فيراري.. هل ينهي عصر الكهرباء قصة السيارة الإيطالية الفاخرة؟
استمع إلى الملخص
- رغم التحديات، أظهرت فيراري متانة في نموذج الربحية بأرباح بلغت 670 مليون يورو، لكنها تواجه صعوبات في الحفاظ على هوامش الربح بسبب تغيرات الرسوم الجمركية وتباطؤ النمو.
- في المجال الرياضي، أنهت فيراري موسم الفورمولا وان في المركز الرابع دون فوز، وتحتاج للتكيف مع التغييرات التنظيمية في 2026 لاستعادة ثقة السوق.
في عالم المال قد تسامح الأسواق شركة تتعثر لموسم، لكنها لا تسامح شركة تبيع الحلم حين ترتبك في روايته. هكذا بدت حكاية شركة السيارات الرياضية الفاخرة فيراري في 2025، إذ لم تأت الضربة من مصنع أو من طلبات العملاء، بل من منصة العروض أمام المستثمرين. في يوم واحد تحوّلت قصة كانت تُقرأ كسهم رفاهية شديد المناعة إلى قلق جماعي حول النمو والربحية ومعنى التحوّل الكهربائي عند علامة تعيش على الندرة قبل كل شيء.
سهم يتهاوى
هذا التحول انعكس على السهم الذي وُصف بأنه سجل أسوأ جلسة له منذ الإدراج، بعدما هبط بنحو 15% في نيويورك في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وأشارت فايننشال تايمز في اليوم ذاته إلى تراجع مماثل عقب خفض أهداف الكهرباء وصدور توقعات ربحية أقل من المنتظر. وفي 10 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أشارت بيانات التداول إلى أن سهم فيراري كان منخفضاً بنحو 24% خلال العام، ما يوضح أن الصدمة لم تكن عابرة تماماً.
وأشارت وكالة رويترز في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي إلى أن سبب الانعطافة هو استهداف فيراري إيرادات صافية تقارب تسعة مليارات يورو بحلول 2030، مع هدف أرباح معدلة قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك لا يقل عن ثلاثة مليارات و600 مليون يورو، لكن السهم تعرض لهبوط قوي، حتى إن التداول أوقف مؤقتاً في لحظاته الأولى. كذلك أكّدت صفحة فيراري الرسمية في مقال المؤسسة في 9 أكتوبر/ تشرين الأول نفسه ملامح الخطة وربطتها بقوة مزيج الطرازات والتخصيصات وبالوضوح الذي يمنحه دفتر الطلبيات.
الرسالة التي أزعجت السوق لم تكن في رقم واحد فقط، بل في النبرة المتحفظة التي قُرئت كابتعاد عن قصة نمو أكثر جرأة كان يتوقعها المستثمرون. وهنا أوضحت صحيفة وول ستريت جورنال في أكتوبر 2025 أن أهداف الربحية طويلة الأجل جاءت دون توقعات كثير من المتابعين، وهو ما يفسر حساسية سهم اعتاد أن يُعامل كأصل نادر أكثر منه سهم شركة دورية من شركات السيارات.
ثم جاء محور الكهرباء ليزيد النار اشتعالاً. وأوردت فايننشال تايمز في أكتوبر الماضي أن فيراري خفّضت هدف السيارات الكهربائية بالكامل في تشكيلتها لعام 2030 من 40% إلى 20%، مع مزج متوقع يقوم على 40% محركات احتراق داخلي و40% هجينة و20% كهربائية بالكامل. هذه الأرقام نفسها ترد كذلك في وثيقة فيراري الرسمية الخاصة بالخطة الاستراتيجية المنشورة في اليوم نفسه على موقع الشركة.
ورغم أن الشركة حاولت تقديم التحول الكهربائي باعتباره إضافةً لا قطيعة، فقد طغت على العناوين فكرة التأجيل أو التراجع، إذ كشفت فيراري عن ملامح منصة أول سيارة كهربائية بالكامل تحمل اسم "إيليتريكا" (Elettrica)، على أن تبدأ التسليمات في أواخر 2026، لكن الإطار المالي المتحفظ غطّى على لحظة الإعلان وأعاد فتح أسئلة السوق حول سرعة التحول ومدى أثره على هوامش الربح. وذكرت المجلة الاستثمارية الأميركية بارونز (Barron’s) أن الحدث تضمّن أيضاً خطة إطلاق بمتوسط أربعة طرازات جديدة سنوياً بين 2026 و2030.
المفارقة
هنا تظهر المفارقة التي تراهن عليها فيراري في 2026. الشركة تقول إن قوتها ليست في توسيع الكميات، بل في مزيج الطرازات والسعر والتخصيص والانضباط في الندرة. وبحسب تقرير فيراري عن النتائج المالية للربع الثالث من 2025 المنشور على موقعها الرسمي، بلغت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك 670 مليون يورو بهامش 37.9%، وبلغ الربح التشغيلي 503 ملايين يورو بهامش 28.4%، وهي أرقام تعطي دليلاً على متانة نموذج الربحية حتى في عام مضطرب.
والأهم بالنسبة لفيراري كان درجة الرؤية على الطلب. فبحسب عرض نتائج الربع الثالث لعام 2025 المنشور في وثيقة الشركة الصادرة في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، يمتد دفتر الطلبيات إلى ما بعد 2027، وهو عنصر نادر في صناعة سيارات تتقلب عادة مع الدورة الاقتصادية. هذا الامتداد يفسر لماذا أصرت فيراري في موادها الرسمية على أن نموها المستقبلي تقوده الندرة والتخصيص، وليس مطاردة الحجم.
الرسوم القاتلة
لكن السوق في 2026 لا ينظر إلى الطلب وحده، بل إلى المخاطر التي يمكن أن تلتهم الهوامش. واحدة من هذه المخاطر هي بيئة الرسوم الجمركية والتسعير في الولايات المتحدة. وأفادت رويترز في 31 يوليو/ تموز 2025 بتعرض السهم لهزة كبيرة حين تحدّثت الشركة عن تعديل سياسات التسعير مع تغير الرسوم على السيارات المصنوعة في الاتحاد الأوروبي، كما نقلت نقاشاً حول قدرة فيراري على حماية هوامشها إذا تباطأت وتيرة نمو الأسعار والشحنات. بينما أشارت نتائج الربع الأول 2025 المنشورة على موقع فيراري في مايو/ أيار 2025 إلى أن الشركة قد تعكس شروط الاستيراد الجديدة على الأسعار بحد أقصى عشرة في المئة لبعض الطرازات بالتنسيق مع شبكة الوكلاء.
ومع كل ذلك، ظهر عامل آخر شديد الحساسية لعلامة تبيع الندرة، وهو قيمة إعادة البيع، إذ خفضت فيراري إمداداتها إلى المملكة المتحدة، في محاولة للحد من تراجع القيم المتبقية لبعض الطرازات هناك، وربط وسائل إعلام إيطالية ذلك بتغيرات ضريبية تخص غير المقيمين ضريبياً وما تلاها من قلق حول الطلب وإعادة البيع. وأوضحت أن هذا الملف مهم لأن جزءاً من قرار شراء فيراري يقوم على الثقة بأن السيارة تحفظ قيمتها مع الزمن.
رهانات فورومولا وان
وسط هذه الصورة المالية، جاءت 2025 رياضياً على غير ما تشتهي العلامة أيضاً. فحسب تقرير الموقع الرسمي لـ"فورمولا وان"، الصادر أمس الاثنين، أنهت فيراري موسم 2025 في المركز الرابع ببطولة الصانعين من دون أي فوز بسباق جائزة كبرى طوال العام. ورغم أن أعمال الشركة لا تعتمد مالياً على نتائج السباقات وحدها، فإن هالة الأداء على الحلبة تبقى جزءاً من سردية العلامة أمام العملاء والمستثمرين معاً.
أما 2026 فهي سنة مختلفة في "الفورمولا وان" أيضاً بسبب تغييرات تنظيمية واسعة في السيارة والمحركات، إذ تعتزم البطولة إدخال مصطلحات وأنماط جديدة مرتبطة بإدارة الطاقة وإلغاء نظام المساعدة التقليدي للتجاوز، ضمن أكبر تحديث تقني منذ سنوات. وشرح موقع "فورمولا وان" في تقريره التفسيري الصادر يوم السبت الماضي أن التغييرات تشمل حزمة ديناميكا هوائية جديدة وقواعد طاقة جديدة، ما يعني أن ميزان القوى قد يُعاد تشكيله بما لا يمكن ضمانه سلفاً.
ماذا عن 2026؟
هل تستطيع فيراري أن تعيد تشغيل محرك الثقة في 2026؟ الإجابة الأقرب أن الطريق ليس مستحيلاً، لكنه مشروط بالبرهان لا بالكلمات. السوق سيطالب بإشارات ربع بعد ربع تؤكد أن أهداف 2030 ليست سقفاً منخفضاً، بل أرضية يمكن تجاوزها، على أن تكون الإطلاقات الجديدة بتكاليف لا تسبق العوائد زمناً طويلاً، كما أن الرهان على الكهرباء يحتاج إلى دراسة شاملة ودخول السوق بقوة من خلال "إيليتريكا" الكهربائية ستدخل في 2026، فالسوق يحتاج إلى استعادة ثقة، في ظل التغوّل الكهربائي الذي يقضي على سيارات الزمن الجميل والنوستالجيا.