استمع إلى الملخص
- يركز المشروع الحكومي على تعزيز صلاحيات لجنة الرقابة وتقليل تأثير حاكم مصرف لبنان، نتيجة لتجارب سابقة أثارت أزمة مصرفية، مما أثار قلق بعض الأطراف السياسية.
- قدم حاكم مصرف لبنان رؤية بديلة تركز على الحفاظ على توازن الصلاحيات، مع اقتراح هيئة جديدة تحت إشرافه، بينما يفضل صندوق النقد الدولي تجنب تضارب المصالح.
تتابع لجنة فرعية في البرلمان اللبناني دراسة مشروع قانون إصلاح أوضاع المصارف، أو ما بات يُعرف محلياً بمشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وحتّى اللحظة، ما زالت اللجنة تحاول التوفيق بين المشروع الذي أقرّته الحكومة قبل إحالته إلى البرلمان، والتصوّر البديل الذي أعدّه وقدّمه أمام اللجنة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد. مع الإشارة إلى أنّ اللجنة الفرعيّة تلقّت كذلك مجموعة من الملاحظات المكتوبة من صندوق النقد الدولي، بخصوص المشروع نفسه.
قبل الخوض في الاختلافات ما بين طرحي الحكومة ومصرف لبنان، من المهم أوّلاً شرح مفاعيل ونطاق هذا التشريع المقترح. فبخلاف الشائع اليوم، لن يدخل هذا القانون بعد إقراره في مسألة توزيع الخسائر القائمة حالياً في القطاع المصرفي، أو في كيفيّة التعامل مع الفجوة الموجودة، أي الفارق ما بين الالتزامات والموجودات بالعملات الأجنبية. فهذه المسائل ستكون من اختصاص مشروع قانون مختلف يجري العمل عليه حالياً في الحكومة، تحت مسمّى مشروع قانون الانتظام المالي.
أمّا قانون إصلاح أوضاع المصارف، موضوع النقاش الراهن في البرلمان، فسيختص بتحديد الصلاحيات التنظيميّة والرقابيّة، للهيئات الموجودة في مصرف لبنان، والتي ستشرف على عمليّة إعادة الهيكلة. وهكذا سيؤمّن هذا التشريع الأدوات التنظيميّة والمعايير التي تسمح بتصفية المصارف غير القادرة على الاستمرار، أو بدمج أو إصلاح أوضاع المصارف التي ستستمر في العمل، بعد إعادة رسملتها.
من المعلوم أنّ القوانين الموجودة أساساً منذ ستينيات القرن الماضي وضعت صلاحيات رقابية على القطاع بيد لجنة الرقابة على المصارف. كما وضعت صلاحيات تنظيمية بيد الهيئة المصرفيّة العليا، التي تختص باتخاذ إجراءات بحق المصارف المتعثّرة أو المُخالفة.
إلّا أنّ الأطر التشريعية القائمة الآن لم تذهب بعيداً في تفصيل هذه الصلاحيات، أو في تحديد أصول التدقيق في الميزانيّات المصرفيّة ومن ثمّ اتخاذ القرارات بخصوصها. وكان هناك تضارب في المصالح نتيجة مشاركة المصارف نفسها في الهيئة المصرفية العليا، عبر ممثل عن جمعية المصارف، فضلاً عن ضعف صلاحيات لجنة الرقابة على المصارف.
لهذه الأسباب، كان من الضروري تعديل الأطر التشريعيّة الموجودة لضمان ثلاثة أهداف: تعزيز صلاحيّات لجنة الرقابة على المصارف، وتفصيل الآليّات التي ستكفل لهذه اللجنة التدقيق بميزانيّات المصارف قبل اتخاذ القرار بشأنها، وضمان استقلاليّة الهيئة المصرفية العليا التي ستتخذ القرارات النهائيّة بخصوص كل مصرف على حدة.
مشروع القانون الذي أعدّته الحكومة وحمل تصوّرها، طرح تعديل تركيبة الهيئة المصرفيّة، فأخرج منها ممثّل جمعيّة المصارف، لمنع تضارب المصالح. وأبقى على حاكم المصرف المركزي رئيساً للهيئة، لكنّه حاول جعل الهيئة أكثر استقلاليّة عن إدارة السلطة النقديّة، عبر توسيعها وإضافة ثلاثة خبراء من خارج المصرف المركزي يعيّنهم مجلس الوزراء. كما منح هذا الطرح رئيس لجنة الرقابة على المصارف حق العضويّة في الهيئة، والتصويت فيها.
وعلى المستوى الرقابي، حدّد مشروع القانون خريطة طريق مفصّلة لتدقيق ميزانيّات كل مصرف، من قبل خبراء مستقلّين، مع توسيع الصلاحيّات الممنوحة للجنة الرقابة على المصارف، لتتمكّن من تقديم التوصيات وفق نتائج هذا التدقيق. وعلى أساس هذه التوصية، يمكن للهيئة المصرفيّة العليا أن تذهب باتجاه أحد الخيارات المتاحة: تصفية المصرف، أو طلب إعادة رسملته، أو فرض مدير مؤقّت، أو ملاحقة الإدارات السابقة إذا ثبت تورّطها بمخالفات ذات طابع احتيالي.
يتضح من هذا الطرح أنّ الحكومة كانت مأخوذة بأولويّة توسيع الوظائف التدقيقيّة الممنوحة للجنة الرقابة على المصارف، مع الحد من إمكانيّة التأثير على عملها من قبل إدارة المصرف المركزي. كما يركّز طرح الحكومة على التخفيف من تأثير حاكم المصرف المركزي عند اتخاذ القرارات النهائيّة، عبر إعادة تشكيل الهيئة المصرفيّة العليا، وتطعيمها بأعضاء لا يخضعون للحاكم إدارياً.
ويبدو أنّ الحكومة ذهبت بهذا الاتجاه مدفوعة بتجربة العقود الماضية. فأحد أسباب الأزمة التي يمر بها القطاع المصرفي اللبناني حالياً، نتجت تحديداً عن تضارب المهام بيد حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، إذ سعى سلامة -قبل حصول الانهيار- إلى تحقيق أهداف سياسته النقديّة، القائمة على تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانيّة. إلا أنّ هذه السياسة دفعته باتجاه قرارات هشّمت القطاع المصرفي، من خلال امتصاص وتبديد سيولة القطاع بالعملة الصعبة لدعم الليرة.
أثار طرح الحكومة حفيظة العديد من الأطراف السياسيّة، التي وجدت في مشروع القانون تطويقاً لدور وصلاحيّات حاكم مصرف لبنان. وفي حالة لبنان، غالباً ما يختلط النقاش القانوني والتقني بالهواجس الطائفيّة، بحكم الأعراف القائمة، التي تحدّد كل منصب إداري أساسي ضمن حصّة طائفة معيّنة. وهذا ما أدّى إلى تسميم السجال حول مشروع القانون، باعتبارات لا ترتبط بالشأن المالي أو المصرفي.
عند بدء مناقشة مشروع القانون في اللجنة البرلمانيّة الفرعيّة، قدّم حاكم مصرف لبنان رؤيته البديلة. وكان من الواضح أنّ طرح الحاكم يركّز على عدم القيام بتغييرات جذريّة في توازن الصلاحيّات داخل مصرف لبنان، وخصوصاً إذا كانت ستمس بموقع ونفوذ الحاكميّة.
فضّل الحاكم عدم القيام بأي تعديل على تركيبة أو صلاحيّات الهيئة المصرفيّة العليا، مع حصر عملها بالجانب المعلّق بتأديب المصارف المُخالفة. أمّا أعمال إصلاح أو تصفية المصارف المتعثّرة، فستكون من مهام لجنة جديدة سيجري استحداثها خصّيصى لهذه الغاية، تحت مسمّى الهيئة المختصّة بإصلاح أوضاع المصارف.
وبحسب الطرح، ستتشكّل هيئة إصلاح أوضاع المصارف من خمسة أعضاء، من بينهم أربعة أعضاء يشغلون أساساً عضويّة المجلس المركزي لمصرف لبنان، وهم الحاكم نفسه، واثنان من نوّابه، ومدير عام وزارة الماليّة. وبهذا الشكل، ستكون الهيئة بأسرها ملحقة بالحاكميّة والمجلس المركزي. وسيملك الحاكم، مع الأعضاء التابعين إدارياً له في المصرف، الأغلبية الساحقة من أصوات الهيئة. مع الإشارة إلى أنّ الحاكم يرأس المجلس المركزي للمصرف، تماماً كما سيرأس الهيئة الجديدة بحسب هذا الطرح.
ثمّة انتقادات موجهة إلى هذا الطرح. ومنها احتمال حصول تضارب في الصلاحيّات، ما بين الهيئة المصرفيّة العليا التي سيجري الإبقاء عليها لتأديب المصارف المُخالفة، وهيئة إصلاح أوضاع المصارف التي ستُستحدث بموجب القانون الجديد، إذ هناك شكوك بإمكانيّة الفصل ما بين إجراءات التأديب من جهة، وإجراءات التصفية وإصلاح الوضع المصرفي من جهة أخرى.
كما بدا أنّ طرح حاكم مصرف لبنان يقزّم من دور لجنة الرقابة على المصارف، التي سيُحرم رئيسها من عضويّة الهيئة الجديدة المُستحدثة. وأخيراً، لا يحقّق طرح الحاكم أي تمييز في العضويّة ما بين إدارة السياسة النقديّة، التي يتولّاها المجلس المركزي لمصرف لبنان، وإدارة الشأن المصرفي الذي ستتولاه اللجنة الجديدة.
أخيراً، بين مشروع الحكومة وطرح حاكم مصرف لبنان، يبدو أن صندوق النقد الدولي فضّل عدم الانحياز إلى أي طرف، إذ ابتعدت ورقته عن اتخاذ موقف بشأن هذه المسائل الخلافيّة، في مقابل التركيز على عدم مشاركة المصارف التجاريّة -بشكل مباشر أو غير مباشر- في اتخاذ القرارات، منعاً لتضارب المصالح. كما فضّل صندوق النقد الغوص في جوانب المشروع التقنيّة، المتعلّقة بكيفيّة تقييم أوضاع المصارف، أو طريقة احتساب الالتزامات المتوجبة عليها.