استمع إلى الملخص
- يعاني المطورون العقاريون من ارتفاع تكاليف البناء وصعوبة التمويل، مما يدفعهم لتقديم تسهيلات كبيرة في الدفع، مثل خفض الأسعار وزيادة فترات السداد، مما أثر سلبًا على العوائد المتوقعة وأداء القطاع في البورصة.
- تسعى الحكومة لتحصيل إيرادات عبر فرض أكواد عقارية وتغيير قوانين الإيجارات، لكن السوق يظل ضبابيًا مع استمرار الفقاعة العقارية، حيث يطالب الخبراء بتدخل حكومي لضبط الأسعار وتنظيم العلاقة بين المطورين والسماسرة.
يعيش القطاع العقاري المصري واحدة من أكثر مراحله ارتباكا، على حافة أزمة هيكلية وموجة إلغاءات وتباطؤ في المبيعات مع وضع البنوك شروطا قاسية لتمويل مشروعات الإسكان ومخاوف من "فقاعة عقارية" على وشك الانفجار.
ظهر في الأفق صراع شرس بين كبار المستثمرين وشركات التسويق والسماسرة، حيث يتبادل الأطراف الاتهامات، حول تعريض السوق العقاري للانهيار، وبينما يشكون من تدخل الدولة سلبيا بفرضها إتاوات سيادية بقرارات مفاجئة لتحصيل مليارات الجنيهات واقتطاع أراض سبق تخصيصها للمطورين، يطالبونها بسرعة التدخل لتنظيم السوق العقاري، على وجه السرعة.
ترفض الشركات العقارية الكبرى الحديث عن الخسائر التي تواجهها يوميا، عدا قلة منهم تجبرها سياسة الإفصاح المالي للبورصة المصرية على التحدث عن تراجع الإيرادات وزيادة بمعدلات استرجاع الوحدات العقارية، بما يعمق الخسائر التي انتقلت من أكبر المطورين إلى أصغرهم، لتظل فئة قليلة قادرة على الصمود، حيث تتداخل مشاكل المطورين مع السمارة والمشترين في مشهد معقد، تهيمن عليه المضاربات مع أزمة سيولة، وقيود حكومية تزيد الأزمة تعقيدا.
صراع كبار المطورين في سوق العقارات
برزت خلال الأسابيع الماضية ملاسنات بين كبار المطورين العقاريين (المستثمرين) في مصر بسبب المضاربة في الأسعار وسياسات البيع. وكشف الصراع بين الكبار عن خلل هيكلي في السوق، حيث تسيطر حفنة من الشركات الكبرى على آليات التسعير، بينما يتعرض صغار المطورين للانهيار أمام ارتفاع تكاليف مواد البناء وصعوبة الحصول على التمويل من البنوك أو جذب عملاء جدد.
يدفع ذلك أصحاب المشروعات الصغيرة وذوي الملاءة المالية الضعيفة لخفض الأسعار بنسب تصل إلى 40% عند الدفع النقدي، في حين يتنافس الكبار على تقديم تسهيلات في الدفع تصل إلى "صفر" لمقدمات الحجز، بعد أن كانوا يطالبون بمبالغ تزيد عن 50% من قيمة الوحدات، وزادت الشركات من فترة سداد الوحدات من متوسط 3-7 سنوات لتتراوح ما بين 10- 12 عاما، ومع احتفاظهم بأسعار البيع القياسية، تضخمت القيمة الحقيقة للعقار، وحرمت المشترين من تحقيق أية عوائد متوقعة لمدد تزيد عن 15 عاما.
كما ظهرت آثار الصراع بين المطورين من جهة والسماسرة من جهة ثانية، على تعاملات بورصة الأوراق المالية، حيث فقد القطاع العقاري زخمه الذي حققه على مدار سنوات سابقة، حيث تراجع إلى مستويات متدنية، في عدد المتعاملين والمبيعات، رغم كونه من الروافع المهمة في سوق المال.
تؤكد خبيرة الاستثمار وسوق المال حنان رمسيس أن القطاع العقاري أصابه الوهن بطريقة واضحة خلال الفترة الأخيرة، وأصبح كـ"الرجل العجوز المريض" الذي يسير منحنيا وببطء شديد. وفي حديثها مع "العربي الجديد" أرجعت رمسيس أزمة القطاع العقاري إلى صراع الكبار الذين قيموا أسعار منتجاتهم خلال عامي 2023 ومطلع 2024، عند سعر للدولار مقابل 100 جنيه، ولا يريدون خفض مستوى الأسعار عند المعدلات التي وصل إليها الدولار حاليا بأقل من 50 جنيها، مبررين ذلك بارتفاع تكلفة مواد البناء والأراضي والرسوم الحكومية والتمويل، بما فجر "فقاعة التسعير" التي تسابق صغار المطورين على الخضوع إلى قواعدها، بينما تمسك الكبار بشروطهم في البيع مخافة غضب المشترين أو إرباك أعمالهم والعلاقة مع شركات التسويق التي حصلت على عمولات هائلة.
تؤكد رمسيس أن تغيير قانون الايجارات، وإن ساعد بعض الشركات الحكومية على استعادة ملكية هائلة من الوحدات العقارية، بما يقوى محفظتها المالية في البورصة إلا أن عدم وضوح الرؤية وعزم الحكومة طرح المباني التاريخية ووسط العاصمة للبيع لأجانب، وارتفاع تكلفة تجهيز تلك الوحدات للطرح بحالة جيدة، ستوجه كثيراً من الاستثمارات في لتحسين الثروة العقارية القديمة.
يأتي ذلك، بالإضافة إلى تحصيل الحكومة أموالا على تعميم أكواد العقارات التي تسهل عمليات البيع وتسجيل الوحدات، بما جذب نسبة كبيرة من الاستثمارات في القطاع العقاري، بعيدا عن التعامل مع سوق المساكن الجديدة، حسب رمسيس. وتضيف أنه "بينما يظل وضع السوق العقاري مخيفا وشديد الضبابية، يواجه فقاعة في التسعير وركودا يتجه به إلى فقاعة الطلب، في حين تظل الفقاعة العقارية الكبرى متأثرة بقدرة المطورين على تدبير التمويل اللازم لاستكمال المشروعات الجديدة وتسليمها، وقدرتهم على تدبير السيولة للمشترين الراغبين في الانسحاب من السوق، أو تصدير الأصول العقارية ببيعها لشركات وأفراد أجانب بالدولار.
أداء ضعيف في البورصة
تذكر رمسيس أن أداء الشركات العقارية الكبرى في البورصة خلال الأيام الماضية، كشف عن ضعف في مبيعات الأسهم وتراجع العائد على السهم، مؤكدة أن "مجموعة طلعت مصطفى" التي حققت مبيعات بنحو تريليون جنيه خلال الأشهر القليلة الماضية، تلجأ إلى توزيع عائد ضئيل على السهم، في حدود 30 قرشا، ويجري توزيعه بالتقسيط، لحجز السيولة التي تمكنها من الإسراع في تنفيذ المشروعات الجديدة، بما أضر برغبة المتعاملين في المضاربة على أسهم القطاع العقاري، الذي تراجعت أهميته مقابل صعود قطاعات أخرى أكثر ربحية مثل شركات إنتاج الأدوية والتأمين الصحي.
يبدو صراع كبار المطورين أكثر توحشا، مع بروز ملاسنات بين بعضهم، بسبب المضاربة في الأسعار وسياسات البيع، وظهر جليا في تصريحات حادة أطلقها رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، حول سوء الأوضاع بالسوق العقاري، وكذلك تصريحات أيمن عامر المدير التنفيذي لشركة سوديك التي استحوذت عليها شركة إماراتية مؤخرا، بدعوته الحكومة اعتماد نظام "حساب ضمان" لكل مشروع عقاري، يمنع المطورين من استخدام أموال العملاء إلا في الإنفاق المباشر على المشروع نفسه، ويحول دون قيامهم بتدوير الأموال عبر نظام "تلبيس الطواقي".
وقال عامر في مؤتمر لمناقشة أزمة الاستثمار العقاري عقد مؤخرا في القاهرة، إن نظام "حساب الضمان" يحمي أموال المشترين. وتفاقمت أزمة القطاع العقاري، مع شكوى المطورين الكبار من دور شركات التسويق العقاري (السماسرة) الذين حملوهم مسؤولة تضخيم الأسعار، مقابل حصولهم على عمولات سمسرة ضخمة عن البيع تصل إلى 10% من قيمة الوحدة، بما يزيد سعر البيع النهائي على المشترين، في المقابل لا يتحمل السماسرة أي مسؤولة عن تأخير تنفيذ أو تعثر المشروعات، بما يزيد من احتقان السوق.
وفي السياق، دعا رئيس رابطة التطوري العقاري طارق شكري في تصريحات صحافية الحكومة إلى التدخل لضبط أداء القطاع العقاري ومنع التسعير الجزافي وتنظيم العلاقة بين المطورين والسماسرة، في خلاف يعكس نقلة هيكلية في السوق، حيث أصبح المسوقون يضغطون على المطورين لخفض الأسعار أو تقديم تسهيلات أكبر في المقدمات ومدة التقسيط، تساعدهم على البيع، بينما يتلاعبون بالمشترين عبر الوعود، بإمكانية ارتفاع الأسعار خلال الأشهر القادمة بما يساعدهم على إعادة البيع السريع وتحقيق مكاسب " أوفر برايس".
يعزو خبراء عقاريون فقاعة الطلب على العقار، إلى حدوث أعنف موجات الطلب على العقارات التي شهدتها مصر في تاريخها، عقب انهيار الجنيه في مارس/ آذار 2022، ليهبط من 17 إلى 70 جنيها مقابل الدولار في مسار استمر عامين، حيث اتجه المواطنون للعقار ملاذاً آمناً لحماية مدخراتهم، واتجهت شريحة جديدة من المضاربين الباحثين عن مكاسب سريعة عبر إعادة البيع، وبما أدى إلى قفزة غير مسبوقة في الأسعار "فقاعة التسعير" وصلت بها إلى مستويات فاقت القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة مما أدى إلى "فقاعة طلب" سرعان ما تبخرت في مارس/ آذار 2024، عقب توقيع الحكومة اتفاق بيع مدينة رأس الحكمة، الذي وفر 35 مليار دولار ساهمت في تهدئة نسبية لسعر الصرف ووقف الاندفاع الجنوني نحو اكتناز الدولار وشراء العقارات، وبدأت إلغاءات غير مسبوقة في مبيعات العقار.