فجوة الثقة في السوق العقاري المصري تتسع رغم التوجيهات الرئاسية

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 07:06 (توقيت القدس)
تزايد شكاوى المواطنين من فوضى أسواق العقارات (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- توجيهات الرئيس السيسي لحصر مشكلات المواطنين مع المطورين العقاريين كشفت عن فجوة ثقة وغياب تنظيم في السوق العقارية، مما أدى إلى زيادة الشكاوى والحاجة لإعادة تنظيم شاملة.
- الأرقام الحكومية تشير إلى تعامل منظومة الشكاوى مع 229 ألف شكوى في يوليو، منها 36 ألف في الإسكان والمرافق، مما يبرز الحاجة لتنظيم العلاقة بين المطور والمشتري.
- الخبراء يحذرون من الفوضى التشريعية والرقابية وارتفاع الأسعار، مطالبين بإطار تشريعي ينظم العلاقة بين المطور والمشتري لضمان حقوق الطرفين.

فتح توجيه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، للحكومة بحصر مشكلات المواطنين مع المطورين العقاريين الباب أمام واحدة من أوسع موجات الشكاوى في السوق العقارية، كاشفًا عن فجوة متزايدة في الثقة بين المشترين وشركات التطوير، وغياب دور الدولة في تنظيم السوق العقارية وضبطها، في وقت تراهن فيه الحكومة على العقار ليكون أحد أهم محركات النمو وقاطرة التنمية ومصدرًا متزايدًا للعملة الأجنبية.
لم تكن توجيهات السيسي في 26 أغسطس/ آب الماضي المرة الأولى التي يتدخل فيها لمتابعة الملف الشائك، إذ سبق أن وجَّه في 10 من الشهر ذاته بتشكيل لجنة لتفقد المشروعات العقارية في مختلف المحافظات للتأكد من الالتزام بمواعيد التسليم، واحترام العقود، وإنشاء البنية الأساسية والمرافق، ومحاسبة المخالفين. واللافت أن التوجيهات لم تغلق الملف، وإنما فتحت الباب أمام سيل جديد من الشكاوى التي أعادت إلى الواجهة مشكلات متراكمة تمتد من تأخر التسليم وتغيير شروط التعاقد والمطالبات المالية الإضافية إلى نزاعات الأرض والمرافق والخدمات، لتؤكد حاجة السوق العقارية إلى إعادة تنظيم شاملة بعد أن تجاوز نموها قدرة القواعد الحالية على ضبط العلاقة بين المطور والمشتري.
تكشف الأرقام الحكومية اتساع نطاق الغضب في ملف الإسكان والمرافق، إذ تعاملت منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة مع نحو 229 ألف شكوى وطلب واستفسار خلال يوليو/ تموز الماضي، بينها 36 ألف حالة في قطاعي الإسكان والمرافق، منها 23.3 ألفًا مرتبطة بالإسكان و12.7 ألفًا بالمرافق. لا يعني هذا الرقم أن جميع الشكاوى تخص المطورين العقاريين، لكنه يكشف أن الإسكان والمرافق أصبحا من أكبر مصادر اللجوء إلى الدولة لطلب التدخل.

وتظهر الشكاوى التي أعقبت توجيهات السيسي أن المشكلة لا تتوقف عند التأخير في التسليم، وإنما تمتد إلى ما يشتريه المواطن فعليًا عندما يوقّع العقد. ففي اتصال لـ"العربي الجديد" بعدد من الحاجزين في مشروع "هاسيندا حنيش" بساحل البحر المتوسط شمال البلاد، والذي كان يُعرف سابقًا باسم "أزميرالدا باي"، قدم عدد من الملاك استغاثة ضد شركة كليوباترا للتطوير العقاري، وقالوا إن الشركة لم تلتزم بالعقود وإنها تطالب بمبالغ إضافية تتجاوز 700% من السعر الأصلي للوحدة، إلى جانب تأخر التسليم وعدم وجود مرافق.
وفي مشروع "جنة العريف" بسيدي عبد الرحمن، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا، إذ قال ملاك بالمشروع لـ"العربي الجديد" إن النزاع مع المطور يمتد إلى نحو 33 عامًا، ويخص قرابة 1500 مالك؛ حيث ظهرت في السنوات الأخيرة تطورات مرتبطة بالأرض ومشروع جديد لشركة "ماونتن فيو" التي أصبحت مالكة لأرض المشروع، فرفضت الاعتراف بالعقود القديمة، بينما تقدمت لوزارة الإسكان بمشروع بديل يحرم أصحاب الأرض الأصليين من حقوقهم.
وقد نشرت تقارير استغاثاتٍ من الملاك على صفحات رئاسة الدولة ومجلس الوزراء ووزارة الإسكان، من بينها شكاوى تتهم أطرافًا مرتبطة بالمشروع بالتعدي على حقوقهم وممتلكاتهم، بينما تظل تفاصيل الملكية والنزاع محل إجراءات ومواقف قانونية متعددة. تكشف هذه الحالة أن المخاطرة التي يتحملها المشتري لا ترتبط دائمًا بالمطور الذي وقع معه العقد فقط، وإنما قد تبدأ من الأرض نفسها، وتتعلق بتاريخها وملكيتها، والشركاء السابقين، والقرارات الحكومية والقضائية التي صدرت بشأنها.
وفي قرية "لاسيرينا الساحل"، تقدمت فاطمة حميد بشكوى ضد شركة "لاسيرينا جروب" وشركة "إيليت لإدارة المشروعات السياحية" بشأن تكلفة المياه. وقالت حميد في شكواها إن إدارة القرية أعلنت خلال مايو/ أيار 2026 وجود انقطاع في مياه الشرب الحكومية، وإنها اضطرت إلى شراء المياه بواسطة سيارات نقل، ثم فرضت على الملاك 175 جنيهًا للمتر المكعب بأثر رجعي.
وأخبرت حميد "العربي الجديد" أن شكواها استندت إلى معاينات وقراءات قالت إنها أُجريت بالتعاون مع مسؤولي شركة مياه الشرب بمطروح، وتفيد بوصول المياه الحكومية إلى خزان القرية، مع تسجيل استهلاك يومي بين 280 و300 متر مكعب، بينما اتهمت الإدارة بعدم تشغيل محرك الرفع الداخلي رغم توافر المياه.
وطالبت حميد بوقف تحصيل تلك الرسوم وفحص تكلفتها ورد ما تم تحصيله إذا ثبت عدم وجود سند لها. وهنا يظهر وجه آخر للأزمة؛ فبعد شراء الوحدة لا تنتهي العلاقة المالية بين المواطن والمشروع، وإنما تستمر عبر الصيانة والمرافق والخدمات والرسوم، وهو ما يجعل أي غموض في إدارة هذه الخدمات مصدرًا جديدًا للنزاع، الذي امتد أثره لمعظم المجمعات السكنية "الكمبوندات" في أنحاء البلاد، والتي أصبح من مهامها تزويد السكان بالكهرباء والمياه والغاز وفقًا لأسعار تفرضها على السكان، بغض النظر عن قيمة الشراء من الجهات الحكومية، سواء التابعة للأجهزة المحلية أو لوزارة الإسكان.
ويفسر رئيس سابق لجهاز مدينة 6 أكتوبر، رفض ذكر اسمه، الظاهرة لـ"العربي الجديد" بأن الحكومة التي تشرف على 24 مدينة سكنية جديدة ليس لديها الأعداد الكافية من الموظفين أو المعدات التقنية التي تمكنهم من التعامل مع الجمهور في الخدمات العامة، لذلك تفضل أن تورد للمجمعات السكنية المياه والكهرباء والغاز لإدارة كل مجمع، ليكون من السهل عليها التعامل مع جهة واحدة، بينما تتولى هي إعادة بيع الخدمات وتحصيل مستحقات الدولة وما تحصل عليه من فروق في الأسعار.

وفي مشروع "مراسي" التابع لشركة "إعمار مصر"، تصاعدت خلال شهري يوليو وأغسطس شكاوى ملاك "العلمين ريزيدنس" بشأن استخدام بعض المرافق والشاطئ ودخول الضيوف والرسوم المرتبطة بالخدمات. ونشرت وسائل الإعلام المحلية ما قاله أكثر من 120 مالكًا وجهوا رسالة طالبوا فيها بمراجعة حقوقهم في استخدام شاطئ البحر، حيث اشتروا وحداتهم في 2020 بسعر مرتفع، وفوجئوا لاحقًا بتغيير شروط الاستفادة من الخدمات بعد سداد قيمة الوحدة. بدورها ردت "إعمار الإماراتية"، بحسب ما نُشر عن الأزمة، بأن القيود تستهدف حماية الخصوصية وتنظيم استخدام المرافق، بينما تمسك ملاك بحقوقهم، ما أدى إلى استمرار النزاع.
لا تبدو آلاف الشكاوى التي اطلعت عليها "العربي الجديد" متطابقة في أسبابها أو أطرافها، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة؛ تبين أن المواطن هو الطرف الذي يدفع أمواله في بداية العلاقة، بينما يظل تنفيذ الوعد العقاري ممتدًا لسنوات، وبذلك يصبح المواطن عمليًا ممولًا للمشروع، لكنه لا يمتلك الأدوات التي تسمح له بتقييم المخاطر التي يتحملها.
هذه المفارقة دفعت الخبير الاقتصادي، هاني توفيق، إلى مطالبة الحكومة بوضع إطار تشريعي ينظم العلاقة بين المطور والمشتري، وإلى إلزام الشركات حسابات ضمان ("Escrow Account") تُودع فيها حصيلة أموال المشترين ولا يُسمح بسحبها إلا وفقًا لنسب الإنجاز الفعلية. وفي تصريحات صحافية، حذر توفيق من اعتماد بعض المشروعات على دورة تمويل تقوم على بيع مرحلة واستخدام التدفقات أو الشيكات المستقبلية لتمويل التزامات سابقة أو بدء مراحل جديدة، ثم الاعتماد على مبيعات لاحقة لاستكمال التنفيذ، مشددًا على أن الخطر لا يكمن في البيع على المخطط ذاته (فهو نموذج مستخدم عالميًا)، وإنما في أن يتحول إلى وسيلة لنقل مخاطر التمويل بالكامل إلى المشترين دون وجود حسابات ضمان أو رقابة تربط الأموال بمعدلات الإنجاز.
ويؤكد الخبراء أن الفوضى التشريعية والرقابية في السوق العقارية، مع ارتفاع الأسعار وتكلفة اقتناء عقار، دفعت السوق إلى حالة تباطؤ شديد، بما يمثل خطورة على الاقتصاد الكلي الذي يُعتمد عليه في توليد 20% من الناتج الوطني على مدار العقد الماضي. وأكد خبراء في السوق العقارية تحدثوا لـ"العربي الجديد" وجود مخاوف من عدم وضوح ملكية الأراضي، وخاصة في المجمعات السكنية الجديدة، وصعوبة تسجيل المشترين للعقار، وعدم القدرة على محاسبة المطورين غير الملتزمين وتلاعبهم بالعقود وقيمة رسوم الصيانة وتكلفة المرافق، مع صعوبات إعادة بيع الوحدة وغياب إجراءات تحمي الملاك في حالة تعثر المطور أو وفاته وتركه المجمعات السكنية ميراثًا على المشاع. وفي ظل فوضى تنظيمية، فإن المستثمر الأجنبي لن يشتري مترًا واحدًا؛ لأنه يبحث عن منظومة حقوق.