استمع إلى الملخص
- تواجه بعض الشركات مثل عمان للإسمنت تحديات هيكلية، لكن السياسات الحكومية ساهمت في تحسين الإطار التشريعي والتنظيمي، مما أدى إلى زيادة تراخيص الصناعات وطلبات الإعفاءات الجمركية.
- تركز الاستراتيجية الوطنية على تعزيز المحتوى المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، مع توظيف الكوادر الوطنية ونقل التكنولوجيا لتحقيق تحولات هيكلية في الاقتصاد.
يشهد القطاع الصناعي في سلطنة عمان نمواً قياسياً بعدما سجلت أرباح شركاته المدرجة في بورصة مسقط زيادة بلغت 476% في الربع الثاني من عام 2025، مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، ما سلط الضوء بشكل رئيسي على دور التحول الملحوظ بأداء شركات كبرى في هذ الإنجاز الاقتصادي.
وتعد "أوكيو" للصناعات الأساسية أبرز تلك الشركات، حيث تحولت من خسائر بلغت 3.4 ملايين ريال عماني إلى أرباح قدرها 9.9 ملايين ريال، كما سجلت شركات أخرى مثل جزيرة للصلب ومشروبات عمان أرباحا متزايدة بشكل لافت، ما عزاه مراقبون إلى سلسلة من السياسات الحكومية الداعمة للتنويع الاقتصادي، بحسب تقرير أورده الموقع الرسمي لوزارة الخارجية العمانية.
ورغم هذه النجاحات، يشير التقرير ذاته إلى أن بعض الفاعلين في القطاع الصناعي العماني، مثل شركة عمان للإسمنت وماجان للزجاج، يواجهون تحديات هيكلية أدت إلى انخفاض في الأرباح أو تعميق الخسائر، وإن كان هذا المؤشر استثنائياً وينطوي أيضاً على تحسن تدريجي في أداء الشركات ذاتها.
ومن بين السياسات التي أدت إلى هذه الطفرة في الأداء الصناعي تعزيز إطار عمل تشريعي وتنظيمي موحد للصناعة، وتسهيل إجراءات الترخيص، وتبسيط طلبات الإعفاءات الجمركية، ما ساعد على زيادة عدد تراخيص الصناعات بنسبة 62% وارتفاع طلبات الإعفاءات الجمركية بنسبة 42% حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، حسب تقرير نشرته "عمان أوبزرفر".
وتعكس هذه المعطيات ثقة المستثمرين في توجهات الاقتصاد العماني، بالإضافة إلى توسع القطاع الصناعي الذي شكل نحو 19.5% من الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة عام 2024، مع مساهمة متزايدة من الصناعات التحويلية، بحسب التقرير ذاته.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي العماني خلفان الطوقي، لـ"العربي الجديد"، أن الاستراتيجية الوطنية الصناعية، التي اعتمدتها سلطنة عمان عام 2024، تقود نقلة منهجية في توجيه القطاع الصناعي نحو تعزيز المحتوى المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، لكنه يوضح أن هذه الاستراتيجية لا يمكن أن تحدث تأثيراً فورياً على الإيرادات الحكومية أو الناتج المحلي الإجمالي، لأن آثارها تتحقق عبر مسار طويل، وليس بصورة تحويلات مالية مباشرة.
ويوضح الطوقي أن التأثير الحقيقي للاستراتيجية لا يظهر في شكل رسوم أو ضرائب جديدة، بل في تحولات هيكلية عميقة، تتمثل في توظيف الكوادر الوطنية وتأهيلها ونقل التكنولوجيا المحلية والعالمية إلى البيئة الصناعية العمانية، وهذه العناصر ليست مجرد دعائم ثانوية بل هي اللبنة الأساسية التي تُبنى عليها قدرات الاقتصاد العماني على المديين المتوسط والطويل.
وتركز الاستراتيجية العمانية على الصناعات التحويلية باعتبارها المحرك الرئيسي لتغيير ديناميكية التجارة، حيث يسعى القطاع إلى تقليل الواردات في منتجات يمكن تصنيعها محليا، ما يعيد توازن الميزان التجاري ويقلل الفجوة بين الصادرات والواردات، حسب الطوقي، لافتا إلى أن هذا التحول لا يهدف إلى زيادة الدخل الحكومي المباشر، بل إلى بناء اقتصاد أقل اعتمادا على الاستيراد، وأكثر استقرارا من حيث التوازن الخارجي.
ولا يتوقع الطوقي أن تساهم هذه الاستراتيجية بشكل ملموس في رفع الناتج المحلي أو تحسين موازنة الدولة في المدى القصير، لأن تأثيرها ليس مبنيا على حركة مالية فورية، بل على تغيير جذري في سلوك الإنتاج والاستهلاك، وهو تغيير يحتاج سنوات ليترسخ في البنية الاقتصادية.
فالهدف الأساسي لاستراتيجية الصناعة العمانية لا يتمثل في إيجاد مورد جديد للخزينة، بل في تمكين الاقتصاد من الاعتماد على ذاته، واستخدام الموارد المحلية مدخلات أساسية، وتعزيز المنتجات العمانية باعتبارها بدائل واقعية للسلع المستوردة، وهذا النهج يعيد تعريف النجاح الاقتصادي، "ليس من خلال الأرقام الجاهزة، بل من خلال قدرة الدولة على صنع ما تحتاجه، وبناء ما تستطيع تصديره"، حسب الطوقي.
ويخلص الطوقي إلى أن التحول الجاري في سلطنة عمان يعد جزءاً من رؤية أوسع تسعى إلى تأسيس اقتصاد صناعي مستدام لا يعتمد على الربح السريع، بل على القدرة التنافسية والتماسك الداخلي والثقة في المنتج الوطني، مؤكدا أن أي تقييم مبكر للنجاح يجب أن يركز على مؤشرات التمكين والتحول، لا على مؤشرات الإيرادات فقط.