استمع إلى الملخص
- تلعب الحكومة دورًا كبيرًا في دعم القطاع العقاري، مما أدى إلى زيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا قطاعات إنتاج الثروة الحقيقية، مما يعكس تشوهًا اقتصاديًا.
- يمكن أن يكون الركود العقاري آلية تصحيحية، حيث يسهم في تقليص الفجوة بين العرض والطلب وتحسين الكفاءة الاقتصادية رغم الخسائر المحتملة.
رغم ما يبدو واضحاً من بوادر ركود في السوق العقارية المصرية، لا تزال القوى المستفيدة من القطاع تنكر واقع الفقاعة مدافعةً بالباع والذراع عن مكاسبها، حتى ولو بترويج الأوهام والتدليس الصريح أحياناً، دونما اهتمام أو مراعاة للخلل الواضح الذي يعانيه القطاع وما يعبّر عنه، فضلاً عما يسبّبه من مشكلات لمُجمل عمل الاقتصاد المصري وأدائه الكلي؛ باعتقاد ساذج بأن البهلوانيات المالية والأكروبات الإعلانية يمكن أن تناور كثيراً وتُضلّل طويلاً حقائق العرض والطلب المادية الملموسة.
ضمن هذا، لا تزال حجة النمو السكاني المُبتذلة مستمرة بالتكرار، رغم خوائها الواضح بالمنطق الاقتصادي وتناقضها الصريح مع مفهوم الطلب الفعّال الكينزي، ورغم تفنيدها مئات المرات بحقيقة ما شهده البلد من تدهور حاد وسريع في الدخول الحقيقية والقوة الشرائية بعد نصف دستة تخفيضات/تعويمات للعملة الوطنية خلال عقد الاقتراض المُنفلت والإهدار الاستثماري.
يساعدهم في ذلك دعم حكومي هائل، سواء بشكل مباشر يتجلّى في انخراط الحكومة نفسها في القطاع العقاري والتشابك البيروقراطي مع العديد من كبار المطوّرين العقاريين عبر منظومة المناقصات العامة، أو بشكل غير مباشر من خلال السياسات النقدية والمالية والنمط التنموي - السياسي الذي اتبعته الإدارة المصرية طوال العقد المنصرم، المرتكز على تزاوج التوسّع النقدي والاقتراض الخارجي مع تنمية البنية التحتية وإطلاق المشروعات القومية، بما لهما من ارتباطات وارتدادات تدعم نمو القطاع كمّياً وسعرياً.
لا عجب في انعكاس ذلك، على ما ذكره أحمد سمير وزير التجارة والصناعة، في نمو نسبة القطاع العقاري من 16% إلى أكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي المصري خلال الفترة 2020-2023، بنسبة نمو مذهلة، بالنسبة للمستوى القطاعي، تناهز الـ 25% تقريباً خلال ثلاثة أعوام فقط لا غير.
والأسوأ، تجاوز الأمر لوتيرة النمو النسبية للقطاع إلى تجاوز حصته الكلية المطلقة في الناتج المحلي الإجمالي نظيرتها لقطاعات إنتاج الثروة الحقيقية، كالصناعة التحويلية التي بلغت 15% فقط منه عام 2023 (نزولاً من 17% قبل عقد)، والزراعة التي بلغت 11.6% منه، ما يمثّل تشوّهاً ضخماً بهيكل الاقتصاد وتدهوراً باتجاهات تطوره، بما يستدعي التساؤل والقلق، وليس التباهي بأهمية القطاع كما يفعل بعض الحمقى والمدلّسين بألطف الأوصاف وأكثرها تهذيباً.
الكذب والتدليس في إنكار الفقاعة أو -الأسوأ- التباهي بها!
ليس في وصفهم بالتدليس أي افتئات أو مبالغة، فأولاً، نفس أولئك المتحدثين عن النمو السكاني كرافد للطلب على العقارات، يتجاهلون أن أغلب العرض من الإسكان يتجه للإسكان الفاخر مُتجاهلاً الطلب غير المُشبَع على الإسكان الرخيص، الشعبي والمتوسط، الذي يُفترض منطقياً ورياضياً كونه أغلب الطلب بأي سوق، فضلاً عن بلد أقرب للفقر منه للثراء، وهو الأمر المستمر منذ أواسط السبعينيات وتفاقم مع إلغاء نظام التراخيص النوعية، بل وطاول أخيراً مشاريع الإسكان الحكومي نفسها، التي اتجهت بدورها إلى التركيز على الإسكان الفاخر بما تجاوز لأول مرة الإسكان الشعبي والمتوسط، ليقترب في الأعوام الأخيرة من ثلثي الإسكان الحكومي حسب بعض التقديرات، في مفارقة شاذة حتى بالمنطق السوقي، إضافة إلى منطق الدور الاجتماعي لأي حكومة تحاول معالجة خلل سوق الإسكان والقيام بدورها في توفير سلعة بهذه الأهمية الاجتماعية.
ثانياً، من أفواههم أنفسهم، فوصف القطاع بالملاذ الآمن هو نفسه أكبر إدانة لهذا الفخر والتباهي بنمو القطاع؛ لأن الناس لا يبحثون عن الملاذات الآمنة ولا يذهبون إليها إلا نتيجة لسوء توقعاتهم لمستقبل الاقتصاد ولضعف ثقتهم بالسياسات الاقتصادية والعملة الوطنية؛ ما يبدو كما لو كانوا سعداء بالأعراض المرضية بدلاً من القلق منها، الأمر الذي يمكن فهمه من المطوّرين والسماسرة المستفيدين من القطاع، لكن يصبح مهزلة مكتملة الأركان عندما يشمل ذلك المسؤولين الحكوميين!
ثالثاً، ذلك الإنكار المستمر لوجود الفقاعة بدعوى محدودية التمويل العقاري في مصر، يتجاهل أولاً المظهر المادي للفقاعة، أو الورم بالأحرى في هذه الحالة، مُجسَّداً بأكثر وجوهه وضوحاً في العقارات غير المُستخدمة البالغة حوالي 30% من الشقق على مستوى الجمهورية، كما يتغافل عن قيام المطوّرين العقاريين أنفسهم بذلك الدور، مع تطاول فترات التقسيط والتنازل أحياناً عن أي مقدمات سداد وما شابه من إجراءات، بالتوازي مع استخدامهم لآلية التوريق (بيع الأقساط للبنوك)، والذي وإن صحّ مع محدوديته فإنه لا ينفخ كثيراً من الهواء في الفقاعة نفسها، على غِرار ما حدث بالدور الهائل للتمويل العقاري في الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة الأميركية أوائل الألفية، فإنه يكشف بذاته عن الفجوة السلبية بين الطلب والعرض؛ واضطرار المطوّرين لتقديم عروض وتيسير الاشتراطات والمتطلبات لتشجيع المشترين وسد تلك الفجوة.
لماذا لم تكن الفقاعة حتمية؟
الواقع أنه لو كانت مصر تسير في مسارها التنموي الصحيح لكنا أول من يتفاءل ويراهن على الآفاق الهائلة لاستمرار النمو "الصحي" للقطاع العقاري المصري؛ أولاً وقبل كل شيء؛ لكوننا في بلد لا تزال نسبة التحضّر به شديدة الانخفاض بالنسبة لمتوسط التحضّر العالمي، بفارق نسبي ضخم يبلغ حوالي الثلث بين 43% للأولى مقابل 57% للثاني، لكن حقائق التدهور الحالي بالواقع الاقتصادي والاجتماعي تسير في الاتجاه العكسي ضمن اقتصاد ترحيل الركود (الذي تناولناه في مقال سابق)، كما لا تدعم، وهو الأهم، الآفاق الإنتاجية والقطاعية التاريخية للاقتصاد، وفي قلبها الركود النوعي الممتد لأكثر من خمسة عقود بقطاع الصناعة التحويلية بالخصوص، فهكذا انتقال تاريخي ضروري على صعيد التحضّر، كان سيتبعه نمو القطاع العقاري حتماً كنمو عَرضي لقطاع تابع، وليس كقطاع رائد للنمو كما يتفاخر من يرون منطق التطور التاريخي للاقتصادات والمجتمعات بالمقلوب!
ثانياً، كان من المُفترض مع محدودية التمويل العقاري، والتشدّد، الإيجابي نسبياً، في إجراءات الائتمان، ألا تحدث أي فقاعة من الأساس، لكن التساهل في المقابل في توفير الائتمان لشرائح رأسمالية المحاسيب ولمطوّري العقار ذوي الحظوة؛ بما اتسمت به ممارساتهم الاستثمارية من انحياز عقاري عموماً وسوء تخصيص داخل القطاع خصوصاً، مع الدعم الحكومي غير المباشر عبر السياسات المالية والنقدية العامة، كان مما ساهم بقدر غير هيّن في نمو المعروض العقاري، من الإسكان الفاخر بالأساس، ومن ثم في أزمة الورم العقاري بالمُجمل.
ثالثًا، خرجت الحكومة عن دورها الاقتصادي والاجتماعي، وتحوّلت إلى تاجر ومستثمر يستهدف الربح؛ فساهمت في طفرة أسعار العقارات، بدلاً من ضبطها بالقوانين وزيادة المعروض من السكن -الشعبي والمتوسط- كسلعة ضرورية، ما تحقّق عبر العديد من الروافد، أولها دورها المباشر في القطاع العقاري عبر مشروعات الإسكان خاصتها وما فرضته من أسعار دفعت من خلالها السوق العقارية كلها لرفع أسعارها، وثانيها تبنّيها دعاوى "تصدير العقار" السفيهة، التي تكرّر غباء دعاوى تنمية قطاع تابع كالسياحة بمَعزِل عن تطوير مُجمَل الإطار الاقتصادي والاجتماعي، والتي لا تعني أي شيء في مُحصّلتها الأخيرة، وأهدافها الحقيقية باستخلاص بعض الدولارات السهلة، سوى حقن السوق المحلية بمزيد من هياكل الأسعار الدولية (بالدولار القوي) التي لا تحتملها قدراته الداخلية المحلية (بالجنيه المتدهور)، فيما ثالثها عبر قناة تكلفة الأرض التي تمثّل بين 35% و45% من التكلفة النهائية للعقار، والتي أصبحت الحكومة تتعامل معها بمنطق التاجر كوسيلة لتحصيل الإيرادات العامة وتوليد الريوع للفئات ذات الحظوة.
رابعًا: لم يكن الورم العقاري، بوصفه حالة تضخّم بالقطاع عموماً بما يتجاوز مجرد إشكالية تضخّم أسعاره، سوى أحد نتاجات حالة المرض الهولندي الشاذة التي أُصيبت مصر ببعض أعراضها، لأسباب أبعد ما تكون عن أسبابها المنطقية المعروفة تاريخياً من طفرة موارد طبيعية، ما حدث بفعل نموذج الانفتاح الساداتي القائم على تحويلات العاملين بالخارج منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، ثم بفعل طفرة الاقتراض الأجنبي المنفلت خلال العقد المنصرم، وهو المرض الذي يشمل كذلك تضخّم أنشطة المضاربات على الأصول بأنواعها المختلفة، وعلى رأسها العقارات، خصوصاً مع محدودية منافذ التراكم الإنتاجي في الاقتصاد المصري محدود التصنيع أولاً، والمضطرب بتناقضات التضخم المُزمن والسياسات الانكماشية ثانياً، وبتدخل بيروقراطي غير رشيد ولا يخلو من الفساد ثالثاً.
خامسًا: كأكثر من مجرد ملاذ آمن، عمل العقار في مصر كقناة لغسل الأموال الفاسدة، أو ما وصفه الدكتور محمود عبد الفضيل منذ عقود بـ"الأموال الخفية"، التي يمكن الجزم بضخامتها، سواء الناتجة عن أنشطة إجرامية صريحة كتجارة الممنوعات وتهريب الآثار وما شابه، أو الناتجة عن الفساد البيروقراطي وعلاقات المحسوبية المتضخّمة في بلد تدهور بشدة على مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، بل ويشمل الأمر حتى تلك الأموال الناتجة عن أنشطة شرعية، ليست فاسدة بحد ذاتها، لكنها تحقّقت بالقطاع غير الرسمي، وتحاول الهروب من التتبّع الحكومي المعني حصراً بالتحصيل المالي الضريبي ضيق الأفق، بدلاً من الإدماج الإنتاجي لتعزيز النمو طويل الأجل للقوى الإنتاجية.
خلل في السياسات الاقتصادية الكلية
إلى جانب المسببات الخمسة السابقة التي دفعت تلك الفقاعة التي لولاها ما كانت لتحدث، أسهم اتجاهان محوريان في السياسات الاقتصادية الكلية كذلك في تفاقم تلك الفقاعة، كمظهر لأزمة بالاقتصاد المصري لا كعلامة ازدهار؛ ما يطرح مُفارقة أن علاجها كجزء من سياسة كلية أشمل يستلزم عدم معالجتها بذاتها وحدياً تركها للانفجار التلقائي.
أولاً: سياسات التوسّع النقدي (بزيادة المعروض من السيولة النقدية) في سياق سياسات انكماشية كلية (برفع أسعار الفائدة)، والتي فاقمت معدلات التضخّم الفعلي والمُتوقّع، وأشعلت نيران المضاربات على الأصول، بالتفاعل مع صدمات التعويم المتتالية؛ فعزّزت من الميول الاكتنازية والهروبية إلى الملاذات الآمنة، فضلاً عن آثارها العديدة على كافة جنبات الاقتصاد، التي ترتد بدورها بمزيد من تراجع الاستثمار والاتجاه إلى تلك الملاذات.
ثانياً: عجز سياسات التصنيع والتصدير وتدهور مناخ الاستثمار والثقة العامة وتفاقم حالة عدم التأكّد؛ بما يعمّق من مشكلات محدودية منافذ التراكم والميول الاكتنازية والمضاربية قصيرة الأجل؛ بما زاد من الانحياز العقاري القائم بالاقتصاد، والذي تعزّز بانخراط الحكومة نفسها أخيراً فيه، خصوصاً مع دعاوى "تصدير العقار" وما شابه، بدلاً من معالجته ومقاومته.
ركود يدعو إلى التفاؤل!
على كل سوء سمعتهما، يمثّل كلُ من الركود والأزمات بكل تكاليفهما آليات معالجة وضبط لاختلالات التخصيص التي حدثت في فترات الرواج، إنها طريقة السوق القاسية لمعالجة فوضاها في فترات نموها، وربما يعطّلها ويضعف فاعليتها لبعض الوقت، تشوّه السوق وعدم كمالها في مصر، كذا مقاومة الحكومة نفسها، ومن ورائها شبكات المصالح وقوى المحاسيبية، لعقاب السوق للانحياز القطاعي وسوء التخصيص وخلل السياسات الكلية، إلا أنها ستؤدي دورها في النهاية وتصفّي -جزءاً على الأقل من- هذا التكسّب الريعي المُنفصل عن اعتبارات الكفاءة الاقتصادية والحاجات الاجتماعية.
ورغم ما سيتضمّنه ذلك الركود من خسائر وآلام، فإنه لا يخلو مما يدعو إلى التفاؤل، سواء بتصفية جزء من فجوة العرض والطلب والموارد المُهدَرة بعدم الاستخدام، أو بتقليص جزء من الورم العقاري الضار وتصفية بعض من أساطيره التي لا يزال كثيرٌ من المصريين أسرى لها!