استمع إلى الملخص
- الفساد وسوء الإدارة والاعتماد على الاستيراد، بالإضافة إلى العقوبات الخارجية والمخاطر الجيوسياسية، ساهمت في الأزمة الاقتصادية، مع فشل الحكومات في استغلال الثروات لدعم الاقتصاد.
- بعد ازدهار اقتصادي في عهد هوغو شافيز، دخلت فنزويلا في انهيار اقتصادي بسبب الأزمات السياسية والديون، مما زاد من الغموض وعدم اليقين.
تعد فنزويلا نموذجاً صارخاً للدول التي تعيش حالة من التناقض الاقتصادي والمجتمعي الصارخ، فنحن أمام دولة بالغة الثراء وتمتلك ثروات نفطية وطبيعية وتعدينية ضخمة، لكن على أرض الواقع نجدها شديدة الفقر، حيث يعيش مواطنوها في حالة بؤس وانهيار اقتصادي ومالي، وفقر وبطالة وتعاسة، وتضخم جامح، ومعدل نمو يقترب من الصفر، وتهاوٍ في قيمة العملة بوليفار، وتبخّر المدخرات المحلية، وأزمة إنسانية خانقة.
بل تصنَّف فنزويلا على أنها ثاني أفقر دولة في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بعد هايتي، إذ يتفشى الفقر المدقع فيها، ويعيش أغلب سكانها تحت خط الفقر، وهناك ثمانية من كل عشرة أشخاص لا يجدون الحد الأدنى من الغذاء، وملايين الشباب يبحثون عن فرصة عمل.
وأسباب ذلك التناقض الصارخ تتراوح بين داخلية وخارجية. صحيح أن هناك أسباباً خارجية عرقلت استفادة الدولة الواقعة في أميركا اللاتينية من ثرواتها الضخمة مثل العقوبات الأميركية المتواصلة والحصار الطويل، والمخاطر الجيوسياسية التي لعبت الإدارة الأميركية دوراً في تعميقها وإشعال نيرانها، ومحاولة الأجانب السيطرة على قطاع النفط الحيوي، لكن في المقابل، لعبت أسباب محلية أيضاً دوراً كبيراً في حالة البؤس الاقتصادي التي يعيشها الشعب الفنزويلي، ومن أبرز تلك الأسباب الفساد وتهريب الأموال من قبل النخب، وسوء الإدارة، والاعتماد على الخارج والتبعية له، سواء في تموين الأسواق عبر الاستيراد المفرط، أو إدارة وتشغيل قطاع النفط، الذي تولت إدارته شركات عالمية كبرى، منها شيفرون الأميركية، مع تجاهل الحكومات المتعاقبة قطاعاً حيوياً هو الزراعة وتشجيع الإنتاج المحلي.
عبت الأسباب المحلية الدور الأكبر في حالة البؤس الاقتصادي التي يعيشها الشعب الفنزويلي، ومن أبرز تلك الأسباب الفساد المستشري، حتى بين الطبقة الحاكمة، وتهريب الأموال
ونظرة إلى الأرقام تكشف عن هذا التناقض الصارخ، ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يقارب 17% من الاحتياطي العالمي، متقدمة على السعودية وكندا، وتعد خزاناً استراتيجياً للمعادن، حيث توجد احتياطات واسعة من الذهب والحديد والبوكسيت ومعادن أخرى في جنوب البلاد، لكن على أرض الواقع تعيش الدولة النفطية حالة من الانهيار الاقتصادي والمالي الشديد، والتضخم المفرط الذي يعدّ الأعلى في العالم، حيث بلغت نسبته السنوية نحو 270%، ومن المتوقع، أن تقفز النسبة إلى 680% في العام الحالي، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
ولم تنعكس كل هذه الثروات الضخمة على حال الأسرة الفنزويلية ومستوى المعيشة في البلاد، ولذا وجدنا أكثر من 86% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وتواجه ملايين العائلات نقصاً في الحصول على السلع الغذائية والمساعدة الإنسانية، وهناك نقص حاد في الدواء والسكن، وتدهور شديد في البنية التحتية، بخاصة المرتبطة بالخدمات الحيوية من مياه وكهرباء واتصالات وطرق، وبسبب كلفة المعيشة الباهظة وقفزة البطالة المرتفعة البالغة نحو 35.6%، وفق أحدث الأرقام، اندفع ملايين الفنزويليين نحو الهجرة سواء إلى الولايات المتحدة أو دول أخرى، بحثاً عن فرصة عمل وحياة أفضل، في ظل تهاوي متوسط دخل الفرد إلى نحو ثلاثة آلاف دولار سنوياً.
وبدلاً من أن تدرّ ثروات فنزويلا النفطية مليارات الدولارات على خزينة الدولة وجدنا عجزاً شديداً في تلك الموارد وفساداً، ولذا اندفعت الأنظمة المتعاقبة إلى الاقتراض الخارجي، خاصة من الحلفاء، وفي المقدمة الصين، البالغة مستحقاتها نحو 10 مليارات دولار، ولذا قفز إجمالي الديون الحكومية لنحو 164 مليار دولار، وهناك نحو 60 مليار دولار ديونا متعثرة.
بعدما كانت فنزويلا تمر بمرحلة ازدهار اقتصادي ملحوظ خلال حكم الرئيس السابق هوغو شافيز، دخلت منذ سنوات مرحلة انهيار اقتصادي واسع النطاق
وبعدما كانت فنزويلا تمر بمرحلة ازدهار اقتصادي ملحوظ خلال حكم الرئيس السابق هوغو شافيز، (1999 - 2013) وكانت إحدى أكثر دول أميركا الجنوبية ثراء ومقصداً للمهاجرين من دول أخرى، دخلت منذ سنوات مرحلة انهيار اقتصادي واسع النطاق، أثر سلباً في كل نواحي الحياة، وعمقت المرحلة الأخيرة حالة المخاطر الجيوسياسية الواسعة التي تمرّ بها الدولة اللاتينية حالياً، عقب اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، من قبل القوات الأميركية، ودخول الدولة النفطية في حالة لا يقين.