غياب خطوط النقل العام أعباء يومية ترهق حياة العراقيين

08 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 15:54 (توقيت القدس)
أزمة نقل في العراق ترهق كاهل المواطنين. بغداد 5 مارس 2025 (طه حسين علي/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني العراق من غياب منظومة نقل عام حديثة، مما يثقل كاهل المواطنين اقتصادياً واجتماعياً، خاصة بعد الاعتماد على وسائل نقل غير منظمة بعد عام 2003، مما زاد من كلف النقل وتأثيره السلبي على مستوى المعيشة.

- يؤثر غياب النقل العام على الأبعاد الاجتماعية والبيئية، مثل تفاقم الاختناقات المرورية وزيادة التلوث، مما يهمش فئات مثل الطلبة وكبار السن وذوي الإعاقة، ويؤثر على فرص التعليم والعمل.

- يوصي الخبراء بإطلاق شبكة حافلات حكومية بأسعار مدعومة وتنظيم النقل الأهلي، مع إشراك القطاع الخاص، لتخفيف معاناة المواطنين وتحسين الوضع الحالي.

لا يقتصر الحديث عن الأزمات الخدمية في العراق على الكهرباء أو السكن أو البطالة فحسب، بل يمتد بهدوءٍ مثقل إلى النقل العام، الذي يكاد يكون غائباً عن الأوليات الحكومية، رغم حضوره اليومي القاسي في حياة الملايين. فغياب منظومة نقل عام حديثة ومنظمة، وذات مسارات واضحة في عموم البلاد، حوّل التنقل اليومي عبئاً اجتماعياً ونفسياً، فضلاً عن تأثيره الاقتصادي على كاهل المواطن العراقي، ولا سيما من فئات الموظفين والعاملين ممن يحتاجون إلى التنقل يومياً.

وعلى مدار أكثر من عقدين بعد عام 2003، تُرك العراقيون عملياً رهناً لوسائل نقل غير منظمة، تعتمد في معظمها على القطاع الخاص، من سيارات الأجرة الفردية إلى "السرفيس" والحافلات الصغيرة، من دون تسعيرة مستقرة أو رقابة حقيقية، ما أدى إلى تضخم كلف النقل الداخلي بشكل مستمر، انعكس مباشرة على مستوى المعيشة.

وكان النقل العام قبل عام 2003 يشكل ركيزة أساسية في حياة العراقيين، فقد كانت "باصات" النقل الحكومية منتشرة في المدن، تعمل وفق مسارات معروفة، وبأسعار بسيطة ومدعومة، مع خصوصية واضحة للطلبة والموظفين وكبار السن. اليوم، لا يلمس العراقيون أي محاولة جادة لاستعادة تلك التجربة أو تطويرها بما ينسجم مع متطلبات العصر، سواء عبر حافلات حديثة، أو شبكات نقل سريعة، أو حتى تنظيم فعلي للنقل داخل المدن.

خطط غائبة وتبريرات متكررة

وزارة النقل والجهات المعنية غالباً ما تبرر هذا الملف بـ"ضعف التمويل" أو "الأولويات المتراكمة"، وهي تبريرات يصفها مختصون بأنها "غير مقنعة"، خاصة في ظل موازنات انفجارية شهدها العراق في السنوات الماضية. ويشير خبراء في التخطيط والنقل إلى أن إنشاء منظومة نقل عام لا يتطلب بالضرورة مشاريع عملاقة في مرحلتها الأولى، بل يمكن البدء بخطوات تدريجية تنظيم المسارات، دعم الحافلات الكبيرة، فرض تسعيرة عادلة، وربط النقل بالتخطيط العمراني.

آثار اجتماعية وبيئية مهملة

لا تتوقف آثار غياب النقل العام عند التأثيرات المالية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وبيئية خطيرة، فالاعتماد شبه الكامل على السيارات الخاصة وسيارات الأجرة ساهم في تفاقم الاختناقات المرورية في الشوارع التي باتت تستهلك ساعات طويلة من أوقات المواطنين، وزيادة معدلات التلوث، وارتفاع نسب الحوادث.

وقال المواطن علي الطائي، وهو موظف حكومي من أهالي بغداد، لـ"العربي الجديد"، إن "هذا الواقع أدى إلى تهميش فئات اجتماعية كاملة، مثل الطلبة والموظفين في مناطق الأطراف، وكبار السن، وذوي الإعاقة، الذين يجدون صعوبة حقيقية في التنقل اليومي، ما ينعكس على فرص التعليم والعمل والاندماج الاجتماعي".

انتقادات غياب الرؤية الحكومية

ويرى ناشطون في الشأن الخدمي أن "مشكلة النقل العام ليست تقنية بقدر ما هي أزمة إرادة ورؤية". وقال الناشط مقداد الكرخي، لـ"العربي الجديد"، إن "غياب استراتيجية وطنية للنقل تربط بين المحافظات والمدن والأحياء، يعكس ضعف التخطيط طويل الأمد، وترك الملف بيد السوق غير المنظم". وأكد أن "تجارب محلية وعالمية عديدة كان يمكن للعراق الاستفادة منها، سواء في دول نامية واجهت ظروفاً مشابهة، أو حتى من تجاربه السابقة، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن".

معالجات ممكنة

ويشير مختصون في النقل العام إلى أن معالجة أزمة النقل العام تبدأ بإقرار النقل "خدمة اجتماعية" لا مشروعاً ربحياً فقط، مع معالجات أخرى. وقال عضو هيئة النقل العام المرتبطة بوزارة النقل، ماجد الربيعي، لـ"العربي الجديد"، إن هناك "جملة حلول ومعالجات ممكنة لو توفرت الإرادة لها، منها إطلاق شبكة حافلات حكومية بأسعار مدعومة، واعتماد بطاقات اشتراك شهرية مخفضة للموظفين والطلبة، وتنظيم عمل النقل الأهلي بدل تركه دون رقابة". وأضاف "نحتاج أيضاً إلى ربط النقل العام بخطط تقليل الزحام والتلوث، وإشراك القطاع الخاص ضمن ضوابط واضحة وعقود شفافة"، مؤكداً أنه "مع هذه الحلول العاجلة ستكون هناك نتائج سريعة للتخفيف من معاناة هذا الملف".