صراع القوى الكبرى هل يقود العالم لإعادة النظر في الدور الاقتصادي للدول؟

28 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 01:45 (توقيت القدس)
ترامب وشي، قمة العشرين، أوساكا، 29 يونيو2019 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الدورات الاقتصادية ودور الدولة: تتأثر قراءة النشاط الاقتصادي بالدورات الاقتصادية، حيث شهدت أمريكا في الثمانينيات سياسة "الريغانية" التي ركزت على تقليص الملكية العامة، تلتها العولمة الاقتصادية. لم تكن الخصخصة دائمًا ناجحة في الدول النامية، حيث تم بيع شركات استراتيجية كانت تحقق أرباحًا.

- التغيرات في السياسة الاقتصادية الأمريكية: بعد أزمة 2008، تبنت أمريكا سياسات جديدة مثل شراء حصص في شركات خاصة، مما يعيد سياسات ما قبل الريغانية، في إطار إدارة الصراع مع الصين.

- التبعية الاقتصادية في الدول العربية والإسلامية: تعاني هذه الدول من تبعية اقتصادية نتيجة سياسات العولمة، مثل الخصخصة غير المدروسة، مما زاد الاعتماد على الخارج.

قراءة النشاط الاقتصادي بين الكساد والرواج، تخضع لما يعرف بالدورات الاقتصادية، من حيث مدة كل دورة، والعوامل المؤثرة فيها، وعلى ما يبدو فإن دور الدولة في النشاط الاقتصادي هو أيضًا يخضع لدورات مماثلة. ففي عقد الثمانينيات من القرن العشرين، شهدت أميركا ما يعرف بالريغانية التي تلخصت في السياسة الاقتصادية التي انتهجتها حكومة الرئيس رونالد ريغان بشأن التخلص من الملكية العامة. ثم عقب ذلك سيادة مشروع العولمة الاقتصادية بقيادة أميركا، والتي كان أهم ملامحها البارزة، خروج الدولة من النشاط الاقتصادي. كما فرضت المنظمات المالية الدولية أجندتها على الدول المتحولة لاقتصاد السوق، باتباع برامج خروج الدولة من النشاط الاقتصادي. ولم تكن سياسة الخصخصة في الدول النامية والصاعدة، سياسة رشيدة في كل الأحوال، حيث تم بيع شركات ومؤسسات لها أهمية استراتيجية، كما كانت هناك نماذج ناجحة وتحقق أرباحا، تمثل منافسًا قويًا للقطاع الخاص سواء في الداخل أو الخارج، وكانت تدعم الموازنات العامة عبر أرباحها.

مبررات الثوب الجديد

حينما تبنت الحكومة الأميركية بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، سياسة إنقاذ شركة تأمين من الإفلاس، بشراء نسبة تقترب من 10%، نظير مساعدتها بمبلغ 85 مليار دولار، أو منحت بعض البنوك قروضًا لتوفير السيولة، أو شراء ديون رديئة من بعض المؤسسات، تمت قراءة ذلك على أنه يأتي في إطار إدارة الأزمة. لكن أن تنقل وسائل الإعلام مؤخرًا، أن الحكومة الأميركية دخلت بالفعل في عمليات شراء حصص تصل إلى 10% من إحدى شركات التكنولوجيا، أو شراء حصة مماثلة من إحدى الشركات المعنية بالصناعات الدفاعية، أو أن وزارة الطاقة الأميركية تدرس إتاحة قرض لشركة معنية بالمعادن النادرة، نظير حصة من أسهمها، فإن ذلك يعني اتجاهًا لممارسة جديدة تعيد الأذهان، لما قبل الريغانية، وإمكانية التوسع مرة أخرى في ملكية الشركات العامة.

مبررات المسؤولين الأميركيين للتوجه الجديد، ذهبت إلى أن ذلك بغرض تأمين سلاسل الإمداد، وكسر هيمنة المنافسين الدوليين، وعلى رأسهم الصين. ومن ثم فقد فرض صراع القوى الاقتصادية الكبرى نفسه على العديد من مكونات المشهد الاقتصادي العالمي، على الرغم من نشر بعض الأخبار هنا وهناك، بشأن تمرير صفقة أو الوصول لحالة هدنة أو إمكانية التوصل لاتفاق نهائي بين أميركا والصين في ما يتعلق بالعلاقات التجارية بينهما. ولم تعد مسلمات العولمة تمثل ثوابت لمسيرة النشاط الاقتصادي في الوقت الحالي، وذلك بسبب الصراع بين القوى الاقتصادية الكبرى. فمن قبل وجهت أميركا وأوروبا اتهامات للصناديق السيادية للصين وروسيا بأنها تمارس الأنشطة الاقتصادية في إطار من التوظيف السياسي.

وعلى الرغم من أن الصين وروسيا انخرطتا في منظومة العولمة، إلا أن الأمر لم يسلم من تبني ما يعرف برأسمالية الدولة، وإن اتخذ النشاط شكل شركات للقطاع الخاص في كل من روسيا والصين ودول أخرى. ومؤخرًا نلاحظ أن أميركا تتراجع عن العديد من مبادئ العولمة، فبعد رفع الرسوم الجمركية على تعاملاتها التجارية مع عدة دول، بالمخالفة لقواعد منظمة التجارة العالمية، اتجهت الولايات المتحدة مؤخرًا لامتلاك حصص في بعض شركات المعادن النادرة والتكنولوجيا، وذلك من أجل إدارة الصراع مع الصين ودول أخرى.

المصلحة أم الأيديولوجيا؟

اتباع أيديولوجيا معينة على الصعيد الاقتصادي، قد يبدو أنه مسألة نسبية، ومرهون بشكل كبير بما تحققه تلك الأيديولوجيا من مصالح، وبما يتحقق من عوائد إيجابية على الدولة وأفرادها، وقد ثبت غير مرة في حق الدولة الواحدة، أنها تغير موقفها من أيديولوجيا معينة.
فأميركا التي حشدت دول العالم، عبر سياسة العصا والجزرة، لميلاد منظمة التجارة العالمية، في عام 1995، هي التي تعرقل عملها وأنشطتها منذ سنوات، وضربت بدور المنظمة عرض الحائط، مع مجيء ترامب، وإشعال الحرب التجارية، عبر سياسة الحماية التجارية.

كما أن الصين التي كانت دولة تتبع نظاما شديد المركزية لإدارة اقتصاد مملوك بالكامل للدولة، هي الآن التي تحشد دول العالم ضد سياسات أميركا، وتطالب بحرية التجارة، لما تحققه هذه السياسة من مصلحة مهمة وضرورية، لكون الصين صاحبة أكبر حصة من الصادرات السلعية على مستوى العالم. ومن هنا فالتجربة تفيد صحة مقولة: "اينما وجدت المصلحة فثم اتباع الأيديولوجيا المحققة لها"، ويتوقع أن يتوسع ترامب وإدارته خلال المرحلة المقبلة في المزيد من الانقلاب على مسلمات العولمة وسياساتها، التي حققت لأميركا من قبل التربع على عرش السيادة الاقتصادية على النظام العالمي على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

متى نتعلم الدرس؟

دولنا العربية والإسلامية، للأسف تعيش حالة من التبعية، وفقدان الذاتية أو الاستقلالية، فمع مشروع العولمة، تم الخضوع لسياساتها دون اعتبار لما فيه مصلحة اقتصادات تلك الدول، وكان من أكثر البرامج المثيرة للجدل في دولنا، ما عرف بالخصخصة، أي بيع القطاع العام للقطاع الخاص. لم تفلح مطالبات البعض بالدعوة لإصلاح المؤسسات والشركات العامة، والحفاظ على الناجح واللازم منها للتنمية في دولنا، وساعد على التسرع في مشروع الخصخصة، والتخلص من نسبة كبيرة من المؤسسات العامة، شروط ومطالب المؤسسات المالية الدولية. وخلال الفترة الماضية كان الخطاب الاقتصادي على الصعيدين الداخلي والخارجي بدولنا العربية والإسلامية، يتفاخر بالتخلص من الملكية العامة، وإفساح المجال للقطاع الخاص بشكل كبير، في حين أن القطاع الخاص لم يكن مؤهلًا ليحل محل القطاع العام في هذه الفترات القصيرة، لذلك كانت المحصلة النهائية، مزيدا من الاعتماد على الخارج لاقتصاديات هذه الدول.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، في إندونيسيا بعد أزمة 1997، اشترط صندوق النقد الدولي، خروج الدولة من المشروعات الاستراتيجية، وكان من بينها شركات صناعة وتطوير الطائرات، على الرغم من أنه في هذا التوقيت كانت إندونيسيا تحقق تقدمًا ملحوظًا في تطوير الطيران لخدمات الزراعة، في دولة تعتبر مجموعة من الجزر، والآن خرجت إندونيسيا من هذا السباق. وفي مصر تم بيع العديد من الشركات الرابحة، بل والمتفردة بخدماتها في السوق المحلي، كما تم مع شركة المراجل البخارية، وتمت تصفية العديد من الشركات الاستراتيجية، كما حدث في مجمع الحديد والصلب. وفي الوقت الذي نرى فيه أميركا تقدم على ملكية حصص بشركات القطاع الخاص، نجد أن السعودية تدرس السماح للأجانب بتملك نسبة 100% من الشركات المحلية!

الصراع ومستقبل دور الدولة

المشهد الحالي للصراع بين القوى الاقتصادية الكبرى، لا ينم عن حالة من التعايش والتعاون، أو الدخول في مفاوضات متعددة الأطراف، بل ينم عن اتساع رقعة الصراع، ولا يتوقع أن يقف أحد أطراف هذا الصراع على حدود أيديولوجيا معينة. بل سيكون العنصر الحاكم هو ما يتحقق من مصالح لكل طرف، ويحجّم سيطرة الطرف الأخر، ولا أدل على ذلك من تصريحات المسؤولين الأميركيين، سواء في ما يتعلق بالرسوم الجمركية، أو إقدامهم على شراء حصص في ملكية شركات مملوكة للقطاع الخاص، وإن كان البعض يرى أن ثمة ميلاد نظام اقتصاد عالمي جديد، سوف تشهده المرحلة المقبلة، فقد يكون هذا النظام العودة لما قبل العولمة، لا من حيث ثنائية القطبية، بل من حيث الانغلاق على الذات، والتراجع عن ثوابت العولمة، بل قد ترى عودة لافتات شركات القطاع العام.