن الإدارة السليمة للنفايات مؤشر حضاري، إذ تعكس قيم المجتمع وتوجهاته، وأن سلطنة عمان قادرة على خلق تحول ثقافي مماثل لما هو قائم في أوروبا عبر تعزيز البنية التحتية للتحويل إلى هيدروجين، ما سيعزز الصحة العامة، ويغير وعي الجمهور لتصبح النفايات مصدر طاقة وتنمية. ويشدد على أن مشروع الهيدروجين من النفايات يجب أن يُستكمل بنهج هجين يشمل توسيع الطاقة الشمسية والرياح، واستكشاف الطاقة النووية خياراً طويل الأمد، لضمان استقرار التزويد بالكهرباء وتعزيز السيادة الوطنية. ويصف هذه التجربة بأنها ليست مجرد مشروع تجاري، بل "سياسة حضارية" تجمع بين التنمية والمسؤولية.
اقتصاد دائري صاعد
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي لـ"العربي الجديد"، إن سلطنة عمان تبنت منذ 2024 مسار الاقتصاد الدائري أولويةً وطنيةً، تُترجم عبر تشريعات جديدة لإعادة استخدام الموارد وتحويل النفايات إلى مدخلات إنتاجية. ويضيف أن هذه الرؤية تنطلق من استراتيجية عمان 2040 التي تتكامل أهدافها في مجالات حياد الكربون، والتحول إلى الهيدروجين الأخضر، وإدارة النفايات المستدامة. ويوضح أن عناصر الاستراتيجية مترابطة: إدارة النفايات تدعم إنتاج الهيدروجين، والهيدروجين يعزز الاستقلال الطاقي، فيما الاقتصاد الدائري يربط الصناعة بالبيئة والموارد.
ويضيف الطوقي أن سياسات عناصر الاستراتيجية العمانية لا تجري على شكل مشاريع منفردة، بل كمنظومة واحدة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والموارد، بحيث تصبح النفايات مصدراً والطاقة ناتجاً والصناعة وسيلة لبناء استقرار طويل الأمد. ويخلص الطوقي إلى أن هذه التقنيات لا تعبر عن تحول تقني أو بيئي فحسب، بل عن تحول حضاري يعيد تشكيل ثقافة الإنتاج والاستهلاك، ويضع الاقتصاد العماني على مسار يواكب التحولات العالمية دون تبعية، متوقعاً نتائج ملموسة في السنوات القادمة تبدأ من تقليل الفاقد، وتنتهي ببناء اقتصاد منخفض الانبعاثات ومستقل الموارد.